الجزء التاسع عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب نزوله (ص) المدينة ، وبناؤه المسجد والبيوت ، وجمل أحواله إلى شروعه في الجهاد

كان سلمان الفارسي عبداً لبعض اليهود ، وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتب يخبرونه به ، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشام ، فسأله عن ذلك وصحبه ، فقال : اطلبه بمكة ، فثَمّ مخرجه واطلبه بيثرب فثَمّ مهاجره ، فقصد يثرب فأخذه بعض الأعراب فسبوه ، واشتراه رجلٌ من اليهود ، فكان يعمل في نخله ، وكان في ذلك اليوم على النخلة يصرمها ، فدخل على صاحبه رجلٌ من اليهود فقال :
يا أبا فلان !.. أشعرتَ أنّ هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيّهم ؟.. فقال سلمان : جُعلت فداك ما الذي تقول ؟!.. فقال له صاحبه :
ما لك وللسؤال عن هذا ؟.. أقبل على عملك ، فنزل وأخذ طبقاً فصيّر عليه من ذلك الرطب وحمله إلى رسول الله (ص) ، فقال له رسول الله (ص) :
ما هذا ؟.. قال :
هذه صدقة تمورنا ، بلغنا أنكم قومٌ غرباء قدمتم هذه البلاد فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا ، فقال رسول الله (ص) : سمّوا وكلوا ، فقال سلمان في نفسه وعقد بأصبعه : هذه واحدة يقولها بالفارسية ، ثم أتاه بطبق آخر فقال له رسول الله (ص) : ما هذا ؟.. فقال له سلمان :
رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هديةٌ أهديتها إليك فقال (ص) : سمّوا وكلوا وأكل (ع) ، فعقد سلمان بيده اثنتين ، وقال :
هذه آيتان – يقولها بالفارسية – ثم دار خلفه فألقى رسول الله (ص) عن كتفه الإزار ، فنظر سلمان إلى خاتم النبوة والشامة فأقبل يقبّلها .. فقال له رسول الله (ص) : مَن أنت ؟.. قال :
أنا رجلٌ من أهل فارس قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا ، وحدّثه بحديثه.ص106
المصدر: إعلام الورى ص42
أرخى (ص) زمام ناقته ، ومرّت تخب به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم ، ولم يكن مسجدا ، إنما كان مربدا ( أي موضع حبس الغنم والإبل ) ليتيمين من الخزرج يُقال لهما سهل وسهيل ، وكانا في حجر أسعد بن زرارة ، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن زيد ، فنزل عنها رسول الله (ص) ، فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم ، فوثبت أم أبي أيوب إلى الرحل فحلّته فأدخلته منزلها ، فلما أكثروا عليه قال رسول الله (ص) : أين الرحل ؟.. فقالوا :
أم أبي أيوب قد أدخلته بيتها ، فقال (ص) : المرء مع رحله .
وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحوّلها إلى منزله وكان أبو أيوب له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة ، فكره أن يعلو رسول الله فقال :
يا رسول الله !.. بأبي أنت وأمي ، العلو أحبّ إليك أم السفل ؟.. فإني أكره أن أعلو فوقك ، فقال (ص) : السفل أرفق بنا لمن يأتينا .. قال أبو أيوب :
فكنا في العلو أنا وأمي ، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن يقع منه قطرة على رسول الله (ص) ، وكنت أصعد وأمي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحسّ بنا ولا نتكلم إلا خفيا ، وكان إذا نام (ص) لا نتحرك ، وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف ( نردّ ) الباب على غرفتنا مخافةَ أن يصيب رسول الله (ص) دخانٌ ، ولقد سقطت جرّةٌ لنا وأُهريق الماء ، فقامت أم أبي أيوب إلى قطيفة لم يكن لنا والله غيرها ، فألقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافةَ أن يسيل على رسول الله (ص) من ذلك شيءٌ .ص109
المصدر: إعلام الورى ص42
قال (ص) لأسعد بن زرارة : اشتر هذا المربد من أصحابه ، فساوم اليتيمين عليه فقالا : هو لرسول الله ، فقال رسول الله (ص) : لا إلا بثمن ، فاشتراه بعشرة دنانير ، وكان فيه ماءٌ مستنقعٌ ، فأمر به رسول الله فسيل ، وأمر باللبن فضُرب ، فبناه رسول الله (ص) فحفره في الأرض ، ثم أمر بالحجارة فنُقلت من الحرّة ، فكان المسلمون ينقلونها ، فأقبل رسول الله (ص) يحمل حجراً على بطنه ، فاستقبله أسيد بن حضير فقال :
يا رسول الله !.. أعطني أحمله عنك ، قال : لا ، اذهبْ فاحمل غيره .
فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتى بلغ وجه الأرض ، ثم بناه أولا بالسعيدة : لبنة لبنة ، ثم بناه بالسميط : وهو لبنة ونصف ، ثم بناه بالأنثى والذكر : لبنتين مخالفتين ، ورفع حائطه قامةً ، وكان مؤخّره مائة ذراع .
ثم اشتدّ عليهم الحرّ فقالوا : يا رسول الله !.. لو أظللت عليه ظلا ، فرفع (ص) أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب ، ثم ظلّله وألقى عليه سعف النخل فعاشوا فيه ، فقالوا : يا رسول الله !.. لو سقّفت سقفا ، قال : لا عريش كعريش موسى ، الأمر أعجل من ذلك ، وابتنى رسول الله (ص) منازله ومنازل أصحابه حول المسجد ، وخطّ لأصحابه خططا ، فبنوا فيه منازلهم ، وكلٌّ شرع منه باباً إلى المسجد وخطّ لحمزة وشرع بابه إلى المسجد ، وخطّ لعلي بن أبي طالب (ع) مثل ما خطّ لهم ، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد .
فنزل عليه جبرائيل فقال : يا محمد !.. إنّ الله يأمرك أن تأمر كلّ مَن كان له بابٌ إلى المسجد أن يسدّه ، ولا يكون لأحد بابٌ إلى المسجد إلا لك ولعلي (ع) ، ويحلّ لعلي فيه ما يحلّ لك ، فغضب أصحابه وغضب حمزة ، وقال : أنا عمه يأمر بسد بابي ، ويترك باب ابن أخي وهو أصغر مني ، فجاءه فقال :
يا عم !.. لا تغضبن من سدّ بابك وترك باب علّي ، فوالله ما أنا أمرت بذلك ، ولكنّ الله أمر بسد أبوابكم وترك باب علّي ، فقال : يا رسول الله !.. رضيت وسلّمت لله ولرسوله .ص112
المصدر: إعلام الورى ص42
وكان رسول الله (ص) حيث بنى منازله كانت فاطمة (ع) عنده ، فخطبها أبو بكر فقال رسول الله : أنتظر أمر الله ، ثم خطبها عمر فقال مثل ذلك ، فقيل لعلّي (ع) : لِمَ لا تخطب فاطمة ؟.. فقال : والله ما عندي شيءٌ ، فقيل له : إنّ رسول الله (ص) لا يسألك شيئاً ، فجاء إلى رسول الله (ص) فاستحيى أن يسأله فرجع ، ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع ، ثم جاءه في اليوم الثالث ، فقال له رسول الله (ص) يا علّي ألك حاجة ؟!.. قال : بلى يا رسول الله !.. فقال : لعلّك جئت خاطباً ؟.. قال : نعم يا رسول الله !.. قال له رسول الله : هل عندك شيءٌ يا علي ؟!.. قال :
ما عندي يا رسول الله شيءٌ إلا درعي !.. فزوّجه رسول الله على اثنتي عشرة أوقية ونشّ ( أي نصف ) ، ودفع إليه درعه فقال له رسول الله (ص) :
هيّئ منزلا حتى تحوّل فاطمة إليه .. فقال علي (ع) :
يا رسول الله !.. ما ههنا منزلٌ إلا منزل حارثة بن النعمان ، وكان لفاطمة (ع) يوم بنى بها أمير المؤمنين (ع) تسع سنين ، فقال رسول الله (ص) : والله لقد استحيينا من حارثة بن النعمان قد أخذنا عامة منازله ، فبلغ ذلك حارثة ، فجاء إلى رسول الله (ص) فقال :
يا رسول الله !.. أنا ومالي لله ولرسوله ، والله ما شيءٌ أحبّ إليّ مما تأخذه والذي تأخذه أحبّ إليّ مما تتركه ، فجزاه رسول الله (ص) خيرا .
فحُوّلت فاطمة إلى علي (ع) في منزل حارثة ، وكان فراشهما إهاب كبش ، جعلا صوفه تحت جنوبهما . ص113
المصدر: إعلام الورى ص42
سألت الصادق (ع) : إنا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدأ ؟.. فقال :
ابدأ بقباء فصلّ فيه وأكثر ، فإنه أول مسجد صلّى فيه رسول الله (ص) في هذه العرصة ، ثم ائت مشربة أم إبراهيم فصلّ فيها ، وهي مسكن رسول الله (ص) ومصلاّه ، ثم تأتي مسجد الفضيخ ، فتصلّي فيه فقد صلّى فيه نبيك (ص).ص120
المصدر: فروع الكافي 1/318
لما قدم النبي (ص) المدينة تعلّق الناس بزمامٍ الناقة فقال النبي (ص) : يا قوم !.. دعوا الناقة فهي مأمورةٌ ، فعلى باب مَن بركَت فأنا عنده ، فأطلقوا زمامها وهي تهفّ في السير حتى دخلت المدينة ، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري ، ولم يكن في المدينة أفقر منه ، فانقطعت قلوب الناس حسرةً على مفارقة النبي (ص) .. فنادى أبو أيوب :
يا أماه !.. افتحي الباب ، فقد قدم سيد البشر ، وأكرم ربيعة ومضر ، محمد المصطفى ، والرسول المجتبى ، فخرجت وفتحت الباب وكانت عمياء فقالت : واحسرتاه !.. ليت كانت لي عينٌ أبصر بها وجه سيدي رسول الله (ص) ، فكان أول معجزة النبي (ص) في المدينة أنه وضع كفّه على وجه أم أبي أيوب فانفتحت عيناها . ص121
المصدر: المناقب 1/115

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى