الجزء التاسع عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب الهجرة ومباديها ، ومبيت علي (ع) في فراش النبي (ص) ، وما جرى بعد ذلك إلى دخول المدينة

قال النبي (ص) : مّن فرّ بدينه من أرض إلى أرض – وإن كان شبراً من الأرض – استوجب الجنة ، وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما . ص31
المصدر: مجمع البيان 3/98
وأورد الغزالي في كتاب إحياء العلوم ، أنّ ليلة بات علي بن أبي طالب (ع) على فراش رسول الله (ص) أوحى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل أني آخيت بينكما ، وجعلت عُمْر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يُؤثر صاحبه بحياته ؟.. فاختار كلٌ منهما الحياة وأحباها .
فأوحى الله تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب (ع) ، آخيت بينه وبين محمد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبرائيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرائيل (ع) ينادي : بخ بخ ، مَن مثلك يا بن أبي طالب ؟.. يباهي الله بك الملائكة ، فأنزل الله عزّ وجلّ : { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد }. ص40
المصدر: إحياء العلوم
قال أمير المؤمنين (ع) في جواب اليهودي الذي سأل عمّا فيه من علامات الأوصياء ، فقال فيما قال : ….. وأما الثانية يا أخا اليهود !.. فإنّ قريشاً لم تزل تخيل الآراء ، وتعمل الحيل في قتل النبي (ص) حتى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار- دار الندوة – وإبليس الملعون حاضرٌ في صورة أعور ثقيف ، فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتى اجتمعت آراؤها على أن يُنتدب من كل فخذ من قريش رجلٌ ، ثم يأخذ كلّ رجلٍ منهم سيفه ، ثم يأتي النبي (ص) وهو نائمٌ على فراشه ، فيضربونه جميعاً بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمها فيمضي دمه هدرا.
فهبط جبرائيل (ع) على النبي (ص) فأنبأه بذلك ، وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها ، والساعة التي يأتون فراشه فيها ، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار ، فأخبرني رسول الله (ص) بالخبر ، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي .
فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسروراً لنفسي بأن أُقتل دونه ، فمضى (ص) لوجهه ، واضطجعت في مضجعه ، وأقبلت رجالات قريش موقنةً في أنفسها أن تقتل النبي (ص) ، فلما استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ، ناهضتهم بسيفي ، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أليس كذلك ؟..قالوا : بلى يا أمير المؤمنين !.. ص47
المصدر: الخصال 2/14
قال رسول الله (ص) لعلي (ع) : يا علي !.. أنت مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد ، والروح من البدن ، حُبّبت إليّ كالماء البارد إلى ذي الغلّة الصادي …. الخبر . ص82
المصدر: تفسير الإمام ص189
خرج علي (ع) إلى المدينة ماشياً على رجليه فتورّمت قدماه ، فلما قدم المدينة رآه النبي (ص) ، فاعتنقه وبكى رحمةً مما رأى بقدميه من الورم ، وإنما يقطران دما ، فدعا له بالعافية ، ومسح رجليه فلم يشكهما بعد ذلك . ص85
المصدر: إعلام الورى ص113
قال رسول الله (ص) : نزل عليّ جبرائيل صبيحة يوم الغار ، فقلت : حبيبي جبرائيل !.. أراك فرحا ، فقال : يا محمد !.. وكيف لا أكون كذلك ؟.. وقد قرّت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيك وإمام أمتك علي بن أبي طالب (ع) ، فقلت : بماذا أكرمه الله ؟.. قال : باهى بعبادته البارحة ملائكته ، وقال : ملائكتي !.. انظروا إلى حجتي في أرضي بعد نبيّي وقد بذل نفسه ، وعفّر خده في التراب تواضعاً لعظمتي ، أشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي.ص87
المصدر: كنز ص40
قال الصادق (ع) : إنّ رسول الله (ص) لما خرج من الغار متوجهاً إلى المدينة وقد كانت قريش جعلت لمن أخذه مائة من الإبل ، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم فيمن يطلب فلحق برسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص) : اللهم!.. اكفني شرّ سراقة بما شئت ، فساخت قوائم فرسه فثنى رجله ثم اشتدّ .
فقال : يا محمد !.. إني علمت أنّ الذي أصاب قوائم فرسي إنما هو من قِبَلك ، فادع الله أن يطلق لي فرسي ، فلعمري إن لم يصبكم خيرٌ مني لم يصبكم مني شرٌّ ، فدعا رسول الله (ص) فأطلق الله عزّ وجلّ فرسه ، فعاد في طلب رسول الله (ص) حتى فعل ذلك ثلاث مرات ، كل ذلك يدعو رسول الله فيأخذ الأرض قوائم فرسه .
فلما أطلقه في الثالثة قال : يا محمد !.. هذه إبلي بين يديك فيها غلامي ، وإن احتجت إلى ظهر أو لبن فخذ منه ، وهذا سهمٌ من كنانتي علامة ، وأنا أرجع فأردّ عنك الطلب ، فقال : لا حاجة لي فيما عندك.ص89
المصدر: روضة الكافي ص263
قال الباقر (ع) في قوله { إنّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم } : وذلك أنّ الرجل كان إذا أراد الهجرة إلى رسول الله (ص) تعلّق به ابنه وامرأته ، فقالوا :
ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا فنضيع بعدك ، فمنهم مَن يطيع أهله فيقيم ، فحذّرهم الله أبناءهم ونساءهم ، ونهاهم عن طاعتهم ، ومنهم مَن يمضي ويذرهم ويقول : أما والله لئن لم تهاجروا معي ، ثم جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبداً ، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره الله أن يبوء بحسنٍ وبصلةٍ ، فقال :
{ وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم } . ص89
المصدر: تفسير القمي ص683
*
المصدر: الإقبال ص592
بيــان: ذكْر ما فتحه الله علينا من أسرار هذه المهاجرة وما فيها من العجائب الباهرة :
منها : تعريف الله جلّ جلاله لعباده ، لو أراد قهر أعداء رسوله محمد (ص) ما كان يحتاج إلى مهاجرته ليلاً على تلك المساترة ، وكان قادرا أن ينصره وهو بمكة من غير مخاطرة ، بآيات وعنايات باهرة ، كما أنه كان قادراً أن ينصر عيسى بن مريم (ع) على اليهود بالآيات والعساكر والجنود ، فلم تقتضِ الحكمة الإلهية إلا رفعه إلى السماوات العليّة ، ولم يكن له مصلحةٌ في مقامه في الدنيا بالكلّية .
فليكن العبد راضياً بما يراه مولاه له من التدبير في القليل والكثير ، ولا يكن الله جلّ جلاله دون وكيل الإنسان في أموره الذي يرضى بتدبيره ، ولا دون جاريته أو زوجته في داره التي يثق إليها في تدبير أموره ….
ومن أسرار هذه المهاجرة أنّ مولانا عليا (ع) بات على فراش المخاطرة وجاد بمهجته لمالك الدنيا والآخرة ، ولرسوله (ص) فاتح أبواب النعم الباطنة والظاهرة ، ولولا ذلك المبيت واعتقاد الأعداء أنّ النائم على الفراش هو سيد الأنبياء (ص) ، لما كانوا صبروا عن طلبه إلى النهار حتى وصل إلى الغار ، فكانت سلامة صاحب الرسالة من قِبَل أهل الضلالة صادرةً عن تدبير الله جلّ جلاله بمبيت مولانا علي (ع) في مكانه ، وآيةً باهرةً لمولانا علي (ع) شاهدة بتعظيم شأنه ….
ومنها : أنّ هذا الاستسلام من مولانا علي (ع) للقتل وفديه النبي (ص) أظهر مقاماً وأعظم تماماً من استسلام جدّه الذبيح إسماعيل لإبراهيم الخليل (ع) ، لأنّ ذلك استسلامٌ لوالد شفيق ، يجوز معه أن يرحمه الله جلّ جلاله ويقيله من ذبح ولده ، كما جرى الحال عليه من التوفيق ، ومولانا علي (ع) استسلم للأعداء الذين لا يرحمون ولا يُرجون لمسامحة في البلاء ….
ومنها : أنّ العادة قاضيةٌ وحاكمةٌ أنّ زعيم العسكر إذا اختفى واندفع عن مقام الأخطار وانكسر عَلَم القوة والاقتدار ، فإنه لا يكلّف رعيته المعلّقون عليه أن يقفوا موقفاً قد فارقه زعيمهم ، وكان معذوراً في ترك الصبر عليه ، ومولانا علي (ع) كُلّف الصبر والثبات على مقامات قد اختفى فيها زعيمه الذي يعوّل عليه ، وانكسر عَلَم القوة الذي تنظر عيون الجيش إليه ، فوقف مولانا علي (ع) وزعيمه غير حاضر ، فهو موقف قاهر ، فهذا فضلٌ من الله جلّ جلاله لمولانا علي (ع) باهرٌ ، بمعجزات تخرق عقول ذوي الألباب ، ويكشف لك أنه القائم مقامه في الأسباب….
ومنها : أنّ فدية مولانا علي (ع) لسيدنا رسول الله (ص) كانت من أسباب التمكين من مهاجرته ، ومن كل ما جرى من السعادات والعنايات بنبوته ، فيكون مولانا علي (ع) قد صار من أسباب التمكين من كل ما جرت حال الرسالة عليه ومشاركا في كل خير فعله النبي (ص) ، وبلغ حاله إليه ، وقد اقتصرتُ في ذكر أسرار المهاجرة الشريفة النبوية على هذه المقامات الدينية ، ولو أردت بالله جلّ جلاله أوردت مجلداً منفرداً في هذه الحال ، ولكن هذا كافٍ شافٍ للمنصفين وأهل الإقبال . ص89

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى