الجزء التاسع عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب دخوله الشِّعب وما جرى بعده إلى الهجرة ، وعرْض نفسه على القبائل ، وبيعة الأنصار ، وموت أبى طالب وخديجة رضى الله عنهما

قال الصادق (ع) : لما توفي أبو طالب – رضي الله عنه – نزل جبرائيل على رسول الله (ص) فقال : يا محمد !.. اخرج من مكة ، فليس لك بها ناصرٌ ، وثارت قريش بالنبي (ص) ، فخرج هارباً حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه . ص14
المصدر: أصول الكافي ص449
من معجزاته (ص) أنّ قريشاً كلهم اجتمعوا وأخرجوا بني هاشم إلى شعب أبي طالب ، ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهراً ، ثم أنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما ، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم ، فلقوا من الجوع والعرى ما الله أعلم به ، وإنّ الله قد بعث على صحيفتهم الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله .
فذكر ذلك رسول الله (ص) لأبي طالب ، فما راع قريشاً إلا وبني هاشم عنقٌ واحدٌ قد خرجوا من الشعب ، فقالوا : الجوع أخرجهم ، فجاءوا حتى أتوا الحجْر وجلسوا فيه ، وكان لا يقعد فيه صبيان قريش ، فقالوا :
يا أبا طالب !.. قد آن لك أن تصالح قومك ، قال : قد جئتكم مخبراً ، ابعثوا إلى صحيفتكم لعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلحٌ فيها ، فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل ، وكانت قبل في الكعبة ، فخافوا عليها السرّاق ، فوضعت بين أيديهم وخواتيمهم عليها ، فقال أبو طالب : هل تنكرون منها شيئاً ؟.. قالوا : لا ، قال : إنّ ابن أخي حدّثني – ولم يكذبني قط – أنّ الله قد بعث على هذه الصحيفة الأرضة ، فأكلت كل قطيعة وإثم ، وتركت كل اسم هو لله فإن كان صادقاً أقلعتم عن ظلمنا ، وإن يكن كاذباً ندفعه إليكم فقتلتموه ، فصاح الناس : أنصفتنا يا أبا طالب !.. ففُتحت ثم أُخرجت فإذا هي مشربة كما قال (ص) ، فكبّر المسلمون وامتقعت وجوه المشركين ( أي تغيّر لونها ) ، فقال أبو طالب :
أتبيّن لكم أيّنا أولى بالسحر والكهانة ؟.. فأسلم يومئذ عالمٌ من الناس ، ثم رجع أبو طالب إلى شِِعْبه ، ثم عيّرهم هشام بن عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم . ص17
المصدر: الخرائج
روى الزهري في قوله تعالى : { ولقد مكناهم } قال : لما توفي أبو طالب لم يجد النبي (ص) ناصراً ، ونثروا على رأسه التراب ، قال : ما نال مني قريش شيئاً حتى مات أبو طالب ، وكان يستتر من الرمي بالحجر الذي عند باب البيت من يسار من يدخل ، وهو ذراعٌ وشبرٌ في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمران ، وقالوا :
لو كان محمد نبياً لشغلته النبوة عن النساء ، ولأمكنه جميع الآيات ، ولأمكنه منع الموت عن أقاربه ، ولما مات أبو طالب وخديجة فنزل : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } . ص17
المصدر: المناقب 1/61
وفي سنة عشر من نبوته (ص) توفي أبو طالب ، قال ابن عباس : عارض رسول الله (ص) جنازة أبي طالب ، فقال : وصلتك رحم ، وجزاك الله خيرا يا عم !..
وفي هذه السنة توفيت خديجة بعد أبي طالب بأيام ، ولما مرضت مرضها الذي توفيت فيه دخل عليها رسول الله (ص) فقال لها :
بالكرُه مني ما أرى منك يا خديجة !.. وقد يجعل الله في الكره خيراً كثيراً ، أما علمتِِ أنّ الله قد زوّجني معك في الجنة : مريم بنت عمران ، وكلثم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : وقد فعل الله ذلك يا رسول الله ؟!.. قال : نعم ، قالت : بالرفاء ( أي الاتفاق والالتيام والبركة والنماء ) والبنين ، وتوفيت خديجة وهي بنت خمس وستين ، ودُفنت بالحجون ، ونزل رسول الله (ص) قبرها ولم يكن يومئذ سُنّة الجنازة والصلاة عليها . ص21
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى ص65
لما توفي أبو طالب وخديجة وكان بينهما شهرٌ وخمسة أيام اجتمعت على رسول الله (ص) مصيبتان ، فلزم بيته ، وأقلّ الخروج ، ونالت منه قريشٌ ما لم تكن تنال ولا تطمع …. ص21
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى ص65
لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله (ص) ، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة ، وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة ، فأقام بها عشرة أيام ، وقيل : شهرا ، فآذوه ورموه بالحجارة ، فانصرف إلى مكة ، فلما نزل نخلة صرف الله إليه النفر من الجنّ ، وروي أنه لما انصرف من الطائف عمد إلى ظلّ حبلة ( أي بستان ) من عنب ، فجلس فيه وقال :
” اللهم!.. إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي إلى من تكلني ؟.. إلى بعيد يتجهّمني ، أو إلى عدو ملّكته أمري ؟.. إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أُبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل عليّ سخطُك ، لكن لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك “.ص22
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى ص65
ولما دخل مكة كان يقف بالموسم على القبائل فيقول : يا بني فلان !.. إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وكان خلفه أبو لهب فيقول : لا تطيعوه ، وأتى رسول الله (ص) كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ فأبوا ، وأتى كلباً في منازلهم ، فلم يقبلوا منه ، وأتى بني حنيفة في منازلهم فردّوا عليه أقبح ردّ . ص 23
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى ص65
كان النبي (ص) يعرض نفسه على قبائل العرب في الموسم ، فلقي رهطاً من الخزرج فقال : ألا تجلسون أحدّثكم ؟.. قالوا : بلى ، فجلسوا إليه فدعاهم إلى الله ، وتلا عليهم القرآن ، فقال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون ؟!.. والله إنه النبي الذي كان يوعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه أحدٌ ..
فأجابوه وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ مثل ما بينهم ، وعسى أن يجمع الله بينهم بك ، فستقدم عليهم وتدعوهم إلى أمرك وكانوا ستة نفر ، قال : فلما قدموا المدينة فأخبروا قومهم بالخبر ، فما دار حولٌ إلا وفيها حديث رسول الله (ص) حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً ، فلقوا النبي (ص) فبايعوه على بيعة النساء ألا يشركوا بالله شيئا ، ولا يسرقوا إلى آخرها ، ثم انصرفوا ، وبعث معهم مصعب بن عمير يصلّي بهم ، وكان بينهم بالمدينة يسمى المقرئ ، فلم يبق دارٌ في المدينة إلا وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون إلا دار أمية وحطيمة ووائل وهم من الأوس ، ثم عاد مصعب إلى مكة.
وخرج مَن خرج من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم ، فاجتمعوا في الشِّعْب عند العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في أيام التشريق بالليل ، فقال (ص) : أبايعكم على الإسلام ، فقال له بعضهم : نريد أن تعرّفنا يا رسول الله ما لله علينا ، وما لك علينا ، وما لنا على الله ؟..
فقال : أما ما لله عليكم فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأما ما لي عليكم فتنصرونني مثل نسائكم وأبنائكم ، وأن تصبروا على عضّ السيف وإن يُقتل خياركم ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك ما لنا على الله ؟..
قال : أما في الدنيا فالظهور على مَن عاداكم ، وفي الآخرة رضوانه والجنة ، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : والذي بعثك بالحقّ لنمنعك بما نمنع به أزُرنا ( أي نساءنا ) ، فبايعْنا يا رسول الله !.. فنحن والله أهل الحروب ، وأهل الحلفة ، ورثناها كبارا عن كبار .
فقال أبو الهيثم : إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا إن قطعناها أو قطعوها فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟.. فتبسّم رسول الله (ص) ، ثم قال : بل الدم الدم ، والهدم الهدم ، أُحارب مَن حاربتم وأُسالم مَن سالمتم ، ثم قال : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً فاختاروا ، ثم قال : أُبايعكم كبيعة عيسى بن مريم للحواريين كفلاء على قومهم بما فيهم ، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ، فبايعوه على ذلك ..
فصرخ الشيطان في العقبة : يا أهل الجباجب ( اسم مكان ) !.. هل لكم في محمد والصباة معه ؟.. قد اجتمعوا على حربكم ، ثم نفر الناس من منى ، وفشا الخبر فخرجوا في الطلب فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه وربطوه بنسع (سير أو حبل عريض طويل تُشدّ به الرحل ) رحله ، وأدخلوه مكة يضربونه ، فبلغ خبره إلى جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية فأتياه وخلّصاه ، وكان النبي (ص) لم يؤمر إلا بالدعاء والصبر على الأذى ، والصفح عن الجاهل ، فطالت قريش على المسلمين ، فلما كثُر عتوهم أُمر بالهجرة . ص26
المصدر: المناقب 1/156

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى