الجزء الثامن عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب المبعث وإظهار الدعوة وما لقي (ص) من القوم ، وما جرى بينه وبينهم ، وجمل أحواله إلى دخول الشعب وفيه إسلام حمزة -وأحوال كثير من أصحابه وأهل زمانه

لما نزلت هذه الآية : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، صعد رسول الله (ص) على الصفا فقال : يا صباحاه !.. فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك ؟.. فقال :
أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبّحكم أو ممسّيكم ما كنتم تصدقونني ؟.. قالوا : بلى ، قال : فإني نذيرٌ لكم بين يديّ عذابٌ شديدٌ ، قال أبو لهب :
تبّاً لك ، ألهذا دعوتنا جميعا ؟!.. فأنزل الله تعالى : { تبت يدا أبي لهب } إلى آخر السورة . ص164
المصدر: مجمع البيان 7/206
قال علي (ع) : لما نزلت : { وأنذر عشيرتك الأقربين } أي رهطك المخلصين ، دعا رسول الله (ص) بني عبد المطلب ، وهم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ، فقال : أيكم يكون أخي ووارثي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي ؟..
فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً كلهم يأبى ذلك حتى أتى عليّ ، فقلت : أنا يا رسول الله !.. فقال : يا بني عبد المطلب !.. هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي ، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام . ص179
المصدر: العلل ص68
كان قريش يجدّون في أذى رسول الله (ص) ، وكان أشدّ الناس عليه عمّه أبو لهب ، فكان (ص) ذات يوم جالساً في الحجر ، فبعثوا إلى سلى الشاة ( أي جلدة يكون ضمنها الولد في بطن أمه ) ، فألقوه على رسول الله (ص) ، فاغتمّ من ذلك ، فجاء إلى أبي طالب فقال :
يا عمّ !.. كيف حَسَبي فيكم ؟.. قال : وما ذاك يا بن أخ ؟!..
قال : إنّ قريشا ألقوا عليّ السلى ، فقال لحمزة : خذ السيف ، وكانت قريش جالسةً في المسجد ، فجاء أبو طالب ومعه السيف ، وحمزة ومعه السيف ، فقال : أمرّ السلى على سبالهم ، فمن أبى فاضرب عنقه ، فما تحرّك أحد حتى أمرّ السلى على سبالهم ، ثم التفت إلى رسول الله (ص) وقال : يا بن أخ !.. هذا حَسُبك منا وفينا . ص187
المصدر: قصص الأنبياء
أتيت رسول الله (ص) وهو متوسّد بُرده في ظلّ الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدّةً شديدة ، فقلت : يا رسول الله !.. ألا تدعو الله لنا ؟.. فقعد وهو محمّرٌ وجهه فقال :
إن كان مَن كان قبلَكم ليُمشط أحدهم بأمشاط الحديد مادون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويُوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله عز وجلّ والذئب على غنمه . ص210
المصدر: إعلام الورى ص31
مرّ رسول الله (ص) بعمّار وأهله وهم يُعذّبون في الله ، فقال : أبشروا آل عمّار !.. فإنّ موعدكم الجنة . ص210
المصدر: إعلام الورى ص31
قال علي (ع) : إنّ الله سبحانه بعث محمداً (ص) نذيراً للعالمين ، وأميناً على التنزيل ، وأنتم معشر العرب !.. على شرّ دينٍ وفي شرّ دار ، منيخون بين حجارة خشن وحياّت صمّ ، تشربون الكدر ، وتأكلون الجشب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبةٌ ، والآثام بكم معصوبة.ص226
المصدر: النهج 1/74
سألت الصادق (ع) : إني أؤم قومي فأجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ؟.. قال : نعم ، حق ما جهر به ، قد جهر بها رسول الله (ص) ، ثم قال : إنّ رسول الله (ص) كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فإذا قام من الليل يصلّي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته ، فإذا قال :
{ بسم الله الرحمن الرحيم } ، وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا ، فإذا فرغ من ذلك جاؤا فاستمعوا .
وكان أبو جهل يقول : إنّ ابن أبي كبشة ليردّد اسم ربه ، إنه ليحبّه !.. فقال الصادق (ع) : صدق وإن كان كذوباً ، قال : فأنزل الله : { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا } ، وهو بسم الله الرحمن الرحيم . ص239
المصدر: تفسير الفرات ص85
روي أنّ أبا جهل عاهد الله أن يفضخ رأسه (ص) بحجرٍ إذا سجد في صلاته ، فلما قام رسول الله (ص) يصلّي وسجد – وكان إذا صلّى صلّى بين الركنين : الأسود واليماني ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام – احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منتقعاً (أي متغيراً ) لونه ، مرعوباً قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده .
وقام إليه رجالٌ من قريش ، فقالوا : ما لك يا أبا الحكم ؟.. قال : عرض لي دونه فحلٌ من الإبل ، ما رأيت مثل هامته وقصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهمّ أن يأكلني . ص240
المصدر: إعلام الورى ص19
في السنة الخامسة من نبوته (ص) توفيت سمية بنت حباط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة ، وهي أم عمّار بن ياسر ، أسلمت بمكة قديما ، وكانت ممّن تُعذّب في الله لترجع عن دينها فلم تفعل ، فمرّ بها أبو جهل فطعنها في قلبها فماتت ، وكانت عجوزاً كبيرةً ، فهي أول شهيدة في الإسلام . ص241
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى
ولما أنزل الله تعالى : { فاصدع بما تُؤمر وأعرض عن المشركين } قام رسول الله (ص) على الصفا ونادى في أيام الموسم : يا أيها الناس !.. إني رسول الله ربّ العالمين ، فرمقه الناس بأبصارهم – قالها ثلاثاً – ثم انطلق حتى أتى المروة ثم وضع يده في أذنه ثم نادى ثلاثا بأعلى صوته : يا أيها الناس !.. إني رسول الله – ثلاثا – فرمقه الناس بأبصارهم ، ورماه أبو جهل – قبّحه الله – بحجر فشجّ بين عينيه ، وتبعه المشركون بالحجارة ، فهرب حتى أتى الجبل فاستند إلى موضع يقال له المتّكأ ، وجاء المشركون في طلبه .
وجاء رجلٌ إلى علي بن أبي طالب (ع) و قال : يا علي !.. قد قُتل محمد ، فانطلق إلى منزل خديجة – رضي الله عنها – فدقّ الباب ، فقالت خديجة : مَن هذا ؟.. قال : أنا عليّ ، قالت : يا عليّ ما فعل محمد ؟!.. قال : لا أدري إلا أنّ المشركين قد رموه بالحجارة ، وما أدري أحيٌّ هو أم ميّتٌ ، فأعطيني شيئاً فيه ماء وخذي معك شيئا من هيس ( نوع من الطعام ) ، وانطلقي بنا نلتمس رسول الله (ص) فإنا نجده جائعا عطشانا ، فمضى حتى جاز الجبل وخديجة معه فقال علي : يا خديجة !.. استبطني الوادي حتى أستظهره ( أي ادخلي بطن الوادي حتى أعلو أنا ظهره ) ، فجعل ينادي :
يا محمداه !.. يا رسول الله !.. نفسي لك الفداء في أي وادٍ أنت ملقىً ؟.. وجعلت خديجة تنادي : مَن أحسّ لي النبي المصطفى ؟.. مَن أحسّ لي الربيع المرتضى ؟.. مَن أحسّ لي المطرود في الله ؟.. من أحسّ لي أبا القاسم ؟.. وهبط عليه جبرائيل (ع) فلما نظر إليه النبي (ص) بكى وقال : ما ترى ما صنع بي قومي ؟.. كذّبوني وطردوني وخرجوا عليّ .. فقال :
يا محمد !.. ناولني يدك فأخذ يده فأقعده على الجبل ، ثم أخرج من تحت جناحه درنوكا ( نوع من البسط له خمل ) من درانيك الجنة منسوجاً بالدرّ والياقوت ، وبسطه حتى جلّل به جبال تهامة ، ثم أخذ بيد رسول الله (ص) حتى أقعده عليه ، ثم قال له جبرائيل : يا محمد !.. أتريد أن تعلم كرامتك على الله ؟..
قال : نعم ، قال : فادع إليك تلك الشجرة تجبْك ، فدعاها فأقبلت حتى خرّت بين يديه ساجدة ، فقال : يا محمد !.. مرها ترجع ، فأمرها فرجعت إلى مكانها ، وهبط عليه إسماعيل حارس السماء الدنيا فقال : السلام عليك يا رسول الله !.. قد أمرني ربي أن أطيعك ، أفتأمرني أن أنثر عليهم النجوم فأحرقهم ….
فرفع رأسه إلى السماء ونادى : إني لم أُبعث عذاباً ، إنما بُعثت رحمةً للعالمين ، دعُوني وقومي فإنهم لا يعلمون ، ونظر جبرائيل (ع) إلى خديجة تجول في الوادي ، فقال : يا رسول الله !.. ألا ترى إلى خديجة قد أبكت لبكائها ملائكة السماء ؟.. أدعها إليك فأقرئها مني السلام ، وقل لها : إنّ الله يقرئك السلام ، وبشّرها أنّ لها في الجنة بيتاً من قصب ، لانصب فيه ولا صخب ، لؤلؤا مكلّلا بالذهب .
فدعاها النبي (ص) والدماء تسيل من وجهه على الأرض ، وهو يمسحها ويردّها قالت : فداك أبي وأمي !.. دع الدمّ يقع على الأرض ، قال : أخشى أن يغضب رب الأرض على مَن عليها ، فلما جنّ عليهم الليل انصرفت خديجة – رضي الله عنها – ورسول الله (ص) وعليّ (ع) ودخلت به منزلها ، فأقعدته على الموضع الذي فيه الصخرة ، وأظلّته بصخرة من فوق رأسه ، وقامت في وجهه تستره ببردها ، وأقبل المشركون يرمونه بالحجارة ، فإذا جاءت من فوق رأسه صخرة وقتْه الصخرة ، وإذا رموه من تحته وقته الجدران الحيّط ، وإذا رُمي من بين يديه وقتْه خديجة – رضي الله عنها – بنفسها ، وجعلت تنادي :
يا معشر قريش !.. تُرمى الحرّة في منزلها ؟.. فلما سمعوا ذلك انصرفوا عنه ، وأصبح رسول الله (ص) وغدا إلى المسجد يصلّي .ص243
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى – الباب4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى