الجزء الرابع عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب نوادر أخبار بني إسرائيل

كان في بني إسرائيل عابدٌ اسمه برصيصا ، عبد الله زمانا من الدهر حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوّذهم فيبرؤون على يده ، وإنه أُتي بامرأة في شرف قد جنّت وكان لها اخوةٌ فأتوه بها وكانت عنده ، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتى وقع عليها فحملت ، فلما استبان حملها قتلها ودفنها .
فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد اخوتها ، فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في مكان كذا ، ثم أتى بقية اخوتها رجلاً رجلاً فذكر ذلك له ، فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول :
والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئا يكبر عليّ ذكره ، فذكره بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك مَلِكهم ، فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقرّ لهم بالذي فعل ، فأمر به فصُلب .
فلما رُفع على خشبته تمثّل له الشيطان فقال :
أنا الذي ألقيتك في هذا ، فهل أنت مطيعي فيما أقول لك ، أخلّصك مما أنت فيه ؟.. قال : نعم ، قال : اسجد لي سجدة واحدة ، فقال :
كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة ؟.. فقال : أكتفي منك بالإيماء ، فأومأ له بالسجود ، فكفر بالله ، وقُتل الرجل .
فأشار الله تعالى إلى قصته في هذه الآية { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين }.ص487
المصدر:مجمع البيان 9/265

قال الباقر (ع) : كان في بني إسرائيل رجلٌ ، وكان له بنتان فزوّجهما من رجلين : واحدٌ زرّاع ، وآخر يعمل الفخار ، ثم إنه زارهما فبدأ بامرأة الزرّاع فقال لها : كيف حالك ؟.. قالت : قد زرع زوجي زرعا كثيرا ، فإن جاء الله بالسماء فنحن أحسن بني إسرائيل حالا ، ثم ذهب إلى الأخرى فسألها عن حالها ، فقالت : قد عمل زوجي فخّارا كثيرا ، فإن أمسك الله السماء عنا فنحن أحسن بني إسرائيل حالا ، فانصرف وهو يقول :
اللهم أنت لهما.ص488
المصدر:قصص الأنبياء

قال الباقر (ع) : كان قاضٍ في بني إسرائيل ، وكان يقضي بالحق فيهم ، فلما حضرته الوفاة قال لامرأته : إذا متّ فاغسليني وكفّنيني وغطي وجهي ، وضعيني على سريري ، فإنك لا ترين سوءاً إن شاء الله تعالى ، فلما مات فعلت ما كان أمرها به ، ثم مكثت بعد ذلك حينا ، ثم إنها كشفت عن وجهه فإذا دودة تقرض من منخره ، ففزعت من ذلك .
فلما كان بالليل أتاها في منامها – يعني رأته في النوم – فقال لها : فزعت مما رأيت ؟.. قالت : أجل ، قال : والله ما هو إلا في أخيك ، وذلك أنه أتاني ومعه خصمٌ له ، فلما جلسا قلت : اللهم !.. اجعل الحقّ له ، فلما اختصما كان الحق له ففرحت ، فأصابني ما رأيت لموضع هواي مع موافقة الحق له . ص489
المصدر:قصص الأنبياء

قال الصادق (ع) :إنّ قوما من بني إسرائيل قالوا لنبي لهم : ادع لنا ربك يمطر علينا السماء إذا أردنا ، فسأل ربه ذلك فوعده أن يفعل ، فأمطر السماء عليهم كلما أرادوا ، فزرعوا فنمت زروعهم وحسُنت ، فلما حصدوا لم يجدوا شيئا ، فقالوا : إنما سألنا المطر للمنفعة ، فأوحى الله تعالى : إنهم لم يرضوا بتدبيري لهم . ص489
المصدر:قصص الأنبياء

قال الكاظم (ع) : كان في بني إسرائيل رجلٌ صالحٌ ، وكانت له امرأةٌ صالحةٌ ، فرأى في النوم أنّ الله تعالى قد وقّتَ لك من العمر كذا وكذا سنة ، وجعل نصف عمرك في سعة ، وجعل النصف الآخر في ضيق ، فاختر لنفسك إما النصف الأول وإما النصف الأخير ، فقال الرجل : إنّ لي زوجةًٍٍ صالحة وهي شريكي في المعاش فأُشاورها في ذلك وتعود إليّ فأخبرك .
فلما أصبح الرجل قال لزوجته : رأيت في النوم كذا وكذا ، فقالت :
يا فلان !.. اختر النصف الأول وتعجّل العافية لعلّ الله سيرحمنا ، ويتم لنا النعمة ، فلما كان في الليلة الثانية أتى الآتي فقال : ما اخترت ؟.. فقال : اخترت النصف الأول ، فقال : ذلك لك ، فأقبلت الدنيا عليه من كل وجه ، ولما ظهرت نعمته قالت له زوجته : قرابتك والمحتاجون فصلهم وبرّهم ، وجارك وأخوك فلان فهبهم .
فلما مضى نصف العمر وجاز حدّ الوقت ، رأى الرجل الذي رآه أولا في النوم ، فقال : إنّ الله تعالى قد شكر لك ذلك ، ولك تمام عمرك سعة مثل ما مضى . ص492
المصدر:قصص الأنبياء

قال الباقر (ع) : خرجت امرأة بغيّ على شباب من بني إسرائيل فأفتنتهم ، فقال بعضهم : لو كان العابد فلان رآها أفتنته ، وسمعت مقالتهم فقالت : والله لا أنصرف إلى منزلي حتى أفتنه ، فمضت نحوه في الليل فدّقت عليه ، فقالت : آوي عندك ، فأبى عليها ، فقالت :
إنّ بعض شباب بني إسرائيل راودوني عن نفسي ، فإن أدخلتني وإلا لحقوني وفضحوني ، فلما سمع مقالتها فتح لها .
فلما دخلت عليه رمت بثيابها ، فلما رأى جمالها وهيئتها وقعت في نفسه ، فضرب يده عليها ، ثم رجعت إليه نفسه ، وقد كان يوقد تحت قدر له ، فأقبل حتى وضع يده على النار ، فقالت : أي شيء تصنع ؟.. فقال : أحرقها لأنها عملت العمل .
فخرجت حتى أتت جماعة بني إسرائيل فقالت : الحقوا فلانا فقد وضع يده على النار ، فأقبلوا فلحقوه وقد احترقت يده . ص492
المصدر:قصص الأنبياء

قال الصادق (ع) : كان عابدٌ في بني إسرائيل لم يقارف من أمر الدنيا شيئا ، فنخر إبليس نخرة فاجتمع إليه جنوده ، فقال : مَن لي بفلان ؟.. فقال بعضهم : أنا ، فقال : من أين تأتيه ؟.. فقال : من ناحية النساء ، قال : لست له ، لم يجرّب النساء ، فقال له آخر : فأنا له ، قال : من أين تأتيه ؟.. قال : من ناحية الشراب واللذّات ، قال : لست له ، ليس هذا بهذا ، قال آخر : فأنا له ، قال : من أين تأتيه ؟.. قال : من ناحية البرّ ، قال : انطلق فأنت صاحبه .
فانطلق إلى موضع الرجل ، فأقام حذاءه يصلّي ، وكان الرجل ينام والشيطان لا ينام ، ويستريح والشيطان لا يستريح ، فتحوّل إليه الرجل وقد تقاصرت إليه نفسه واستصغر عمله ، فقال : يا عبد الله !.. بأي شيء قويت على هذه الصلاة ؟.. فلم يجبه .
ثم أعاد عليه فلم يجبه ، ثم أعاد عليه ، فقال : يا عبد الله !.. إني أذنبت ذنباً وأنا تائبٌ منه ، فإذا ذكرت الذنب قويت على الصلاة ، قال : فأخبرني بذنبك حتى أعمله وأتوب ، فإذا فعلته قويت على الصلاة ، قال : ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية ، فأعطها درهمين ونل منها ، قال : ومن أين لي درهمين ؟.. ما أدري ما الدرهمين ؟..
فتناول الشيطان من تحت قدمه درهمين فناوله إياهما ، فقام فدخل المدينة بجلابيبه يسأل عن منزل فلانة البغية ، فأرشده الناس ، وظنّوا أنه جاء يعظها فأرشدوه فجاء إليها فرمى إليها بالدرهمين وقال : قومي ، فقامت فدخلت منزلها وقالت : ادخل ، وقالت :
إنك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها ، فأخبرني بخبرك ، فأخبرها ، فقالت له :
يا عبد الله !.. إنّ ترك الذنب أهون من طلب التوبة ، وليس كل من طلب التوبة وجدها ، وإنما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثل لك ، فانصرف فإنك لا ترى شيئا فانصرف ، وماتت من ليلتها ، فأصبحت فإذا على بابها مكتوبٌ : احضروا فلانة فإنها من أهل الجنة ، فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا لا يدفنونها ارتيابا في أمرها ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نبي من الأنبياء لا أعلمه إلا موسى بن عمران (ع) :
أن ائت فلانة فصلّ عليها ، ومر الناس أن يصلّوا عليها ، فإني قد غفرت لها ، وأوجبت لها الجنة بتثبيطها عبدي فلانا عن معصيتي . ص496
المصدر:روضة الكافي ص384

قال أبو الحسن (ع) : إنّ رجلا في بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة ، ثم قرّب قربانا فلم يُقبل منه ، فقال لنفسه : وما أُوتيت إلا منك ، وما الذنب إلا لك ، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه : ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة . ص500
المصدر:أصول الكافي 2/73

قال الباقر (ع) : إنّ فتيةً من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين ، وكانت العبادة في أولاد ملوك بني إسرائيل ، وإنهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا ، فمرّوا بقبر على ظهر طريق قد سفى عليه السافي ، ليس يتبين منه إلا رسمه ، فقالوا : لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فساءلناه كيف وجد طعم الموت ، فدعوا الله وكان دعاؤهم الذي دعوا الله به :
” أنت إلهنا يا ربنا !.. ليس لنا إلهٌ غيرك ، والبديع الدائم غير الغافل ، الحي الذي لا يموت ، لك في كل يوم شأن ، تعلم كل شيء بغير تعليم ، انشر لنا هذا الميت بقدرتك ” .
فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللحية ، ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره إلى السماء ، فقال لهم : ما يوقفكم على قبري ؟.. فقالوا : دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت ؟..
فقال لهم : لقد سكنت في قبري تسعة وتسعين سنة ما ذهب عني ألم الموت وكربه ، ولا خرج مرارة طعم الموت من حلقي ، فقالوا له : متّ يوم متّ وأنت على ما نرى أبيض الرأس واللحية ؟.. قال : لا ، ولكن لما سمعت الصيحة : اخرج !..اجتمعت تربة عظامي إلى روحي فبقيت فيه ، فخرجت فزعا شاخصا بصري مهطعا إلى صوت الداعي ، فابيّض لذلك رأسي ولحيتي . ص501
المصدر:فروع الكافي 1/72

روينا أنّ عابد بني إسرائيل كان إذا بلغ الغاية في العبادة صار مشّاءً في حوائج الناس عانيا بما يصلحهم . ص508
المصدر:أصول الكافي 2/199

قال الصادق (ع) : إنّ الله بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها ، فلما انتهيا إلى المدينة وجدا رجلا يدعو الله ويتضرّع إليه ، فقال أحدهما للآخر : أما ترى هذا الداعي ؟..
فقال : قد رأيته ولكن أمضي لما أمرني به ربي ، فقال : ولكني لا أحدث شيئا حتى أرجع إلى ربي ، فعاد إلى الله تبارك وتعالى فقال : يا رب !.. إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلانا يدعوك ويتضرّع إليك ، فقال : امض لما أمرتك به فإن ذلك رجل لم يتمعّر (أي لم يتغير ) وجهه غضبا لي قط . ص509
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى