الجزء الرابع عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب معنى قول سليمان (ع) : هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي

قلت للكاظم (ع) : أيجوز أن يكون نبي الله عزّ وجلّ بخيلا ؟.. فقال : لا ، فقلت له : فقول سليمان :
{ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ، ما وجهه ومعناه ؟.. فقال : المُلك مُلكان : ملكٌ مأخوذٌ بالغلبة والجور وإجبار الناس ، وملكٌ مأخوذٌ من قِبَل الله تعالى ذكره ، كملك آل إبراهيم ، وملك طالوت ، وملك ذي القرنين ، فقال سليمان (ع) :
{ هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } أن يقول : إنه مأخوذٌ بالغلبة والجور وإجبار الناس ، فسخّر الله عزّ وجلّ له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب وجعل غدوها شهرا ورواحها شهرا ، وسخّر الله عزّ وجلّ له الشياطين كلّ بنّاء وغوّاص ، وعُلّم منطق الطير ، ومُكّن في الأرض ، فعلم الناس في وقته وبعده أنّ ملكه لا يشبه ملك الملوك المختارين من قِبَل الناس والمالكين بالغلبة والجور ……
ثم قال (ع) : قد والله أُوتينا ما أُوتي سليمان ، وما لم يؤت سليمان ، وما لم يؤت أحدٌ من الأنبياء ، قال الله عزّ وجلّ في قصة سليمان : { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ، وقال عزّ وجلّ في قصة محمد (ص) :
{ ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا } . ص86
المصدر: معاني الأخبار ص100 ، العلل ص35
بيــان:
قال الطبرسي قدس الله روحه : يُسأل عن هذا فيقال : إنّ هذا القول من سليمان يقتضي الضنّة والمنافسة ، لأنه لم يرضَ بأن يسأل المُلك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه ، وأجيب عنه بأجوبة :
أحدها : أنّ الأنبياء لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته ، وجائز أن يكون الله أعلم سليمان أنه إن سأل مُلكاً لا يكون لغيره ، كان أصلح له في الدين ، وأعلمه أنه لا صلاح لغيره في ذلك ، ولو أنّ أحدنا صرّح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول :
اللهم !.. اجعلني أكثر أهل زماني مالاً ، إذا علمت أنّ ذلك أصلح لي، لكان ذلك منه حسنا جائزا ، اختاره الجبائي .
وثانيها : أنه يجوز أن يكون (ع) التمس من الله آيةً لنبوته يبين بها من غيره ، وأراد لا ينبغي لأحد غيري ممن أنا مبعوثٌ إليه ، ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين ،كما يقال :
أنا لا أطيع أحداً بعدك أي لا أطيع أحداً سواك .
وثالثها : ما قاله المرتضى قدّس الله سرّه : إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة وثواب الجنة ، ويكون معنى قوله :
{ لا ينبغي لأحد من بعدي } لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد ، من حيث لا يصلح أن يعمل ما يستحقّ به ذلك لانقطاع التكليف .
ورابعها : أنه التمس معجزةً تختص به ، كما أنّ موسى (ع) اختص بالعصا و اليد ، واختص صالح بالناقة ، ومحمد (ص) بالقرآن والمعراج ، ويدلّ عليه ما روي مرفوعا عن النبي (ص) أنه صلّى صلاة فقال :
إنّ الشيطان عرض لي ليفسد عليّ الصلاة ، فأمكنني الله منه فودعته ( أي تركته ) ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا وتنظروا إليه أجمعين ، فذكرت قول سليمان :
{ رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } فردّه الله خاسئا خائبا ، أورده البخاري ومسلم في الصحيحين . ص89
بعد ثبوت عصمة الأنبياء وجلالتهم ، لابدّ من حمل ما صدر عنهم على محمل صحيح مجملا ، وإن لم يتعين في نظرنا ، وما ذُكر من الوجوه محتملة وإن كان بعضها لا يخلو من بُعد ، وما ذكره الطبرسي أولا أظهر الوجوه .
ويمكن أن يقال : المنع عن غيره لم يكن على وجه الضنّة ، بل على وجه الشفقة ، لأن مُلك الدنيا في نظرهم خسيسٌ دنيّ لا يليق بالمقرّبين قربه ، ولما رأى صلاح زمانه في ذلك سأله اضطرارا ، ومنعه عن غيره إشفاقا عليهم ، أو يقال : إنّ كلامه مخصوصٌ بمن عدا الأنبياء والأوصياء ، وهو قريبٌ من الثاني ، ويحتمل وجوها أخر تركناها مخافة الإطناب . ص90

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى