الجزء الرابع عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب داود (ع) وأوريا وما صدر عنه من ترك الأَولى ، وما جرى بينه وبين حزقيل (ع)

سأل الرضا (ع) علي بن محمد الجهم ، فقال: ما يقول مَن قبلكم في داود عليه السلام ؟.. فقال : يقولون :
إنّ داود (ع) كان في محرابه يصلي ، إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور ، فقطع داود صلاته وقام ليأخذ الطير ، فخرج الطير إلى الدار ، فخرج في أثره ، فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه ، فسقط الطير في دار أوريا بن حنّان ، فاطّلع داود (ع) في أثر الطير فإذا بامرأة أوريا تغتسل ، فلما نظر إليها هواها ، وكان قد أخرج أوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدّم أوريا أمام الحرب ، فقدّم فظفر أوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ثانيةً أن قدّمه أمام التابوت فقُدّم فقُتل أوريا رحمه الله وتزوّج داود بامرأته .. فضرب (ع) بيده على جبهته وقال :
إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله عليهم السلام إلى التهاون بصلاته حين خرج في أثر الطير ، ثم بالفاحشة ، ثم بالقتل ، فقال :
يا بن رسول الله !.. فما كانت خطيئته ؟.. فقال (ع) :
ويحك !.. إنّ داود (ع) إنما ظنّ أنّ ما خلق الله عزّ وجلّ خلقاً هو أعلم منه ، فبعث الله عزّ وجلّ إليه الملَكين فتسوّرا المحراب فقالا :
{ خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ، إنّ هذا أخي له تسعٌ وتسعون نعجة ولي نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب } .. فعجّل داود (ع) على المدّعى عليه فقال :
{ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } ، ولم يسأل المدّعي البينة على ذلك ، ولم يقبل على المدّعى عليه فيقول له : ما تقول ؟.. فكان هذا خطيئة حُكْم لا ما ذهبتم إليه ، ألا تسمع الله عزّ وجلّ يقول :
{ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق } إلى آخر الآية ؟.. فقال : يا بن رسول الله !.. فما قصته مع أوريا ؟.. قال الرضا (ع) :
إنّ المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قُتل لا تتزوج بعده أبدا ، وأول مَن أباح الله عزّ وجلّ أن يتزوج بامرأة قُتل بعلها داود (ع) ، فتزوج بامرأة أوريا لما قُتل وانقضت عدتّها منه ، فذلك الذي شقّ على أوريا . ص24
المصدر: العيون ص107

قال الصادق (ع) : إنّ داود عليه السلام خرج ذات يوم يقرأ الزبور ، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبلٌ ولا حجرٌ ولا طائرٌ ولا سبعٌ إلا جاوبه ، فما زال يمرّ حتى انتهى إلى جبل ، فإذا على ذلك الجبل نبيٌّ عابدٌ يُقال له حزقيل ، فلما سمع دويّ الجبال وأصوات السباع والطير علم أنه داود (ع) ، فقال داود :
يا حزقيل !.. أتأذن لي فأصعد إليك ؟.. قال : لا ، فبكى داود (ع) ، فأوحى الله جلّ جلاله إليه :
يا حزقيل !.. لا تعيّر داود وسلني العافية ، فقام حزقيل فأخذ بيد داود فرفعه إليه .. فقال داود :
يا حزقيل !.. هل هممت بخطيئة قطّ ؟.. قال : لا ، قال : فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله عزّ وجلّ ؟.. قال : لا ، قال : فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذتها ؟.. قال : بلى ، ربما عرض بقلبي ، قال : فماذا تصنع إذا كان ذلك ؟.. قال :
أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه ، فدخل داود النبي (ع) الشعب ، فإذا سريرٌ من حديد عليه جمجمةٌ بالية ، وعظامٌ فانيةٌ ، وإذا لوحٌ من حديد فيه كتابةٌ ، فقرأها داود (ع) فإذا هي :
أنا أروى سلم ملكت ألف سنة ، وبنيت ألف مدينة ، وافتضضت ألف بكر ، فكان آخر أمري أن صار التراب فراشي ، والحجارة وسادتي ، والديدان والحيّات جيراني ، فمَن رآني فلا يغترّ بالدنيا . ص25
المصدر: إكمال الدين ص289 ، أمالي الصدوق ص61

قال الصادق (ع) : لو أخذت أحداً يزعم أنّ داود (ع) يضع يده عليها لحددته حدّين : حدّاً للنبوة ، وحدّاً لما رماه به . ص26
المصدر: قصص الأنبياء
بيــان:
قال الطبرسي رحمه الله : اختلف في استغفار داود (ع) من أي شيء كان ؟.. فقيل : إنه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى ، والخضوع له ، والتذلّل بالعبادة والسجود ، كما حكى سبحانه عن إبراهيم (ع) بقوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } وأما قوله : { فغفرنا له ذلك } فالمعنى أنا قبلناه منه وأثبناه عليه ، فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله : { يخادعون الله وهو خادعهم } وقوله : { الله يستهزئ بهم } ، فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول ، قيل في جوابه : { غفرنا } وهذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم ، ومَن جوّز على الأنبياء الصغائر قال : إن استغفاره (ع) كان لصغيرة . ص30

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى