الجزء الثالث عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب قصص لقمان وحكمه

سألت أبا عبدالله (ع) عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل ، فقال : أما والله ما أوتى لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال ، ولكنه كان رجلا قويا في أمر الله ، متورعا في الله ، ساكتا ، سكينا ، عميق النظر ، طويل الفكر ، حديد النظر ، مستغنٍ بالعبر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستّره وعموق نظره وتحفّظه في أمره ، ولم يضحك من شيء قط مخافة الإثم ، ولم يغضب قط ، ولم يمازح إنسانا قط ، ولم يفرح لشيء إن أتاه من أمر الدنيا ، ولا حزن منها على شيء قط .
وقد نكح من النساء وولد له الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم إفراطا ( أي مات له أولاد صغار قبل البلوغ ) فما بكى على موت أحد منهم .. ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ، ولم يمض عنهما حتى تحاجزا .. ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه .. وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين ، فيرثي للقضاة مما ابتلوا به ، ويرحم الملوك والسلاطين لغرّتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ، ويجاهد به هواه ، ويحترز به من الشيطان .. وكان يداوي قلبه بالتفكر ، ويداري نفسه بالعِبَر .. وكان لا يظعن إلا فيما يعنيه ، فبذلك اوتي الحكمة ، ومُنح العصمة .
وإن الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة ، فنادوا لقمان – حيث يسمع ولا يراهم – فقالوا : يا لقمان!.. هل لك أن يجعلك الله خليفة في الارض ، تحكم بين الناس ؟.. فقال لقمان : إن أمرني ربي بذلك فالسمع والطاعة ، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني ، وإن هو خيّرني قبلت العافية ، فقالت الملائكة : يا لقمان لمَ ؟.. قال : لان الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين ، وأكثر فتنا وبلاء ما يُخذل ولا يُعان ، ويغشاه الظلم من كل مكان ، وصاحبه منه بين أمرين :
إن أصاب فيه الحق فبالحريّ أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا ، كان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكما سريّا شريفا .. ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما ، تزول هذه ولا تدرك تلك .. فتعجبت الملائكة من حكمته ، واستحسن الرحمن منطقه ، فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل ، أنزل الله عليه الحكمة فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم ، وغطّاه بالحكمة غطاء ، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه ، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويبيّنها فيها .
قال : فلما أوتى الحكم ولم يقبلها ، أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبها ولم يشترط فيها بشرط لقمان ، فأعطاه الله الخلافة في الارض وابتلي فيها غير مرة ، وكل ذلك يهوي في الخطأ يقيله الله ويغفر له .. وكان لقمان يكثر زيارة داود (ع) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه ، وكان يقول داود له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة ، وصُرفت عنك البلية ، وأعطي داود الخلافة ، وابتلي بالخطأ والفتنة .
ثم قال أبوعبدالله (ع) في قول الله : {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } ، قال : فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطّر وانشقّ ، وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال :
يا بني!.. إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد .
يا بني!.. جالس العلماء وازحمهم بركبتيك ، ولا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا بلاغا ، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ، ولا تدخل فيها دخولا يضرّ بآخرتك ، وصم صوما يقطع شهوتك ، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام .
يا بني!.. إن الدنيا بحر عميق ، قد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الإيمان ، واجعل شراعها التوكل ، واجعل زادك فيها تقوى الله ، فإن نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت فبذنوبك .
يا بني !..إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ، ومن عنى بالأدب اهتم به ، ومن اهتم به تكلف علمه ، ومن تكلف علمه اشتدّ له طلبه ، ومن اشتد له طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة ، فإنك تُخلف في سَلَفك ، وتنفع به من خلفك ، ويرتجيك فيه راغب ، ويخشى صولتك راهب .
وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره ، فإن غلبت على الدنيا فلا تُغلبنّ على الآخرة ، فإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غُلبت على الآخرة ، واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم ، فإنك لم تجد له تضييعا أشد من تركه ، ولا تمارين فيه لجوجا ، ولا تجادلن فقيها ، ولا تعادين سلطانا ، ولا تماشين ظلوما ، ولا تصادقنه ، ولا تؤاخين فاسقا ، ولا تصاحبن متهما ، واخزن علمك كما تحزن ورقك .
يا بني!.. خف الله خوفا لو أتيت يوم القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك ، وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك .. فقال له ابنه : يا أبه ، وكيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟.. فقال له لقمان :
يا بني !..لو استخرج قلب المؤمن فشُقّ لوجد فيه نوران : نور للخوف ، ونور للرجاء ، لو وزنا ما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة ، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله ، ومن يصدّق ما قال الله يفعل ما أمر الله ، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدّق ما قال الله ، فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض ، فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا ، ومن يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا ، ومن يطع الله خافه ، ومن خافه فقد أحبه ، ومن أحبه اتبع أمره ، ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته ، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه ، نعوذ بالله من سخط الله ..
يا بني!.. لا تركن إلى الدنيا ، ولا تشغل قلبك بها ، فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها ، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين ، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين .ص412
المصدر: تفسير القمي ص506

قال أمير المؤمنين (ع) : كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له : يا بني!.. ليعتبر من قَصُر يقينه وضَعُفت نيّته في طلب الرزق ، أن الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره ، وأتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة ، أن الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة .
أما أول ذلك فإنه كان في رحم أمه ، يرزقه هناك في قرار مكين حيث لا يؤذيه حر ولا برد ، ثم أخرجه من ذلك وأجرى له رزقا من لبن أمه يكفيه به ويربيه وينعشه من غير حول به ولا قوة ، ثم فُطم من ذلك فأجرى له رزقا من كسب أبويه برأفة ورحمة له من قلوبهما لا يملكان غير ذلك ، حتى أنهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة ، حتى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ، ضاق به أمره وظن الظنون بربه ، وجحد الحقوق في ماله ، وقتّر على نفسه وعياله مخافة إقتار رزق ، وسوء يقين بالخَلَف من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل ، فبئس العبد هذا يا بني.ص414
المصدر: الخصال 1/60

قال الصادق (ع): قيل للقمان : ما الذي أجمعت عليه من حكمتك ؟..قال : لا أتكلف ما قد كُفيته ، ولا اضيّع ما وُليته .ص415
المصدر: قرب الإسناد ص35

قال الصادق (ع):قال لقمان لابنه : يا بني!.. لكل شيء علامة يُعرف بها ويشهد عليها :
وإن للدين ثلاث علامات : العلم ، والايمان ، والعمل به ..
وللايمان ثلاث علامات : الايمان بالله وكتبه ورسله ..
وللعالم ثلاث علامات : العلم بالله ، وبما يحب ، وما يكره ..
وللعامل ثلاث علامات : الصلاة ، والصيام ، والزكاة ..
وللمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه ، ويقول ما لا يعلم ، ويتعاطى ما لا ينال ..
وللظالم ثلاث علامات : يظلم من فوقه بالمعصية ، ومن دونه بالغلبة ، ويعين الظلمة ..
وللمنافق ثلاث علامات : يخالف لسانه قلبه ، وقلبه فعله ، وعلانيته سريرته..
وللآثم ثلاث علامات : يخون ، ويكذب ، ويخالف ما يقول..
وللمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا كان وحده ، وينشط إذا كان الناس عنده ، ويتعرض في كل أمر للمحمدة ..
وللحاسد ثلاث علامات : يغتاب إذا غاب ، ويتملق إذا شهد ، ويشمت بالمصيبة ..
وللمسرف ثلاث علامات : يشتري ما ليس له ، ويلبس ما ليس له ، ويأكل ما ليس له ..
وللكسلان ثلاث علامات : يتوانى حتى يفرّط ، ويفرّط حتى يضيّع ، ويضيّع حتى يأثم ..
وللغافل ثلاث علامات : السهو ، واللهو ، والنسيان ..
قال حماد بن عيسى : قال أبوعبدالله (ع) :
ولكل واحدة من هذه العلامات شعب يبلغ العلم بها أكثر من ألف باب وألف باب وألف باب ، فكن يا حماد طالبا للعلم في آناء الليل والنهار ، فإن أردت أن تقر عينك وتنال خير الدنيا والآخرة ، فاقطع الطمع مما في أيدي الناس ، وعُدّ نفسك في الموتى ، ولا تحدث لنفسك أنك فوق أحد من الناس ، واخزن لسانك كما تحزن مالك.ص416
المصدر: الخصال 1/60

قال الباقر (ع): كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال:
يا بني!.. إن تك في شك من الموت ، فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك ، وإن كنت في شك من البعث فادفع عن نفسك الانتباه ، ولن تستطيع ذلك ، فإنك إذا فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك ، وإنما النوم بمنزلة الموت ، وإنما اليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت .. وقال : قال لقمان (ع) :
يا بني !.. لا تقترب فيكون أبعد لك ، ولا تبعد فتُهان ، كل دابة تحب مثلها وابن آدم لا يحب مثله ؟!.. لا تنشر بزك إلا عند باغيه ، وكما ليس بين الكبش والذئب خلّة ،كذلك ليس بين البار والفاجر خلة من يقترب من الزفت تعلّق ، كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طُرُقه ، من يحب المراء يُشتم ، ومن يدخل مدخل السوء يُتهم ، ومن يقارن قرين السوء لا يسلم ، ومن لا يملك لسانه يندم .. وقال :
يا بني!..صاحب مائة ولا تعاد واحدا …. الخبر .ص417
المصدر: قصص الأنبياء

قال الصادق (ع): قال لقمان :
يا بني!.. إياك والضجر وسوء الخلق وقلة الصبر ، فلا يستقيم على هذه الخصال صاحب ، وألزم نفسك التؤدة في أمورك وصبّر على مؤونات الإخوان نفسك ، وحسّن مع جميع الناس خلقك .
يا بني!.. إن عَدَمك ما تصل به قرابتك وتتفضل به على إخوانك ، فلا يعدمنّك حسن الخلق وبسط البشر ، فإنه من أحسن خلقه أحبه الأخيار وجانبه الفجار ، واقنع بقسم الله ليصفو عيشك ، فإن أردت أن تجمع عز الدنيا فاقطع طمعك مما في أيدي الناس ، فإنما بلغ الأنبياء والصديقون ما بلغوا بقطع طمعهم . ص420
المصدر: قصص الأنبياء

قال الصادق (ع) : قال لقمان :
يا بني !.. إن احتجت إلى سلطان فلا تُكثر الإلحاح عليه ، ولا تطلب حاجتك منه إلا في مواضع الطلب ، وذلك حين الرضى وطيب النفس ، ولا تضجرن بطلب حاجة ، فإن قضاءها بيد الله ولها أوقات ، ولكن ارغب إلى الله وسلْه وحرّك إليه أصابعك.
يا بني!.. إن الدنيا قليل وعمرك قصير .
يا بني !.. احذر الحسد فلا يكونن من شأنك ، واجتنب سوء الخلق فلا يكونن من طبعك ، فإنك لا تضر بهما إلا نفسك ، وإذا كنت أنت الضار لنفسك كَفيت عدوك أمرك ، لان عداوتك لنفسك أضر عليك من عداوة غيرك .
يا بني !.. اجعل معروفك في أهله وكن فيه طالبا لثواب الله ، وكن مقتصدا ، ولا تمسكه تقتيرا ، ولا تعطه تبذيرا ..
يا بني!.. سيد أخلاق الحكمة دين الله تعالى ، ومَثَل الدين كمثل شجرة نابتة فالإيمان بالله ماؤها ، والصلاة عروقها ، والزكاة جذعها ، والتآخي في الله شعبها ، والأخلاق الحسنة ورقها ، والخروج عن معاصي الله ثمرها ، ولا تكمل الشجرة إلا بثمرة طيبة ، كذلك الدين لا يكمل إلا بالخروج عن المحارم . يا بني!.. لكل شيء علامة يعرف بها ، وإن للدين ثلاث علامات :
العفة ، والعلم ، والحلم .ص420
المصدر: قصص الأنبياء

قال السجاد (ع) : قال لقمان :
يا بني !.. إن أشد العُدم عُدم القلب ، وإن أعظم المصائب مصيبة الدين ، وأسنى المرزئة ( أي المصيبة ) مرزئته ، وأنفع الغنى غنى القلب ، فتلبّث في كل ذلك ، والزم القناعة والرضى بما قسم الله ، وإن السارق إذا سرق حبسه الله من رزقه ، وكان عليه إثمه ، ولو صبر لنال ذلك وجاءه من وجهه .
يا بني!.. أخلص طاعة الله حتى لا تخالطها بشيء من المعاصي ، ثم زيّن الطاعة باتباع أهل الحق ، فإن طاعتهم متصلة بطاعة الله تعالى ، وزين ذلك بالعلم ، وحصّن علمك بحلم لا يخالطه حمق ، واخزنه بلين لا يخالطه جهل وشدّده بحزم لا يخالطه الضياع ، وامزج حزمك برفق لا يخالطه العنف . ص421
المصدر:قصص الأنبياء

قال الصادق (ع): قال لقمان (ع) : حملت الجندل ( أي الحجر ) والحديد وكل حمل ثقيل ، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء ، وذقت المرارات كلها فما ذقت شيئا أمرّ من الفقر…. الخبر .ص421
المصدر:قصص الأنبياء

وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول : يا لقمان!.. إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك ، فيقول لقمان : إن طول الوحدة أفهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طريق الجنة .ص422
المصدر:تنبيه الخواطر 1/38

قال الصادق (ع): قال لقمان لابنه : إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتك إياهم في أمرك وأمورهم ، وأكثر التبسّم في وجوههم ، وكن كريما على زادك ، وإذا دعوك فأجبهم ، وإذا استعانوا بك فأعنهم ، واغلبهم بثلاث :
بطول الصمت ، وكثرة الصلاة ، وسخاء النفس بما معك من دابة أو مال أو زاد ، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ، وأجهد رأيك لهم إذا استشاروك ، ثم لا تعزم حتى تثبّت وتنظر ، ولا تُجِبْ في مشورةٍ حتى تقوم فيها وتقعد ، وتنام وتصلي وأنت مستعمل فكرك وحكمتك في مشورته ، فإن من لم يمحّض النصيحة لمن استشاره ، سلبه الله تبارك وتعالى رأيه ، ونزع عنه الأمانة ، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم ، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم ، وإذا تصدقوا وأعطوا قرضا فأعط معهم .
واسمع لمن هو أكبر منك سنا ، وإذا أمروك بأمر وسألوك فقل : نعم ، ولا تقل : لا ، فإن ” لا ” عيٌّ ولوم ، وإذا تحيرتم في طريقكم فانزلوا ، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتؤامروا ، وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه ، فإن الشخص الواحد في الفلات مريب ، لعله أن يكون عينا للصوص ، أو يكون هو الشيطان الذي يحيّركم ، واحذروا الشخصين أيضا إلا أن تروا ما لا أرى ، فإن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب .
يا بني!.. فإذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء ، وصلّها واسترح منها ، فإنها دَين ، وصلّ في جماعة ولو على رأس زج ( أي الحديدة أسفل الرمح )، ولا تنامن على دابتك ، فإن ذلك سريع في دبْرها ( أي إتلافها ) ، وليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل ، وإذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك ، وابدء بعلفها قبل نفسك ، وإذا أردت النزول فعليك من بقاع الارض بأحسنها لونا ، وألينها تربة ، وأكثرها عشبا ، وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس .
وإذا أردت قضاء حاجة فابعد المذهب في الارض ، فإذا ارتحلت فصلّ ركعتين ، وودّع الارض التي حللت بها ، وسلم عليها وعلى أهلها ، فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة ، وإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدأ فتتصدق منه فافعل ، وعليك بقراءة كتاب الله عز وجل ما دمت راكبا ، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا ، وعليك بالدعاء ما دمت خاليا ، وإياك والسير من أول الليل ، وعليك بالتعريس والدلجة من لدن نصف الليل إلى آخره ، وإياك ورفع الصوت في مسيرك .ص423
المصدر: روضة الكافي ص348

قال النبي (ص) : حقا أقول ، لم يكن لقمان نبيا ، ولكنه كان عبدا كثير التفكر ، حَسَن اليقين.. أحبّ الله فأحبه ، ومنّ عليه بالحكمة.ص424
المصدر: مجمع البيان 8/315

قدم لقمان من سفر ، فلقي غلامه في الطريق فقال : ما فعل أبي ؟.. قال : مات ، قال : ملكت ُأمري ، قال : ما فعلت امرأتي ؟.. قال : ماتت ، قال : جُدّد فراشي ، قال : ما فعلت أختي ؟.. قال : ماتت ، قال : سُترت عورتي ، قال : ما فعل أخي ؟.. قال : مات ، قال : انقطع ظهري .ص424
المصدر: مجمع البيان 8/315

قيل للقمان : أي الناس شر ؟.. قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا .. وقيل له : ما أقبح وجهك !.. قال : تعيب على النقش أو على فاعل النقش ؟..ص425
المصدر: مجمع البيان 8/315

دخل على داود وهو يسرد الدرع ، وقد ليّن الله له الحديد كالطين ، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت ، فلما أتمها لبسها ، وقال : نعم لبوس الحرب أنت ، فقال :
الصمت حكمة وقليل فاعله ، فقال له داود (ع) : بحق ما سُميت حكيما .ص425
المصدر: مجمع البيان 8/315

قال الصادق (ع): كان فيما وعظ به لقمان ابنه : يا بني!.. إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم ، فلم يبق ما جمعوا، ولم يبق من جمعوا له ، وإنما أنت عبد مستأجر قد أُمرت بعمل ووُعدت عليه أجرا ، فأوف عملك واستوف أجرك ، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر ، فأكلت حتى سمنت ، فكان حتفها عند سمنها ، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جُزت عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر ، أخربها ولا تعمّرها فإنك لم تؤمر بعمارتها ، واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عز وجل عن أربع :
شبابك فيما أبليته ، وعمرك فيما أفنيته ، ومالك مما اكتسبته ، وفيما أنفقته فتأهّب لذلك ، وأعدّ له جوابا ، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا ، فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه ، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه ، فخذ حِذْرك ، وجدّ في أمرك ، واكشف الغطاء عن وجهك ، وتعرّض لمعروف ربك ، وجدد التوبة في قلبك…. الخبر. ص426
المصدر: أصول الكافي 2/134

قيل للقمان : ألست عبد آل فلان ؟.. قال : بلى ، قيل : فما بلغ بك ما نرى ؟.. قال :
صدْقُ الحديث ، وأداء الأمانة ، وتركي ما لا يعنيني ، وغضي بصري ، وكفّي لساني ، وعفتي في طعمتي ، فمن نقص عن هذا فهو دوني ، ومن زاد عليه فهو فوقي ، ومن عمله فهو مثلي ، وقال :
يا بني!.. لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة ، ولا تشمت بالموت ، ولا تسخر بالمبتلى ، ولا تمنع المعروف ..
يا بني!.. كن أمينا تعش غنيا .
يا بني!.. اتخذ تقوى الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة ، وإذا أخطأت خطيئة فابعث في أثرها صدقة تطفئها .
يا بني!.. إن الموعظة تشق على السفيه ، كما يشق الصعود على الشيخ الكبير.. يا بني!.. لا ترث لمن ظلمته ، ولكن إرث لسوء ما جنيته على نفسك ، وإذا دعتك القدرة إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله عليك .
يا بني !.. تعلّم من العلماء ما جهلت ، وعلّم الناس ما علمت .ص426
المصدر: تنبيه الخواطر 2/230

من وصايا لقمان : يا بني !.. كن لليتيم كالأب الرحيم ، وللأرملة كالزوج العطوف ….
يا بني !.. الوحدة خير من صاحب السوء ..
يا بني !.. الصاحب الصالح خير من الوحدة ….
يا بني !. من ذا الذي عبد الله فخذله ؟.. ومن ذا الذي ابتغاه فلم يجده ؟ .. يا بني !.. ومن ذا الذي ذكره فلم يذكره ؟.. ومن ذا الذي توكل على الله فوكله إلى غيره ؟ .. ومن ذا الذي تضرع إليه جل ذكره فلم يرحمه ؟….
يا بني !.. إياك ومصاحبة الفسّاق فإنما هم كالكلاب ، إن وجدوا عندك شيئا أكلوه ، وإلا ذموك وفضحوك ، وإنما حبهم بينهم ساعة ….
يا بني !.. المؤمن تظلمه ولا يظلمك وتطلب عليه ويرضى عنك ، والفاسق لا يراقب الله فكيف يراقبك ؟! ….
يا بني !. انْه النفس عن هواها ، فإنك إن لم تنْه النفس عن هواها لن تدخل الجنة ولن تراها – ويروى انْه نفسك عن هواها ، فإن في هواها رداها -….
يا بني !.. كيف يتجبر من قد جرى في مجرى البول مرتين ….
يا بني!.. إنه قد مات أصفياء الله عز وجل و أحباؤه وأنبياؤه صلوات الله عليهم فمن ذا بعدهم يخلد فيترك ؟..
يا بني !..لا تطأ أمَتَك ولو أعجبتك ، وانْه نفسك عنها وزوّجها ….
يا بني !.. النساء أربع : ثنتان صالحتان ، وثنتان ملعونتان ، فأما إحدى الصالحتين : فهي الشريفة في قومها ، الذليلة في نفسها ، التي إن أُعطيتْ شكرت ، وإن أُبتليت صبرت ، القليل في يديها كثير .. والثاني : الولود الودود تعود بخير على زوجها ، هي كالأم الرحيم ، تعطف على كبيرهم ، وترحم صغيرهم ، وتحب ولد زوجها و إن كانوا من غيرها ، جامعة الشمل ، مرضية البعل ، مُصلحة في النفس والأهل والمال و الولد ، فهي كالذهب الأحمر طوبى لمن رُزقها ، إن شهد زوجها أعانته ، وإن غاب عنها حفظته .
وأما إحدى الملعونتين : فهي العظيمة في نفسها ، الذليلة في قومها ، التي إن أُعطيت سخطت ، وإن مُنعت عتبت وغضبت ، فزوجها منها في بلاء ، وجيرانها منها في عناء ، فهي كالأسد إن جاورته أكلك ، وإن هربت منه قتلك.. والملعونة الثانية : فهي قلىً عن زوجها وملّها جيرانها ، إنما هي سريعة السخطة ، سريعة الدمعة ، إن شهد زوجها لم تنفعه ، وإن غاب عنها فضحته ، فهي بمنزلة الارض النشاشة ( أي التي لا يجف ثراها ولا تنبت ) إن اسقيت أفاضته الماء وغرقت ، وإن تركتها عطشت ، وإن رزقت منها ولدا لم تنتفع به ….
يا بني !.. اتق النظر إلى ما لا تملكه ، وأطل التفكر في ملكوت السماوات والارض والجبال وما خلق الله ، فكفى بهذا واعظا لقلبك ….
يا بني!.. تعلمت سبعة آلاف من الحكمة ، فاحفظ منها أربعا ومرّ معي إلى الجنة : احكم سفينتك فإن بحرك عميق ، وخفف حملك فإن العقبة كؤود ، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير .ص432
المصدر: الاختصاص

من حكم لقمان : فإن افتقرت يومك فاجعل فقرك بينك وبين الله ، ولا تحدّث الناس بفقرك فتهون عليهم .
يا بني !.. من لا يُسخط نفسه لا يُرضى ربه ، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه .ص432
المصدر: كنز الكراجكي

أول ما ظهر من حكم لقمان ، أن تاجرا سكر وخاطر نديمه أن يشرب ماء البحر كله وإلا سلّم إليه ماله وأهله ، فلما أصبح وصحا ندم وجعل صاحبه يطالبه بذلك ، فقال لقمان :
أنا اخلّصك بشرط أن لا تعود إلى مثله .. قل :
أأشرب الماء الذي كان فيه وقتئذ فأتني به ، أو أشرب ماءه الآن، فسدّ أفواهه لاشربه ، أو أشرب الماء الذي يأتي به ، فاصبر حتى يأتي ، فأمسك صاحبه عنه .ص433
المصدر: بيان التنزيل

روي أن لقمان الحكيم قال لولده في وصيته :
لا تعلّق قلبك برضى الناس ومدحهم وذمهم ، فإن ذلك لا يحصل ولو بالغ الإنسان في تحصيله بغاية قدرته ، فقال ولده : ما معناه ؟.. أحب أن أرى لذلك مثالا أو فعالا أو مقالا ، فقال له :
أخرج أنا وأنت ، فخرجا ومعهما بهيمة فركبه لقمان وترك ولده يمشي وراءه ، فاجتازوا على قوم فقالوا :
هذا شيخ قاسي القلب ، قليل الرحمة ، يركب هو الدابة وهو أقوى من هذا الصبي ويترك هذا الصبي يمشي وراءه ، وإن هذا بئس التدبير !.. فقال لولده :
سمعت قولهم وإنكارهم لركوبي ومشيك ؟.. فقال : نعم .. فقال :
اركب أنت يا ولدي حتى أمشي أنا ، فركب ولده ومشى لقمان ، فاجتازوا على جماعة أخرى فقالوا :
هذا بئس الوالد وهذا بئس الولد ، أما أبوه فإنه ما أدّب هذا الصبي حتى يركب الدابة ويترك والده يمشي وراءه ، والوالد أحقّ بالاحترام والركوب ، وأما الولد فإنه عق والده بهذه الحال ، فكلاهما أساءا في الفعال !.. فقال لقمان لولده : سمعتَ ؟.. فقال : نعم .. فقال :
نركب معا الدابة ، فركبا معا فاجتازا على جماعة فقالوا :
ما في قلب هذين الراكبين رحمة ، ولا عندهم من الله خير ، يركبان معا الدابة يقطعان ظهرها و يحملانها ما لا تطيق ، لو كان قد ركب واحد ومشى واحد كان أصلح وأجود ، فقال : سمعتَ ؟.. فقال : نعم.. فقال :
هات حتى نترك الدابة تمشي خالية من ركوبنا ، فساقا الدابة بين أيديهما وهما يمشيان فاجتازا على جماعة فقالوا :
هذا عجيب من هذين الشخصين ، يتركان دابة فارغة تمشي بغير راكب ويمشيان !.. وذموهما على ذلك كما ذموهما على كل ما كان ، فقال لولده : ترى في تحصيل رضاهم حيلةً لمحتال ؟..
فلا تلتفت إليهم ، واشتغل برضى الله جل جلاله ، ففيه شغل شاغل ، وسعادة وإقبال في الدنيا ، ويوم الحساب والسؤال .ص433
المصدر: فتح الأبواب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى