الجزء الثاني عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب قصص يعقوب ويوسف على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام

قال علي بن إبراهيم : فقال لاوي : ألقوه في هذا الجبّ يلتقطه بعض السيّارة إن كنتم فاعلين ، فأدنوه من رأس الجبّ فقالوا له : انزع قميصك ، فبكى فقال : يا إخوتي تجّردوني ؟!.. فسلّ واحد منهم عليه السكين فقال : لئن لم تنزعه لأقتلنّك ، فنزعه فدلّوه في اليم وتنحّوا عنه ، فقال يوسف في الجبّ :
” يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري ” فنزلت سيّارةٌ من أهل مصر فبعثوا رجلا ليستقي لهم الماء من الجبّ ، فلما أدلى الدلو على يوسف تشبّث بالدلو فجرّوه ، فنظروا إلى غلام من أحسن الناس وجهاً فعدوا إلى صاحبهم فقالوا : { يا بشرى هذا غلام } فنخرجه ونبيعه ونجعله بضاعةً لنا ، فبلغ إخوته فجاءوا فقالوا : هذا عبدٌ لنا أبق ، ثم قالوا ليوسف : لئن لم تقرّ بالعبودية لنقتلنّك ، فقالت السيّارة ليوسف :
ما تقول ؟..
قال : أنا عبدهم ، فقالت السيارة : فتبيعوه منا ؟.. قالوا : نعم ، فباعوه منهم على أن يحملوه إلى مصر ، { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } ، قال : الذي بيع بها يوسف ثمانية عشر درهما ، وكان عندهم كما قال الله : { وكانوا فيه من الزاهدين } . ص222
المصدر: تفسير القمي ص317

قال الرضا (ع) في قول الله { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة }: كانت عشرين درهما .ص222
المصدر: تفسير القمي ص317
بيــان:
والبخس : النقص ، وهي قيمة كلب الصيد إذا قُتل ، كان قيمته عشرين درهما . ص222

قال الصادق (ع) : إنّ يوسف أتاه جبرائيل (ع) فقال له :
يا يوسف !.. إنّ رب العالمين يقرئك السلام ويقول لك : مَن جعلك أحسن خلقه ؟.. فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال : أنت يا ربّ !..
ثم قال له : ويقول لك : مَن حبّبك إلى أبيك دون إخوتك ؟.. فصاح ووضع خده على الأرض وقال : أنت يا ربّ !..
قال : ويقول لك : مَن أخرجك من الجبّ بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة ؟.. فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال : أنت يا ربّ !..
قال : فإنّ ربك قد جعل لك عقوبةً في استغاثتك بغيره ، فالبث في السجن بضع سنين ، فلما انقضت المدة وأذن الله له في دعاء الفرج وضع خده على الأرض ثم قال :
” اللهم !.. إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك ، فإني أتوجه إليك بوجه آبائي الصالحين : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ” ، ففرّج الله عنه .
قلت : جعلت فداك !.. أندعو نحن بهذا الدعاء ؟.. فقال : ادع بمثله :
اللهم !.. إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك ، فإني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، والأئمة (ع) . ص231
المصدر: تفسير القمي ص321
بيــان:
قال الطبرسي – قدس الله روحه – بعد نقل أمثال هذه الرواية : والقول في ذلك أن الاستعانة بالعباد في دفع المضارّ ، والتخلص من المكاره جائزٌ غير منكر ولا قبيح ، بل ربما يجب ، وكان نبينا يستعين فيما ينوبه بالمهاجرين والأنصار وغيرهم ، ولو كان قبيحاً لم يفعله ، فلو صحّت هذه الروايات فإنما عوتب (ع) على ترك عادته الجميلة في الصبر ، والتوكّل على الله سبحانه في كل أموره دون غيره وقتاً ما وابتلاءً وتشديداً ، وإنما كان يكون قبيحاً لو ترك التوكّل على الله سبحانه واقتصر على غيره ، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله والاستعانة به دون غيره في الشدائد ، وإن جاز أيضا أن يستعان بغيره . ص231 قوله :{ لا تدخلوا من باب واحد } المشهور بين المفسرين أنه إنما قال ذلك لما خاف عليهم من العين ، وقيل : لما اشتهروا بمصر بالحسن والجمال وإكرام الملِك لهم ، خاف عليهم حسد الناس ، وقيل : لم يأمن عليهم من أن يخافهم الملِك فيحبسهم .
وقيل : أنه (ع) كان عالماً بأنّ ملك مصر ولده يوسف ، إلا أنّ الله تعالى لم يأذن له في إظهار ذلك ، فلما بعث أبناءه إليه قال : { لا تدخلوا من باب واحد } ، وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة ثم إن العبد لما كان مأموراً بملاحظة الأسباب وعدم الاعتماد عليها والتوكّل على الله ، قال أولاً ما يلزمه من الحزم والتدبير .
ثم تبرّأ عن الاعتماد على الأسباب بقوله : { وما أغنى عنكم من الله من شيء } ، ثم إنه تعالى صدّقه على ما ذكره من عدم الاعتماد على الأسباب بقوله تعالى : { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي من أبواب متفرقة في البلد ، { ما كان يغني عنهم } رأي يعقوب واتباعهم له { من الله من شيء } مما قضاه عليهم كما قال يعقوب ، فأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله ، وتضاعفت المصيبة على يعقوب . ص238

قال الرضا (ع) : قال السجّان ليوسف : إني لأحبُّك ، فقال يوسف :
ما أصابني إلا من الحبّ .. إن كان خالتي أحبتني سرقتني ، وإن كان أبي أحبّني فحسدوني إخوتي .. وإن كانت امرأة العزيز أحبتني فحبستني .
وشكا يوسف في السجن إلى الله ، فقال : يا ربّ !.. بماذا استحققتُ السجن ؟.. فأوحى الله إليه : أنت اخترته حين قلت :
{ رب السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه } ، هلا قلت : العافية أحبّ إليّ مما يدعونني إليه ؟!.. ص247
المصدر: تفسير القمي ص330

فنزل عليه جبرائيل فقال له :
يا يوسف !.. أَخرجْ يدك ، فأخرجها فخرج من بين أصابعه نورٌ ، فقال يوسف : ما هذا يا جبرائيل ؟!.. فقال : هذه النبوة أخرجها الله من صلبك ، لأنك لم تقم إلى أبيك ، فحطّ الله نوره ، ومحا النبوة من صلبه ، وجعلها في ولد لاوي أخي يوسف ، وذلك لأنهم لما أرادوا قتل يوسف قال :
{ لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب } ، فشكر الله له ذلك ، ولما أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر وقد حبس يوسف أخاه ، قال : { لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين } ، فشكر الله له ذلك ، فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (ع) ، وكان موسى من ولده وهو موسى بن عمران بن يهصر بن واهيث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .
فقال يعقوب لابنه : يا بني !.. أخبرني ما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي ؟.. فقال : يا أبت اعفني من ذلك ، قال : أخبرني ببعضه ، فقال :
يا أبت إنهم لما أدنوني من الجبّ قالوا : انزع قميصك ، فقلت لهم : يا إخوتي ، اتقوا الله ولا تجّردوني ، فسلّوا عليّ السكين وقالوا : لئن لم تنزع لنذبحنّك ، فنزعت القميص ، وألقوني في الجبّ عريانا ، فشهق يعقوب شهقةً وأُغمي عليه ، فلما أفاق قال : يا بني !.. حدثني ، فقال : يا أبت !.. أسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلا أعفيتني فأعفاه .
ولما مات العزيز وذلك في السنين الجدبة ، افتقرت امرأة العزيز واحتاجت حتى سألت الناس ، فقالوا لها : ما يضرّك لو قعدت للعزيز – وكان يوسف سميّ العزيز – فقالت : أستحيي منه ، فلم يزالوا بها حتى قعدت له ، فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه وقالت : سبحان الذي جعل الملوك بالمعصية عبيداً ، وجعل العبيد بالطاعة ملوكاً ، فقال لها يوسف : أنتِ هاتيك ؟.. فقالت : نعم – وكانت اسمها زليخا – فأمر بها وحُوّلت إلى منزله وكانت هرمة ، فقال لها يوسف : ألست فعلتِ بي كذا وكذا ؟.. فقالت : يا نبي الله !.. لا تلمني فإني بليت بثلاثة لم يبل بها أحدٌ ، قال : وما هي ؟..
قالت : بُليت بحبك ولم يخلق الله في الدنيا لك نظيرا ، وبُليت بأنه لم يكن بمصر امرأةً أجمل مني ولا أكثر مالاً مني نزع عني ، وبُليت بزوج عنّين ، فقال لها يوسف : فما حاجتكِ ؟.. قالت : تسأل الله أن يردّ عليّ شبابي ، فسأل الله فردّ عليها شبابها فتزوجها وهي بكر . ص253
المصدر: تفسير القمي ص333

قال الباقر (ع) في قوله تعالى { قد شغفها حبّا} : قد حجبها حبه عن الناس ، فلا تعقل غيره . ص253
المصدر: تفسير القمي ص333
بيــان:
المشهور بين المفسرين واللغويين أنّ المراد شقّ شغاف قلبها ، وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها . ص253

قيل للصادق (ع) : ما كان دعاء يوسف (ع) في الجبّ ؟.. فإنا قد اختلفنا فيه ، فقال : إنّ يوسف (ع) لما صار في الجب وآيس من الحياة قال :
” اللهم !.. إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك ، فلن ترفع لي إليك صوتاً ، ولن تستجيب لي دعوةً ، فإني أسألك بحقّ الشيخ يعقوب فارحم ضعفه ، واجمع بيني وبينه ، فقد علمت رقته عليّ وشوقي إليه “.. ثم بكى الصادق (ع) ثم قال وأنا أقول :
” اللهم !.. إن كانت الخطايا والذنوب قد أخلقت وجهي عندك ، فلن ترفع لي إليك صوتا ، فإني أسألك بك فليس كمثلك شيء ، وأتوجه إليك بمحمد نبيك نبي الرحمة ، يا الله !.. يا الله !.. يا الله !.. يا الله !.. يا الله !.. “.
ثم قال الصادق (ع) : قولوا هذا وأكثروا منه ، فإني كثيراً ما أقوله عند الكرب العظام . ص256
المصدر: أمالي الصدوق ص242

قال الصادق (ع) : البكّاؤون خمسة : آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد (ص) وعلي بن الحسين (ع) ..
فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية ..
وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له : { تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين } ..
وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذّى به أهل السجن ، فقالوا له : إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار ، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل ، فصالحهم على واحدة منهما ..
وأما فاطمة فبكت على رسول الله (ص) حتى تأذّى به أهل المدينة ، فقالوا لها : قد آذيتنا بكثرة بكائك ، فكانت تخرج إلى المقابر – مقابر الشهداء – فتبكي حتى تنقضي حاجتها ثم تنصرف ..
وأما علي بن الحسين (ع) فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين سنة ، ما وُضِع بين يديه طعامٌ إلا بكى حتى قال له مولى له : جعلت فداك يا بن رسول الله !.. إني أخاف عليك أن تكون من الجاهلين ، قال : { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة . ص264
المصدر: الخصال 1/131

قال الصادق (ع) : إنّ يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى : يا رب !.. أما ترحمني ؟.. أذهبتَ عيني ّ، وأذهبتَ ابنيّ ، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه : لو أمتهما لأحييتهما حتى أجمع بينك وبينهما ، ولكن أما تذكر الشاة ذبحتها وشويتها ، وأكلت وفلان إلى جنبك صائمٌ لم تنله منها شيئا ؟..
قال ابن أسباط : قال يعقوب : حدّثني الميثمي ، عن أبي عبد الله (ع) : أنّ يعقوب بعد ذلك كان ينادي مناديه كل غداة من منزله على فرسخ : ألا من أراد الغداء فليأت آل يعقوب ، وإذا أمسى نادى : ألا مَن أراد العشاء فليأت آل يعقوب.ص265
المصدر: المحاسن ص399

قال الصادق (ع) : جاء رجلٌ إلى رسول الله (ص) فقال : يا نبي الله !.. إنّ لي ابنة عم قد رضيتُ جمالها وحسنها ودينها ولكنها عاقر ، فقال : لا تتزوجها !.. إنّ يوسف بن يعقوب لقي آخاه فقال :
يا أخي !..كيف استطعت أن تتزوج النساء بعدي ؟.. فقال : إنّ أبي أمرني وقال : إن استطعت أن تكون لك ذرية تُثقل الأرض بالتسبيح فافعل . ص266
المصدر: فروع الكافي 2/6

قال رسول الله (ص) : خير وقتٍ دعوتم الله فيه الأسحار ، وتلا هذه الآية في قول يعقوب (ع) :
{ سوف أستغفر لكم ربي } ، فقال : أخرّهم إلى السحر.ص266
المصدر: أصول الكافي 2/477

لما قدم يعقوب (ع) خرج يوسف (ع) فاستقبله في موكبه ، فمرّ بامرأة العزيز وهي تعبد في غرفة لها ، فلما رأته عرفته فنادته بصوت حزين : أيها الذاهب طالما أحزنتني !.. ما أحسن التقوى ، كيف حرّر العبيد ؟! وأقبح الخطيئة ، كيف عبّدت الأحرار ؟! .. 270
المصدر: أمالي الطوسي ص292

قال الصادق (ع) : استأذنت زليخا على يوسف فقيل لها : يا زليخا !.. إنا نكره أن نقدم بك عليه لما كان منك إليه ، قالت : إني لا أخاف مَن يخاف الله ، فلما دخلت قال لها : يا زليخا !.. ما لي أراك قد تغيّر لونك ؟.. قالت : الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيداً ، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكاً ، قال لها : يا زليخا !.. ما الذي دعاك إلى ما كان منك ؟..
قالت : حُسن وجهك يا يوسف !.. فقال : كيف لو رأيت نبياً يقال له محمد يكون في آخر الزمان ، أحسن مني وجها ، وأحسن مني خلقاً ، وأسمح مني كفّاً ؟.. قالت : صدقت ، قال : وكيف علمت أني صدقت ؟.. قالت : لأنك حين ذكرته وقع حبّه في قلبي ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى يوسف : أنها قد صدقتْ ، وإني قد أحببتها لحبّها محمداً (ص) ، فأمره الله تبارك وتعالى أن يتزوجها . ص282
المصدر: العلل ص30

قال الباقر (ع) : أي شيء يقول الناس في قول الله عزّ وجلّ : { لولا أن رأى برهان ربه } ؟.. قلت : يقولون : رأى يعقوب عاضّاً على إصبعه ، فقال : لا ، ليس كما يقولون ، فقلت : فأي شيء رأى ؟.. قال : لما همّت به وهمّ بها قامت إلى صنم معها في البيت فألقت عليه ثوباً ، فقال لها يوسف : ما صنعت ؟.. قالت : طرحت عليه ثوباً أستحي أن يرانا ، فقال يوسف : فأنت تستحين من صنمك ، وهو لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي أنا من ربي ؟..ص301
المصدر: تفسير العياشي

قال الصادق (ع) : جاء جبرائيل إلى يوسف في السجن ، قال : قل في دبر كلّ صلاة فريضة : ” اللهم !.. اجعل لي فرجاً ومخرجاً ، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب ” . ص301
المصدر: تفسير العياشي

لما قال للفتى : { اذكرني عند ربك } أتاه جبرائيل فضربه برجله حتى كشط له عن الأرض السابعة ، فقال له : يا يوسف !.. انظر ماذا ترى ؟.. قال : أرى حجراً صغيراً ، ففلق الحجر فقال : ماذا ترى ؟.. قال : أرى دودةً صغيرةً ، قال : فمَن رازقها ؟..
قال : الله ، قال : فإنّ ربك يقول : لم أنسَ هذه الدودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السابعة ، أظننت أني أنساك حتى تقول للفتى : اذكرني عند ربك ؟.. لتلبثنّ في السجن بمقالتك هذه بضع سنين ، فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيطان ، فتأذى به أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً ، وكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالاً . ص303
المصدر: تفسير العياشي

*
المصدر:

بيــان:
مسألة : فإن قال : فلِمَ أسرف يعقوب (ع) في الحزن والتهالك وترك التماسك حتى ابيّضت عيناه من البكاء ؟.. ومن شأن الأنبياء التجلّد والتصبر وتحمل الأثقال ، ولولا هذه الحال ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم.
الجواب : قيل له : إنّ يعقوب (ع) بُلي وامتُحن في ابنه بما لم يُمتحن به أحدٌ قبله ، لأنّ الله تعالى رزقه من يوسف أحسن الناس وأجملهم وأكملهم علماً وفضلاً وأدباً وعفافاً ، ثم أُصيب به أعجب مصيبة وأطرفها ، لأنه لم يمرض بين يديه مرضاً يؤول إلى الموت فيسلّيه عنه تمريضه له ثم يئس منه بالموت ، بل فقده فقداً لا يقطع معه على الهلاك فييأس ، ولا يجد أمارةً على حياته وسلامته فيرجو ويطمع ، فكان متردّد الفكر بين يأس وطمع ، وهذا أغلظ ما يكون على الإنسان وأنكى لقلبه .
وقد يرد على الإنسان من الحزن ما لا يملك ردّه ولا يقوى على دفعه ، ولهذا لم يكن أحدٌ منهياً عن مجرد الحزن والبكاء ، وإنما نُهي عن اللطم والنوح وأن يُطلق لسانه بما سخط ربه ، وقد بكى نبينا (ص)على ابنه إبراهيم عند وفاته وقال : ” العين تدمع ، والقلب يخشع ، ولا نقول ما يسخط الرب ” وهو عليه الصلاة والسلام القدوة في جميع الآداب والفضائل ، على أنّ يعقوب (ع) إنما أبدى من حزنه يسيرا من كثير ، وكان ما يخفيه ويتصبر عليه ويغالبه أكثر وأوسع مما أظهره ، وبعد فإنّ التجلّد على المصائب وكظم الحزن من المندوب إليه ، وليس بواجب لازم وقد يعدل الأنبياء (ع) عن كثير من المندوبات . ص325

*
المصدر:

بيــان:
قد حقّقنا في بعض كتبنا أنّ محبة المقرّبين لأولادهم وأقربائهم وأحبائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية والشهوات البشرية ، بل تجرّدوا عن جميع ذلك ، وأخلصوا حبّهم وودهم وإرادتهم لله ، فهم ما يحبون سوى الله تعالى ، وحبّهم لغيره تعالى إنما يرجع إلى حبّهم له ، ولذا لم يحبّ يعقوب (ع) من سائر أولاده مثل ما أحبّ يوسف (ع) ، وهم لجهلهم بسبب حبّه له نسبوه إلى الضلال وقالوا : نحن عصبةٌ ونحن أحقّ بأن نكون محبوبين له ، لأنا أقوياء على تمشية ما يريده من أمور الدنيا·
ففرطُ حبّه ليوسف إنما كان لحبّ الله تعالى له واصطفائه إياه ، ومحبوبُ المحبوب محبوبٌ ، فإفراطه في حبّ يوسف لا ينافي خلوص حبّه لربه ، ولا يُخلُّ بعلو قدره ومنزلته عند سيده ، وسيأتي الكلام في ذلك على وجه أبسط في محلّه ، وفيما أو ردته كفاية لأولي الألباب · ص325
المقام الثاني في الكلام على هذه الآية أن نقول : سلّمنا أنّ الهمّ قد حصل ، إلا أنا نقول : إن قوله : { وهمّ بها } لا يمكن حمله على ظاهره ، لأنّ تعليق الهمّ بذات المرأة محال ، لأنّ الهمّ من جنس القصد ، والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية ، فثبت أنه لا بدّ من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهمّ ، وذلك الفعل غير مذكور ، فهم زعموا أنّ ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة ، ونحن نضمر شيئاً آخر يغاير ما ذكروه ، وبيانه من وجوه :
الاول : المراد أنه (ع) همّ بدفعها عن نفسه ومنعها من ذلك القبيح ، لأنّ الهمّ هو القصد ، فوجب أن يحمل في حقّ كلّ واحدٍ على القصد الذي يليق به ، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذّة والتنعم والتمتع ، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقال : هممت بفلان أي بضربه ودفعه ·····
الوجه الثاني في الجواب : أن نفسّر الهمّ بالشهوة ، وهذا مستعملٌ في اللغة الشائعة ، يقول القائل فيما لا يشتهيه : ما يهمّني هذا ، وفيما يشتهيه : هذا أهمّ الأشياء إليّ ، فسمى الله تعالى شهوة يوسف همّاً ، فمعنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود ·
الثالث : أن نفسّر الهمّ بحديث النفس ، وذلك لأنّ المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلا بدّ وأن يقع هناك بين الشهوة والحكمة ، وبين النفس والعقل مجاذباتٌ ومنازعاتٌ ، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة ، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة ·
فالهمّ عبارةٌ عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية ، ومثاله أنّ الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلاّب المبرّد بالثلج ، فإنّ طبيعته تحمله على شربه ، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا يدلّ على حصول الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشدّ ،كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل ، فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه · ص332

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى