الجزء الثاني عشر كتاب تاريخ الانبياء

باب قصة الذبح وتعيين الذبيح

قال الرضا (ع) : لما أمر الله عزّ وجلّ إبراهيم أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه ، تمنّى إبراهيم أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل بيده ، وأنه لم يُؤمر بذبح الكبش مكانه ، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعزّ ولده عليه بيده ، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : يا إبراهيم !.. مَن أحبّ خلقي إليك ؟.. فقال : يا ربّ !.. ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ من حبيبك محمد ، فأوحى الله إليه : أفهو أحبّ إليك أم نفسك ؟..
قال : بل هو أحبّ إليّ من نفسي ، قال : فولده أحبّ إليك أم ولدك ؟.. قال : بل ولده ، قال : فذبْحُ ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك ، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟.. قال : يا ربّ !.. بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي ، قال : يا إبراهيم !.. فإنّ طائفة تزعم أنها من أمّة محمد ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً كما يُذبح الكبش ، ويستوجبون بذلك سخطي .
فجزع إبراهيم لذلك وتوجّع قلبه وأقبل يبكي ، فأوحى الله عزّ وجلّ :
يا إبراهيم !.. قد فديتُ جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك ، بجزعك على الحسين وقتله ، وأوجبتُ لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، وذلك قول الله عزّ وجلّ : { وفديناه بذبح عظيم } . ص125
المصدر: الخصال 1/30

قال الصادق (ع) : فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى فاستشار ابنه وقال كما حكى الله : { يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } ، فقال الغلام كما ذكر الله : امض لما أمرك الله به ، { يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } ، وسلّما لأمر الله وأقبل شيخ فقال : يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام ؟!..
قال : أريد أن أذبحه ، فقال : سبحان الله !.. تذبح غلاماً لم يعصِ الله طرفةَ عين ، فقال إبراهيم : إنّ الله أمرني بذلك ، فقال : ربك ينهاك عن ذلك ، وإنما أمرك بهذا الشيطان ، فقال له إبراهيم : ويلك !.. إنّ الذي بلّغني هذا المبلغ ، هو الذي أمرني به والكلام الذي وقع في أذني ، فقال : لا والله ما أمرك بهذا إلا الشيطان ، فقال إبراهيم : لا والله لا أكلّمك ، ثم عزم على الذبح فقال :
يا إبراهيم !.. إنك إمام يُقتدى بك ، وإنك إن ذبحته ذبح الناس أولادهم ، فلم يكلّمه وأقبل على الغلام واستشاره في الذبح .
فلما أسلما جميعا لأمر الله قال الغلام : يا أبتاه !.. خمّر ( أي أستر ) وجهي ، وشدّ وثاقي ، فقال إبراهيم : يا بني الوثاق مع الذبح ؟!.. لا والله لا أجمعهما عليك اليوم ، فرمى له بقرطان الحمار ، ثم أضجعه عليه ، وأخذ المدية فوضعها على حلقه ورفع رأسه إلى السماء ، ثم انتحى عليه المدية وقلب جبرائيل المدية على قفاها ، واجترّ الكبش من قِبَل ثبير ، وأثار الغلام من تحته ، ووضع الكبش مكان الغلام ، ونودي من ميسرة مسجد الخيف :
{ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين ، إنّ هذا لهو البلاء المبين } ، ولحق إبليس بأم الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء البيت ، فقال لها : ما شيخ رأيته ؟.. قالت : ذاك بعلي ، قال : فوصيف رأيته معه ؟.. قالت : ذاك ابني ، قال : فإني رأيته وقد أضجعه وأخذ المدية ليذبحه ، فقالت : كذبت إنّ إبراهيم أرحم الناس ، كيف يذبح ابنه ؟!.. قال : فوربّ السماء والأرض وربّ هذا البيت لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية ، فقالت : ولِمَ ؟.. قال : زعم أنّ ربه أمره بذلك ، قالت : فحقّ له أن يطيع ربه….الخبر.ص127
المصدر: تفسير القمي

*
المصدر:
بيــان:
قال الطبرسي رحمه الله : { فلما بلغ معه السعي } أي شبّ حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم ، والمعنى : بلغ إلى أن يتصرّف ويمشي معه ويعينه على أموره ، قالوا : وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ·
وقيل : يعني بالسعي العمل لله والعبادة ، { إني أرى في المنام } أي أبصرت في المنام رؤيا ، تأويلها الأمر بذبحك ، فانظر ماذا تراه من الرأي ، والأولى أن يكون الله تعالى قد أوحى إليه في اليقظة ، بأن يمضي ما يأمره به في حال نومه من حيث أنّ منامات الأنبياء لا تكون إلا صحيحة ، { فلما أسلما } أي استسلما لأمر الله ورضيا به ، { وتله للجبين } أي أضجعه على جبينه ·
وقيل : وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه فتلحقه رقّة الآباء ، وروي أنه قال : اذبحني وأنا ساجدٌ لا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني { قد صدقت الرؤيا } أي فعلت ما أُمرت به في الرؤيا ، { إن هذا لهو البلاء المبين } أي الامتحان الظاهر والاختبار الشديد ، أو النعمة الظاهرة { وفديناه بذبح عظيم } الذبح هو المذبوح ، فقيل : كان كبشاً من الغنم ، قال ابن عباس : هو الكبش الذي تُقبّل من هابيل حين قرّبه ·
وقيل : فُدي بوعل أُهبط عليه من ثبير ، وسمي عظيماً لأنه كان مقبولاً أو لأنّ قدر غيره من الكباش يصغر بالإضافة إليه ، وقيل : لأنه رعى في الجنة أربعين خريفا ، وقيل : لأنه كان من عند الله كونه ولم يكن عن نسل ، وقيل : لأنه فداء عبد عظيم · ص122

*المصدر:
بيــان:
قال الصدوق رحمه الله : قد اختلفت الروايات في الذبيح ، فمنها ما ورد بأنه إسماعيل ، ومنها ما ورد بأنه إسحاق ، ولا سبيل إلى ردّ الأخبار متى صحّ طرقها ، وكان الذبيح إسماعيل ، لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنّى أن يكون هو الذي أُمر أبوه بذبحه ، فكان يصبر لأمر الله ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه ، فينال بذلك درجته في الثواب ، فعلم الله عزّ وجلّ ذلك من قلبه ، فسمّه بين ملائكته ذبيحاً لتمنيّه لذلك · ص123

*المصدر:
بيــان:
وقول النبي (ص) : ( أنا ابن الذبيحين ) يؤيد ذلك ، لأنّ العمّ قد سماه الله عزّ وجلّ أباً في قوله : { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق } ، وكان إسماعيل عمّ يعقوب فسمّاه الله في هذا الموضع أباً ، وقد قال النبي (ص) : ( العم والد ) ، فعلى هذا الأصل أيضاً يطّرد قول النبي (ص) : ( أنا ابن الذبيحين ) أحدهما ذبيحٌ بالحقيقة ، والآخر ذبيحٌ بالمجاز ، واستحقاق الثواب على النيّة والتمني ، فالنبي (ص) هو ابن الذبيحين من وجهين على ما ذكرناه · ص124

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى