الجزء الحادي عشر كتاب النبوة

باب عصمة الأنبياء وتأويل ما يوهم خطأهم وسهوهم

مصدر:
بيــان:
أقول: لمّا أوردنا بعض الأخبار الدالّة على عصمة الأنبياء المتضمّنة لتأويل مايوهم صدور الذّنب والخطأ عنهم ، فلنتكلّم عليها جملة ، إذ تفصيل القول في ذلك يوجب الإطناب ، ويكثر حجم الكتاب:
اعلم أنّ الاختلاف الواقع في هذا الباب بين علماء الفريقين ، يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها ما يقع في باب العقائد..
وثانيها ما يقع في التّبليغ..
وثالثها ما يقع في الأحكام والفتيا. .
ورابعها في أفعالهم وسيرهم (ع)..
وأمّا الكفر والضّلال في الاعتقاد فقد أجمعت الأمّة على عصمتهم عنهما قبل النّبوّة وبعدها ، غير أنّ الأزارقة من الخوارج جوّزوا عليهم الذّنب ، وكلّ ذنب عندهم كفرٌ ، فلزمهم تجويز الكفر عليهم ، بل يُحكى عنهم أنّهم قالوا: يجوز أن يبعث الله نبيّاً علم أنّه يكفر بعد نبوَّته !..
وأمّا النّوع الثّاني : وهو ما يتعلّق بالتّبليغ ، فقد اتّفقت الأمة – بل جميع أرباب الملل والشّرائع – على وجوب عصمتهم عن الكذب والتّحريف فيما يتعلّق بالتّبليغ عمداً وسهوا ، إلاّ القاضي أبو بكر فإنّه جوّز ما كان من ذلك على سبيل النّسيان وفلتات اللّسان.
وأمّا النوع الثّالث : وهو ما يتعلّق بالفتيا فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطأهم فيه عمداً وسهواً إلاّ شرذمة قليلة من العامّة.
وأمّا النوع الرابع : وهو الّذي يقع في أفعالهم ، فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:
الأول : مذهب أصحابنا إلامامّية ، وهو أنّه لا يصدر عنهم الذّنب لا صغيرةً ولا كبيرةً ، ولا عمداً ولا نسياناً ، ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه ، ولم يخالف فيه إلاّ الصّدوق وشيخه محّمد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله ، إنّما جوّزا الإسهاء لا السّهو الذي يكون من الشّيطان ، وكذا القول في الأئمة الطّاهرين (ع).
الثاني: أنّه لا يجوز عليهم الكبائر ويجوز عليهم الصّغائر إلاّ الصغائر الخسيسة المنفّرة ، كسرقة حبّة أو لقمة ، وكلّ ما ينسب فاعله إلى الدّناءة والضّعة ، وهذا قول أكثر المعتزلة.
الثالث: أنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد ، لكن يجوز على جهة التأويل أو السّهو ، وهو قول أبي عليّ الجبائيّ.
الرّابع: أنّه لا يقع منهم الذّنب إلاّ على جهة السّهو والخطأ ، لكنّهم مأخوذون بما يقع منهم سهواً ، وإن كان موضوعاً عن أممهم لقوّة معرفتهم ، وعلوّ رتبتهم ، وكثرة دلائلهم ، وإنهم يقدرون من التّحفّظ على ما لا يقدر عليه غيرهم ، وهو قول النّظام وجعفر بن مبشّر ومن تبعهما.
الخامس: أنّه يجوز عليهم الكبائر والصّغائر عمداً وسهواً وخطأً ، وهو قول الحشويّة وكثير من أصحاب الحديث من العامّة.
ثمّ اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقول:
الأول: أنّه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه ، وهو مذهب أصحابنا الإمامّية.
الثّاني: أنّه من حين بلوغهم ، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوّة ، وهو مذهب كثير من المعتزلة.
الّثالث: أنّه وقت النّبوةّ ، وأمّا قبله فيجوز صدور المعصية عنهم ، وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازيّ ، وبه قال أبو هذيل وأبو عليّ الجبائيّ من المعتزلة.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمّة (ع) من كلّ ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوّة وبعدها : قول أئمّتنا سلام الله عليهم بذلك ، المعلوم لنا قطعا بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم ، مع تأيّده بالنّصوص المتظافرة ، حتّى صار ذلك من قبيل الضّروريّات في مذهب الإماميّة.
وقد استدلّ عليه أصحابنا بالدّلائل العقليّة ، وقد أوردنا بعضها في شرح كتاب الحجّة ، ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليُراجع إلى كتاب الشّافي وتنزيه الأنبياء وغيرهما من كتب أصحابنا .
والجواب مجملاً عمّا استدلّ به المخطئون من إطلاق لفظ العصيان والذنب فيما صدر عن آدم (ع) ، هو أنّه لمّا قام الدّليل على عصمتهم نحمل هذه الألفاظ على ترك المستحبّ والأولى ، أو فعل المكروه مجازاً ، والنكتة فيه كون ترك الأولى ، ومخالفة الأمر الندبيّ ، وارتكاب النّهي التنزيهيّ منهم ممّا يعظم موقعه لعلوّ درجتهم وارتفاع شأنهم .
ولنذكر بعض ما احتجّ به المنزّهون من الفريقين على سبيل الإجمال ، ولهم في ذلك مسالك :
الأول : ما أورده السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء ….
الثاني : أنّه لو صدر عن النبيّ ذنبٌ لزم اجتماع الضّدّين ، وهما وجوب متابعته ومخالفته ، أمّا الأوّل فللإجماع ، ولقوله تعالى:
{قل إن كنتم تحبّون الله فاتبْعوني يحببكم اللَّه} وإذا ثبت في حقّ نبيّنا (ص) ثبت في حقّ باقي الأنبياء عليهم السلام ، لعدم القائل بالفرق ، وأمّا الثاني فلأنّ متابعة المذنب حرامٌ.
الثالث : أنّه لو صدر عنه ذنبٌ ، لوجب منعه وزجره والإنكار عليه ، لعموم أدّلة الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر ، ولكنّه حرامٌ لاستلزام إيذائه المحرّم بالإجماع ، ولقوله تعالى: {إنّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدّنيا والآخرة}.
الرابع: أنّه لو أقدم على الفسق لزم أن يكون مردود الشهادة لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا} ، وللإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق ، فيلزم أن يكون أدون حالا من آحاد الأمّة ، مع أنّ شهادته تُقبل في الدّين القويم ، وهو شاهدٌ على الكلّ يوم القيامة، قال الله تعالى: {لتكونوا شهداءً على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}.
الخامس: أنّه يلزم أن يكونوا أقل درجة من عصاة الأمّة ، فإنّ درجاتهم في غاية الرّفعة والجلالة ، ونعمُ الله سبحانه بالاصطفاء على النّاس وجعلهم أمناءً على وحيه وخلفاء في عباده وبلاده وغير ذلك عليهم أتمُّ وأبلغ ، فارتكابهم المعاصي والإعراض عن أوامر ربّهم ونواهيه للذّة فانية ، أفحش وأشنع من عصيان هؤلاء ، ولا يلتزمه عاقل.
السادس: أنّه يلزم استحقاقه العذاب واللّعن ، واستيجابه التوبيخ واللّوم ، لعموم قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعّد حدوده يدخلْه ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مهين} وقوله تعالى:
{ألا لعنة الله على الظّالمين} وهو باطل بالضرورة والإجماع.
السابع: أنّهم كانوا يأمرون النّاس بطاعة الله ، فهم لو لم يطيعوا لدخلوا تحت قوله تعالى: {أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} واللازّم باطل بالإجماع ، ولكونه من أعظم المنفرات ، فإنّ كلّ واعظ لم يعمل بما يعظ النّاس به لا يرغب النّاس في الاستماع منه ، وحضور مجلسه ولا يعبأون بقوله.
الثامن: أنّه تعالى حكى عن إبليس قوله: {فبعزّتك لاغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين} فلو عصى نبيّ لكان ممّن أغواه الشيطان ولم يكن من المخلصين، مع أنّ الأنبياء من المخلصين للإجماع ، ولأنّه تعالى قال: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدّار ، وإنّهم عندنا لمن المصطفىن الأخيار} وإذا ثبت وجوب العصمة في البعض ثبت في الكلّ لعدم القائل بالفرق.
التّاسع: أنّه يلزم أن يكون من حزب الشيطان ، وقال الله تعالى:
{ألا إنّ حزب الشيّطان هم الخاسرون} ولا يقول به إلاّ الخاسرون.
العاشر: أنّ الرسول أفضل من الملَك لقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} وأفضليّة البعض يدل على أفضليّة الكلّ للإجماع المركب ، ولو صدرت المعصية عنه لامتنع كونه أفضل لقوله تعالى: {أم نجعل المتقين كالفجار}.
الحادي عشر: النبيّ لو كان غاصباً لكان من الظّالمين، وقد قال الله تعالى: {لا ينال عهدي الظّالمين} .
قال الرّازيّ في تفسيره: المراد بهذا العهد إمّا : عهد النبوّة ، أو عهد الإمامة .. فإن كان المراد عهد النبوّة ثبت المطلوب ، وإن كان المراد عهد الإمامة فكذلك ، لأن كلّ نبيّ لا بدّ أن يكون إماماً يُؤتم به ويُقتدى به ، فالآية على جميع التقديرات تدلّ على أنّ النبيّ لا يكون مذنباً.
الثاني عشر: أنّه تعالى قال: {ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فريقاً من المؤمنين} والأنبياء من ذلك الفريق بالاتّفاق.. وقد ذكروا وجوهاً أخر .
وفيما ذكرناه كفايٌة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيٌد.. وأما الجواب عن حجج المخطّئة ، فسنذكر في كلّ باب ما يناسبه إن شاء الله تعالى.ص 96

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى