الجزء العاشر كتاب الاحتجاج والمناظرة

باب نادر في احتجاج أهل زمانه على المخالفين

قال الشعبي : كنت بواسط وكان يوم أضحى فحضرت صلاة العيد مع الحجّاج فخطب خطبةً بليغةً ، فلما انصرف جاءني رسوله فأتيته فوجدته جالسا مستوفزا ( أي غير مطمئن في قعوده ) قال :
يا شعبي !.. هذا يوم أضحى وقد أردت أن أُضحّي فيه برجل من أهل العراق ، وأحببت أن تستمع قوله ، فتعلم أني قد أصبت الرأي فيما أفعل به ، فقلت :
أيها الأمير !.. أَوَ ترى أن تستنّ بسنّة رسول الله (ص) ، وتضحّي بما أمر أن يُضحى به ، وتفعل مثلَ فعله ، وتدع ما أردت أن تفعله به في هذا اليوم العظيم إلى غيره ؟.. فقال : يا شعبي !.. إنك إذا سمعتَ ما يقول صوّبت رأيي فيه لكذبه على الله وعلى رسوله وإدخال الشبهة في الإسلام .. قلت : أَفيرى الأمير أن يعفيني من ذلك ؟.. قال : لا بدّ منه .
ثم أمر بنطع فبسط ، وبالسيّاف فأُحضر ، وقال : احضروا الشيخ ، فأتوا به فإذا هو يحيى بن يعمر ، فاغتممت غمّا شديدا ، وقلت في نفسي : وأي شيء يقوله يحيى مما يوجب قتله ، فقال له الحجاج : أنت تزعم أنك زعيم العراق ؟.. قال يحيى : أنا فقيهٌ من فقهاء العراق ، قال : فمن أيٍّ فقهك ؟.. زعمت أنّ الحسن والحسين من ذرية رسول الله !.. قال : ما أنا زاعمٌ ذلك ، بل قائله بحقّ ، قال : وبأي حقّ قلته ؟..
قال : بكتاب الله عزّ وجلّ ، فنظر إليّ الحجّاج وقال : اسمع ما يقول ، فإن هذا مما لم أكن سمعته عنه ، أتعرف أنت في كتاب الله عزّ وجلّ أنّ الحسن والحسين من ذرية محمد رسول الله (ص) ؟.. فجعلت أفكر في ذلك ، فلم أجد في القرآن شيئا يدل على ذلك ، وفكّر الحجّاج مليا ثم قال ليحيى :
لعلك تريد قول الله تعالى : { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } ، وأن رسول الله (ص) خرج للمباهلة ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ؟..
قال الشعبي : فكأنما أهدي إلى قلبي سرورا وقلت في نفسي : قد خلص يحيى وكان الحجّاج حافظا للقرآن ، فقال له يحيى : والله إنها لحجةٌ في ذلك بليغة ، ولكن ليس منها أحتجّ لما قلت ، فاصفّر وجه الحجّاج وأطرق مليا ، ثم رفع رأسه إلى يحيى وقال له : إن أنت جئت من كتاب الله بغيرها في ذلك فلك عشرة ألف درهم ، وإن لم تأت بها فأنا في حلّ من دمك ، قال : نعم .
قال الشعبي : فغمّني قوله ، وقلت : أما كان في الذي نزع به الحجاج ما يحتجّ به يحيى ويرضيه ، بأنه قد عرفه وسبقه إليه ويتخلّص منه حتى ردّ عليه وأفحمه ؟.. فإن جاءه بعد هذا بشيء لم آمن أن يدخل عليه فيه من القول ما يبطل به حجته ، لئلا يقال أنه قد علم ما قد جهله هو ، فقال يحيى للحجاج : قول الله تعالى : { ومن ذريته داود وسليمان } مَن عنى بذلك ؟..
قال الحجّاج : إبراهيم (ع) ، قال : فداود وسليمان من ذريته ؟.. قال : نعم ، قال يحيى : ومن نصّ الله عليه بعد هذا أنه من ذريته ؟.. فقرأ الحجاج : { وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين } ، قال يحيى : ومن ؟.. قال : { وزكريا ويحيى وعيسى } ، قال يحيى :
ومن أين كان عيسى من ذرية إبراهيم (ع) ولا أب له ؟.. قال :
من أمه مريم (ع) ، قال يحيى : فمَن أقرب : مريم من إبراهيم (ع) ، أم فاطمة من محمد (ص) ؟.. وعيسى من إبراهيم ، والحسن والحسين (ع) من رسول الله (ص) ؟.. قال الشعبي : فكأنما ألقمه حجرا ، فقال :
أطلقوه قبّحه الله ، وادفعوا إليه عشرة ألف درهم لا بارك الله له فيها . . ثم أقبل عليّ فقال : قد كان رأيك صوابا ولكنا أبيناه ، ودعا بجزور فنحره وقام فدعا بالطعام فأكل وأكلنا معه ، وما تكلّم بكلمة حتى انصرفنا ، ولم يزل مما احتجّ به يحيى بن يعمر واجماً . ص149
المصدر:كنز الكراجكى ص167

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى