الجزء العاشر كتاب الاحتجاج والمناظرة

باب ما تفضّل صلوات الله عليه به على الناس بقوله : سلوني قبل أن تفقدوني ، وفيه بعض جوامع العلوم ونوادرها

لما جلس علي (ع) في الخلافة وبايعه الناس ، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول الله (ص) ، لابساً بردة رسول الله ، متنعّلاً نعل رسول الله ، متقلّداً سيف رسول الله ، فصعد المنبر فجلس عليه متمكناً ، ثم شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال :
يا معاشر الناس !.. سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سَفَط العلم ، هذا لعاب رسول الله (ص) ، هذا ما زقّني رسول الله (ص) زقّاً زقّاً ، سلوني فإنّ عندي علم الأولين والآخرين ، أما والله لو ثُنّيت لي وسادة فجلست عليها ، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول : صدق عليٌّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الإنجيل فيقول : صدق عليٌّ ما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول :
صدق علي ّما كذب ، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ ، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا ، فهل فيكم أحدٌ يعلم ما نزل فيه ؟.. ولولا آية في كتاب الله عزّ وجلّ ، لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائنٌ إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} .
ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أية آية في ليل أُنزلت أوفي نهار أُنزلت ، مكيّها ومدنيها ، سفريها وحضريها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم ، فقام إليه رجلٌ يُقال له ذعلب – وكان ذرب اللسان ، بليغا في الخطب ، شجاع القلب – فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاةً صعبة ، لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إياه ، فقال : يا أمير المؤمنين !.. هل رأيت ربك ؟.. فقال : ويلك يا ذعلب !..لم أكن بالذي أعبد رباً لم أره ، قال : فكيف رأيته ؟.. صفه لنا .. قال (ع) :
ويلك !.. لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، ويلك يا ذغلب !.. إنّ ربي لا يُوصف بالبعد ولا بالحركة ولا بالسكون ، ولا بقيام قيام انتصاب ، ولا بجيئة ولا بذهاب ، لطيفُ اللطافة لا يُوصف باللطف ، عظيمُ العظمة لا يوصف بالعظم ، كبيرُ الكبرياء لا يُوصف بالكبر ، جليلُ الجلالة لا يُوصف بالغلظ ، رؤوفُ الرحمة لا يُوصف بالرقّة ، مؤمنٌ لا بعبادة ، مُدركٌ لا بمجسّة ، قائلٌ لا بلفظ ، هو في الأشياء على غير ممازجة ، خارجٌ منها على غير مباينة ، فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه ، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام ، داخلٌ في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، وخارجٌ منها لا كشيء من شيء خارج ، فخرّ ذعلب مغشياً عليه فقال : تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عدتُ إلى مثلها ….
ثم قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فقام إليه رجلٌ من أقصى المسجد متوكّياً على عكازة ، فلم يزل يتخطّى الناس حتى دنا منه فقال : يا أمير المؤمنين !.. دلّني على عمل إذا أنا عملته نجّاني الله من النار . فقال له : اسمع يا هذا !.. ثم افهم ثم استيقن ، قامت الدنيا بثلاثة : بعالم ناطق مستعمل لعلمه ، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عزّ وجلّ ، و بفقير صابر ، فإذا كتم العالم علمه ، وبخل الغني ، ولم يصبر الفقير ، فعندها الويل والثبور ، وعندها يعرف العارفون بالله ، إنّ الدار قد رجعت إلى بدئها ، أي إلى الكفر بعد الإيمان.
أيها السائل !.. فلا تغترّن بكثرة المساجد ، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى ، أيها الناس !.. إنما الناس ثلاثة : زاهدٌ ، وراغبٌ ، وصابرٌ ، فأما الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شيء منها فاته ، وأما الصابر فيتمناها بقلبه ، فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه ، لماَ يعلم من سوء عاقبتها ، وأما الراغب فلا يبالي من حلٍّ أصابها أم من حرام ..
قال : يا أمير المؤمنين !.. فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟.. قال : ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ فيتولاّه ، وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه وإن كان حبيبا قريبا ، قال : صدقت والله يا أمير المؤمنين !.. ثم غاب الرجل فلم نره ، فطلبه الناس فلم يجدوه ، فتبّسم علي (ع) على المنبر ثم قال : ما لكم ؟..هذا أخي الخضر (ع) …. الخبر.ص120
المصدر:التوحيد 319 ، أمالي الصدوق 205

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى