موارد الفتن ومواجهتها

موارد الفتن ومواجهتها (2)

فتنة الفرد مقدمة الفتنة في المجتمع :
لأول وهلة قد يعتقد البعض أن الحديث يدور حول الفتن الاجتماعية والسياسية، والاختلافات بين الناس، وكيف أن الناس في زمان الغيبة تحزبت أحزاباً مختلفة: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.. وحقيقة الأمر أن هذه نقطة -بلا شك- مشوشة، حيث قد حصل ما تنبأ به المصطفى (ص) حيث قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها.. قالوا: أومن قلة يا رسول الله؟.. قال (ص): بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).. إن هذه صورة من صور الفتنة، ولكن المحصلة الاجتماعية متوقفة على المحصلة الفردية.. فإن البناء المحكم هو ذلك البناء الذي يتألف من لبنات محكمة.. صحيح أن البناء يتألف من آلاف اللبنات، ولكن كل لبنة باستحكامها تضمن استقرار واستحكام أصل البناء.

فإذن، الحديث سيكون حول استحكام الفرد؛ لأنه إذا نفينا وأبعدنا الفرد عن الفتنة؛ فإنه بذلك نكون قد أبعدنا الأمة عن الفتنة.. وهل الأمة إلا مجموع الأفراد؟.. وهل شيطان الأمة إلا شيطان الأفراد؟.. نحن لا نعلم شيطاناً يتعامل مع الكل بالمعنى الكلي، فهو يتعامل مع كل فرد فرد، وعندما يتحول الناس إلى جنود وإلى أتباع للشيطان، فإن الشيطان يكسب بغيته.

ومن المعلوم أن فتنة الفرد في مقام العمل، تأتي من باب الفتنة الباطنية.. لكل واحد منا عالم باطني، وهذا العالم الباطني بمثابة الخارطة.. هنالك خارطة ورقية يتعب عليها المهندسون سنوات، وصاحب البناء يدفع أموال طائلة على هذه الأوراق؛ لأن ما في الورقة هو نفسه يتحول إلى بنيان خارجي.. فإن أردت أن تصلح البناء، فعليك بإصلاح الخارطة هذه.. لكل واحد منا خارطته، ولكل واحد منا فهمه للحياة، ومَن في هذه الحياة الدنيا من أفراد، وهذا الفهم يحدد مسيرته يميناً وشمالاً.. عندما نجلس لحل بعض النزاعات العائلية، نلاحظ أن المشكلة ليست في الزوجة، وقد تكون من أفضل النساء، ولكن المشكلة هي الصورة الذهنية المنعكسة في ذهن الزوج، تراه يصور الزوجة بصورة قبيحة مشوهة، غير مطابقة للواقع.. وكذلك العكس، المشكلة ليست في الزوج، وإنما في صورته في ذهن الزوجة.. هذه الصورة مرتبطة بالخارج، ولكن لا ارتباطاً بنحو المطابقة مائة بالمائة.. وحتى في عالم التقليد: نحن عندما نقلد أحداً، فإننا نقلد من صورناه في أذهاننا على أنه أهل للتقليد.. وعندما نصلي خلف أحد من العلماء، فإننا نصلي خلف من أقنعنا أنفسنا بعدالته؛ ولهذا لو انكشف أنه خلاف ذلك فإننا نمتنع من الصلاة خلفه.

إن علينا أن نهذب هذا البنيان الباطني، ونزيل عنه الشوائب.. ولهذا القرآن الكريم عندما يصف خلقة بني آدم، يجعل خلقة بني آدم في كفة، وهذه الوساوس الباطنية -هذا المحرك الداخلي- في كفة، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، أي أن خلقة الإنسان كوجود مادي في جهة، وهذه الوساوس الداخلية في جهة أخرى.. فإذا سيطرنا على هذا الباطن المشوش أو المستقر، فقد قضينا على هذه الوساوس التي هي مصدر الفتن.. صفة النفس الأمارة بالسوء، وصفة النفس المطمئنة، وصفة النفس اللوامة؛ كل هذه صفات هذا الباطن.. فكيف نبني هذا الباطن؟..

مناشئ الاضطراب والتشويش والتخريب الباطني :
أولاً : الاختراعات والتخيلات الذهنية :

إن الإنسان عالم غريب!.. لعله لا يمكنه إيقاف عملية التفكير لدقيقة واحدة!.. بالإمكان لثواني أن يعيش حالة اللافكر، اللاخيال، ولكن سرعان ما ينفرط الحبل، وإذا به يذهب يميناً وشمالاً.. هذه الحالة من حالات التشتت الباطني، الذي يبتلى بها الإنسان.. إذن، هنالك اضطراب وغليان وتشتت في الباطن.. وعلماؤنا يشبهون هذه الحالة في الباطن بالحالة العصفورية: فمن الملاحظ أن بعض الطيور كالنسر والعقاب، قد يطول مكوثه في العش، فقد يقف في العش ساعات طويلة، أما العصافير فطبيعتها أنها تنتقل من غصن إلى غصن، ولا تستقر في مكان واحد، وهذه حالة من حالات الإنسان، وهي حالة وجدانية، والكل يرى هذه الحالة في نفسه.

موجبات هذه الحركة الباطنية الوهمية والخيالية :
أولاً: الفراغ وعدم الجدية: إن الذي يُشغل الإنسان في هذا العالم من الأوهام وغيره، هو: حالة عدم الجدية والفراغ، فالإنسان الجاد الذي يشغله هم ما، أبعد ما يكون عن عالم الخيالات والأوهام.. ومن هنا نلاحظ هذا التشديد من الشريعة في النهي عن الفراغ والبطالة، وقد ورد في الحديث عن النبي (ص): (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المكفي الفارغ).. فالإنسان المبتلى، والفقير، والإنسان المحاط بسلسلة من الأزمات، هذا الإنسان قريب إلى الرحمة والمغفرة.. بينما المكفي الفارغ، الإنسان الذي حياته مُؤمنَة، وباله ليس مشغولاً بعمل ما، فإن هذا في مظان وسوسة الشياطين.. وفي مجتمعاتنا -هذه الأيام- هذا، له مصاديق كثيرة.. مثل: الذي يعيش سنوات التقاعد، وكل شيء في حياته مُؤمَن، حيث قد اكتمل بناؤه، وتوسعت أسرته، وراتبه مؤمن، فهو إنسان مكفي في كل شيء، ولكنه في نفس الوقت إنسان فارغ، إنسان عاطل، إنسان نشاطه في الحياة لا يتناسب مع الأبدية والخلود.. ومن المناسب للإنسان عندما يرى نفسه ساهياً لاهياً، أو مشتغلاً بأمر ما -برنامج تلفازي غير جاد-؛ أن يحاسب نفسه في أنه هل أن هذه هيئة إنسان سيعيش الأبدية والخلود؟!.. هذا الإنسان في مقام العمل، كأنه لم يصدق بعالم البرزخ والقيامة.. وإلا إنسان يرى أن لحظات الوجود ستتحول إلى الأبدية، هكذا يسترسل في الكلام، ويتكلم بكل ما هب ودب!.. المؤمن إنسان حريص جداً ومستثمر لكل لحظات عمره، فحياته مبرمجة في مرضاة الله عزوجل، وبعيد عن هذه الأمور، ويجنب نفسه فضول القول، والخوض في الباطل وما لا يحسن، فضلاً عما يحرم.

ثانياً: التبعثر الباطني: من السهل جداً إطلاق هذا الشعار: “أن يصل الإنسان بعد فترة من المجاهدة والسير في طاعة الله عزوجل، إلى مرحلة معايشة الوجود الإلهي، أو المجالسة مع رب العالمين: (أنا جليس من ذكرني)، (يا خير من خلا به وحيد)!..” ولكن كم من الصعب العمل به؟!.. إن بعض الناس عندما يجلس وحيداً فريداً في المنزل أو في السفر أو غيره، تنتابه الوحشة.. وهذه الوحشة، تدل على عدم النضج والكمال.. ولو يأتي فرد، أو فردان -ولعله أقل منه سناً.. ولعله طفل-؛ تذهب منه الوحشة.. ولكن بنظرة إلهية فاحصة، يعلم الإنسان أن رب العالمين معه، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، (أنا جليس من ذكرني).. أين أثر هذه المجالسة؟.. أين الاعتقاد بهذه المجالسة؟.. فإذن، إن الإنسان الذي يعيش محضرية الله عزوجل، هذا الإنسان ينقلب وجوده رأساً على عقب.

وعليه، فإن العلاج يكون بنفي المسبب، وهو أن يعيش الإنسان حالة الجدية في الحياة.. كالاشتغال بأمر علمي مثلاً.. وهنالك حركة مباركة هذه الأيام في مختلف البلاد ما يسمى بالثقافة الحوزوية، ومن المعلوم أن التخصص الحوزوي لأهله في عواصم الثقافة الحوزوية، ولكن الإنسان عندما يشغل نفسه بعلم القرآن، أو بعلم الحديث، أو بالنحو الذي هو مقدمة لفهم كتاب الله عزوجل؛ فهذا أمر جيد.. إن الإنسان المشغول علمياً، صحيح قد لا يعيش المحضرية الإلهية، فهو عندما يقرأ النحو والأصول والفقه والفلسفة وغيره؛ هذا لا يلازم أن يعيش في محضر الله بالضرورة، ولكن إجمالاً يجعل الإنسان يعيش حالة الجدية في الحياة.
ومن هنا نقول: إذا أردنا أن نختار مجموعة من الأولياء والصالحين والسالكين والواصلين، فهم من هذه الطبقة؛ لأن هذه الطبقة جادة في الحياة، أذهانها جادة، وعقولهم وأفكارهم مصبوبة على فهم كتاب الله عزوجل كحركة مادية.. وفهم كتاب الله عزوجل قد تكون حركة علمية، ولهذا نرى بعض المفسرين حتى من غير المسلمين، ولكن هم من هذا الصنف الجاد في الحياة.. ونرى أن الذين برعوا في فهم أسرار الوجود، أيضاً هم من هذا الصنف.. فمن هذا الصنف يمكن أن نختار الذين يرشحون للعيش في ذلك الجانب الآخر.. ولهذا الذين برعوا في هذا المجال، هم من رجال العلم، وهم من آيات الله، وهم من الذين عاشوا في الحوزات العلمية؛ لأن طبيعة معيشة هؤلاء طبيعة جادة.. فإذا كنت أنت أيضاً جاداً، وأنت في مجالك، وأنت في وطنك، وأنت في بلدك؛ فهذه حركة ونقلة إيجابية للوصول إلى ذلك العالم.

ثانياً : الشياطين الموسوسة:
مع الأسف نحن عندما نقول: الشيطان، عادة هذه الكلمة لا تخيفنا كثيراً، بخلاف ما لو قلنا: الجن أو الشبح أو الغيلان أو ما شابه ذلك!.. وكأن الشيطان في مقام العمل لا وجود له، ولا عداوة له!.. بينما القرآن الكريم يأمرنا أن نتخذه عدواً: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. هناك طبيعة للشيطان ركز عليها القرآن الكريم، وهي: الوسوسة والتزيين.. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ..}.

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ}: نلاحظ الدقة القرآنية، حيث التفريق بين فعل الفاحشة وظلم النفس.. في منطق بعض الكبار من القوم أن ارتكاب المكروه؛ ظلم للنفس أيضاً.. والتشاغل، والكلام في ما لا يعني؛ ظلم للنفس.. لأنك وضعت نفسك في موضع لا ينبغي أن تضعه، كمن يصلي في الحمام -مثلاً-؛ فهذه الصلاة مكروهة؛ لأنه وضع نفسه في موضع لا يليق بالحضرة الربوبية، وإن كانت الصلاة صحيحة.. فإذن، إن ظلم النفس معنى كبير، لأنه يشمل كل ما لا يليق بأدب الكون والمثول بين يدي الله عزوجل.
{ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ..}: فرق بين الاستغفار من الذنب كحالة من حالات التخلص من وخز الضمير، كما يفعل بعض الناس فيستغفر لا تقرباً إلى الله عزوجل، وإنما ليتخلص من الوخز الباطني، ولحالة الملامة الباطنية، وكأنه يريد أن يريح نفسه، لا من باب ذكر الله عزوجل.. مثلاً: إنسان اغتاب، أو كذب، أو نظر نظرة محرمة، أو تجاوز، أو اعتدى…؛ فيعيش حالة الحقارة الباطنية؛ وكي يسكت هذه النفس اللوامة، يقول: أنا استغفر الله ربي وأتوب إليه.. فيستغفر، لا بداعي القرب والندامة الكذائية.. ولهذا فإنه بعد فترة ينسى ذلك الذنب، ويعود إليه مرة أخرى.. بينما نلاحظ أن القرآن الكريم يجعل الاستغفار في سياق الحركة الإستراتيجية الكبرى، في سياق ذكر الله عزوجل، في سياق العودة إلى الله عزوجل: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ}، فالتوبة التي هي بعد توبة الله عزوجل، لها قيمة.. رب العالمين رجع إليك، عاد إليك، ارتضاك عبداً، ثم ذكًّرك بالتوبة.

قال الصادق (ع) : (لما نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ..}، صعد إبليس جبلاً بمكة يقال له ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيدنا!.. لِمَ دعوتنا؟.. قال: نزلت هذه الآية، فمَن لها؟.. فقام عفريتٌ من الشياطين، فقال: أنا لها بكذا وكذا.. قال: لستَ لها، فقام آخرٌ فقال مثل ذلك، فقال: لستَ لها، فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها، قال: بماذا؟.. قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة).

وهذا ما يعبر عنه في عرف القرآن الكريم: {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ}.. ولهذا بعض أصحاب الكبائر يعترف أنه ما ترك معصية إلا وارتكبها، وفي كل مرة بعد الفراغ من الحرام مباشرة يعيش حالة الندامة والقهر والاحتقار بشكل غريب، غير الذي رآه قبل المعصية.. فإن الشيطان لما دعاه للمعصية، سوّل له عالماً رومانسياً جميلاً، وكأن الإنسان سوف يحلق في عالم الأحلام، ولكن عندما يرتكب الفاحشة يرى أنه ليس هنالك ما كان يتصوره.. فهذه طبيعة المعاصي، ولكن الشيطان يزين للإنسان، وهذا التزيين ليس في الحرام فقط بل في الحلال أيضاً.. كما ترى بعض الناس يغيب عن المسجد لفترة لا يكاد يبين، وعندما يسأل عن السبب، يقول -مثلاً-: أنه مشغول بالبناء.. فهذا يقوم ويقعد وكل همه هذا البناء، فيراه في المنام، وفي الصلاة، وفي كل حياته همه الماء والطين.. وبعد أن ينتهي البناء ويفتتح البناء، يجلس خارج البناء لساعات وهو ينظر إلى المظهر الخارجي مستمتعاً، ولكن تراه بعد أيام كئيباً مصاباً بالإحباط، لأنه ما رأى ما كان يتصوره.. هو كان يتوقع أن الانتقال من شقة ضيقة إلى دار فخمة واسعة، هو الانتقال إلى عالم المنى والأحلام وما شابه ذلك، ولكنه لم ير شيئاً!.. رأى أن الغرف اتسعت، والبناء تطاول، والزينة كثرت…؛ ولكن ليس هذا هو الذي يمنحنا السعادة أبداً!.. وهذا الأمر مجرب، وكما يقول المثل: (من جرب المجرب، حلت به الندامة).

فإذن، إن المشكلة هي في هذا الشيطان (الوسواس الخناس).. الخناس معناه في اللغة: أي الذي يذهب ويأتي.. فطبيعة إبليس أنه إذا ذكر الله خنس، وإلا إذا لم تذكر الله عزوجل فهو كالأخطبوط ملتصق بك، لا يحتاج إلى دليل، وإلى إذن مسبق.. والالتصاق هو الحالة الطبيعية للشيطان بك.. يا له من شيء مرعب!.. أن يعرف الإنسان أن التصاق الشيطان بروحه هذه هي القاعدة الطبيعية.. أن ينقلع وأن يذهب وأن يتركك وشأنك، هذا يحتاج إلى ذكر، وليس كل ذكر؛ فليس الذكر الذي يخيف إبليس أن يقول: (استغفر الله ربي وأتوب إليه)، أو حتى: (أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين)!.. عن الإمام الصادق (ع): (ما من مؤمن إلا لقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخناس، وأذن ينفث فيها الملك؛ فيؤيد الله المؤمن بالملك، وذلك قوله: {وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}).. الوحي الجبرائيلي هذا خاص بالأنبياء، ولكن هنالك الوحي التسديدي.. نعم، المؤمن يمكن أن يُلهم ويُسدَد بالملائكة المُسددِة في هذا المجال.

وتبلغ هذه الوسوسة الإبليسية، إلى درجة أنه يدعو الإنسان إلى أنه يرى شيئاً في الأفق!.. ورد في استفتاء لأحد الفقهاء العرفاء، أنه يسأل عن المكاشفات -المكاشفة أن يرى الإنسان شيئاً في عالم اليقظة وهذا شيء له مصاديق في الخارج- التي قد يراها البعض هل أنها رحمانية؟.. فكان الجواب: أنه ليس كلها رحمانية، فقد تكون شيطانية.. هذه تخيلات باطنية شيطانية.. حتى لو كان أمامك شخصية نورانية معينة، حتى هذه التجسمات التي قد تتراءى لك، قد تكون من باب الإلقاء الشيطاني، من باب الجر إلى العُجب أو ما شابه ذلك.

ثالثاً : التأثير الاجتماعي والبيئة الخارجية :

إن المؤمن حريص جداً على عمره وعلى وقته.. فالذي يجالس كل أحد ويسمع إلى كل أحد، وخاصة في المجتمعات النسائية -حيث هناك حالة من حالات التواصل الشديد، باعتبار أن الرجال مشغولون بعالمهم وبوظائفهم وبتجارتهم، فقد لا تكون لهم الفرصة الكافية للجلوس مع الغير؛ بعكس المجتمع النسائي حيث الفراغ وما شابه ذلك-؛ ولهذا نرى أن هذا العالم: الخيال والوهم والتشتت…؛ للذين يكثرون من الاتصال بالغير بلا حساب ولا كتاب.

وهنا دعوة لأن نكون من البخلاء!.. البخل في المال أمر مذموم لا كلام فيه، ولكن من قال بأن البخل بالعمر وبالوقت أمر مذموم أيضاً؟.. أنت عندما تزور أحدهم؛ فإنك تعطيه قطعة من عمرك، من حياتك، من رأس مالك؛ أعطه بالمقدار اللازم.. فالجلوس المسترسل غير الهادف، والاستماع لكل ما هب ودب؛ هذا أيضاً من موجبات التشتت الباطني.

ومن اللازم للإنسان المؤمن بعد أن أتقن السيطرة على الجوارح، أن يتقن السيطرة على فضول النظر والقول والسمع.. يقول علي (ع) في وصف للمتقين: (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم).. كلمة (الوقف) تُشعر بالخصوصية والاختصاص.. هؤلاء كأن آذانهم بمثابة أبواب المساجد، فكما أن المسجد لا يدخل فيه كل أحد، فالإنسان غير الطاهر الذي لا يحق له أن يصلي، ليس له الحق إلا اجتيازاً، وليس له الحق أن يمكث في المساجد.. كذلك هؤلاء، (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم).. ويا له من تعبير جميل!.. ويا حبذا لو عملنا بهذه القاعدة!..

ومع الأسف ما يحدث هذه الأيام حيث كثرة الجلوس الغريب أمام التلفاز!.. ومن المعلوم يوم القيامة أن الإنسان يأتي وهو يئن من الساعات التي أمضاها، ورأى ما لا يحسن ولا يجمل.. فليس الاجتناب فقط عما هو حرام، بل من الاستماع إلى ما لا يحسن ويحل الاستماع إليه.. هذه القنوات، والمواقع، والكتب، والصحافة، والمجلات…؛ كل هذه روافد للمعرفة، ولكن ليس كل علم صالح، هو صالح لك.. إنسان يستمع إلى برنامج فيه نفع، ولكن هذا النفع ليس لك أنت.. ما لك وبرنامج الطبخ؟!.. هذا البرنامج نافع للنساء، أنت لا يهمك ذلك الأمر.. برنامج آخر قد يهم الرجال، ما شأن النساء في ذلك؟!.. المؤمن عندما يستقي علمه من روافد المعرفة، يكون حريصاً جداً على مسألة انتقاء ما هو الجيد.. وقد شبهنا في هذا المجال بمثابة النحلة: النحلة لا تنظر إلى الوردة فقط، وإنما تنظر إلى الوردة، لتأخذ منها الرحيق، ليكون مقدمة لصنع العسل.. يا لها من هادفية!.. نحن نأخذ الوردة ونشمها ثم نرميها جانباً.. أما النحلة فلا شغل لها بكل الوردة، لا بالساق، ولا بالأوراق…؛ وإنما بالرحيق.. ولا تأخذ كل الرحيق، وإنما تأخذ من الرحيق ما يلزمها بمقدار سعة فمها، ثم بعد ذلك هذا الرحيق يُحوّل إلى سائل فيه شفاء للناس، ويُشترى بأغلى الأثمان.. هذه هادفية النحلة!.. لنكن نحن أيضاً كذلك في مقام التعامل مع العلوم.. وحتى لطلاب الثقافة الحوزوية لا يحسن في حقه أن يتعلم بعض العلوم المعمقة التي تدخل في عالم الاستنباط، وهو ليس في مقام الاستنباط، والدخول في هذا العالم.. لماذا تضيع الوقت في بعض الجزئيات في عالم الأصول والنحو والبلاغة والصرف وغير ذلك؟..

رابعاً : تعلم قواعد التعامل مع الغير عند الاختلاف :
إن علينا أن نتعلم قواعد التعامل مع الغير عند الاختلاف؛ لأن من مناشئ الفتن أن نعيش مع بيئة، أو مع كتلة، أو مع فئة تختلف معنا في الرأي.. وإن من مهارات المؤمن التكيف مع الطرف الذي لا يوافقه في الرأي.

القاعدة الأولى : تجنب مساوئ الظنون والحمل على الأحسن :
إن من صفات الإنسان المؤمن حسن الظن بأخيه المؤمن، عملاً بهذه القاعدة: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير).. لو أن الإنسان راعى هذه القاعدة في حياته الزوجية والاجتماعية والبيئية، وفي الاتصال بأرحامه، وبأبويه؛ فمن الممكن أن يمتص كثيرا من هذه المشاكل.. لأن الإنسان يأخذ معلومة ناقصة، ويركب عليها من تلقاء نفسه ومن إفرازاته الباطنية لسوء ظنه، ولعداوته، وبفعل الإيحاءات الشيطانية، ويؤلف قصة طويلة عريضة.. وتكون هذه القصة مقدمة للوقوع في بعض المواقف السلبية.

ومن المعلوم أن المؤمن وجوده الباطني كالكر، يدخل فيه الشيء النجس فيتطهر.. والمؤمن في شُغل عن أن يشغل باله في كل شيء.. ما لك وشغل البال!.. المؤمن هو كما في وصف علي (ع) للمتقين: قد (تخلى من الهموم، إلا هماً واحداً انفرد به).. الذي يعيش هماً واحداً، وهو كسب رضا الله عزوجل حتى مع الغير؛ فإنه لا يبالي بما سوى الله عزوجل.. البعض قد يفهم من هذه العبارة أنه محورها النفس، ولا يبالي بالمجتمع ولا بالوظائف الاجتماعية؛ وهذا الكلام خاطئ، (قد تخلى من الهموم إلا هماً واحداً)، أي أن همه كيف يرضي الله عزوجل في تعامله مع نفسه، وفي تعامله مع أسرته، وفي تعامله مع المجتمع الكبير؛ هذا هو الهم الذي يشغله صباحاً ومساءً.

والقاعدة الثانية : احترام قناعات الآخرين :
ينبغي للإنسان المؤمن أن يحاول أن يُعذر ذوي القناعات وذوي اليقين.. فإن الإنسان إذا وصل إلى قناعة ومشى على وفق قناعته، ليس لك الحق أن تناقشه في السلوك الخارجي المنبعث من هذه القناعة.. فإذا أردت أن تغير الموقف الخارجي، لابد أن تغير من تلك القناعة التي أوجدت له هذا الموقف..

مثلاً: إنسان يحمل عداءً تجاه أحد، أو تجاه فئة، أو تجاه جماعة -فمن المعلوم أنه قد يكون متعلق العداء فرد، وقد يكون فئة، وقد يكون جمهور من الناس-، فهذا الإنسان الذي يعادي أحداً، ويأخذ مواقف سلبية قد تصل إلى حدود خطيرة جداً.. هذه المواقف ناتجة من قناعات معينة، وإذا أنت لم تغير هذه القناعات، ليس بإمكانك أن تردعه عن السلوك الخارجي؛ لأنه هو إنسان معتقد ومتيقن بهذه القناعات، التي أصبحت في حقه كالأسس والمبادئ.. إذن، الطريق الأمثل لكف المنكر الخارجي: أن تتغلغل وأن تنفذ إلى القناعات التي أوجدت له هذا الموقف الخارجي؛ وعندئذٍ إذا زحزحته عن قناعته، أمكنك أن تغير عنده المواقف.. ولكن من الذي يمكن أن يغير هذه المواقف وهذه الرؤى والأفكار؟..

إن هذا الأمر يحتاج أن يكون الإنسان على مستوى التأثير في نفوس الآخرين.. ومن هنا فإن المؤمن يحتاج إلى بصيرة بمبادئ التأثير، وبصيرة بعلوم الدين، وبصيرة بالعقائد، وبصيرة بكل معلومة يمكن أن تكون هذه المعلومة سلاحاً في مواجهة الآخرين..

بالإضافة إلى البصيرة يحتاج أن يمتلك قوة التأثير النفساني.. فإن المؤمن لأنه يعيش العبادة، التي توجد له النورانية الباطنية، فإنه عندما يتكلم فإنه يؤثر في النفوس بلطف وتسديد إلهي.. وقد ورد في الحديث: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصقعاً، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم.. وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).

قد يكون إنسان عندما يتكلم لا يخطئ بكلمة، لا إعراباً ولا صرفاً ولا بلاغة؛ ولكنه كما في الحديث: (ولقلبه كالليل المظلم)، إنسان مظلم في باطنه، ليست له قوة التأثير أبداً، ولكن يتبجح بألفاظ، وقد يلقي خطبة رنانة، ولكن قلبه كالليل المظلم.. وفي المقابل -كما في النص الشريف- قد يكون إنسان لا يكاد يبين ما في قلبه، وقد يكون مبتلى بشيء من التأتأة، أو بشيء من عدم الفصاحة والبلاغة؛ ولكن قلبه يزهر كالمصباح: (ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح).. هؤلاء لا يحتاجون إلى كثير كلام أصلاً، فبكلمات قصيرة يقلبون المخاطب بل بالإشارات.. لنستن بسنة النبي المصطفى (ص) في هذا الموقف: نحن عندما لا يعجبنا شيء فإننا نلجأ إلى الصراخ وإلى الكلام، فإذا لم ينفع الصراخ والكلام والفحش في القول، نستعمل اليد -وما أكثر هذه الأيام التعدي والعدوان-؛ ولكن النبي (ص) عندما كان لا يعجبه شيء، (أشاح بوجهه)، كان يعرض بوجهه، وإذا بالطرف الآخر يحسب ألف حساب لهذا الإعراض النبوي، ولهذا فإن المؤمن الحليم إذا غضب لا يقوم لغضبه شيء، كما كان النبي الأكرم (ص).

ملخص الحديث :
فإذن، إن الفتنة في المجتمع مرتبطة بفتنة الفرد.. فالفرد الصالح هو الذي يربي الأمة الصالحة.. الفرد إذا أراد أن يخرج من الفتنة الخارجية في حياته كفرد، لابد أن يصلح الهيكلية الباطنية، ويقضي على منابع الفتنة في نفسه.. وقلنا أن منابع الفتنة في هذه النفس: تارة من الشياطين الموسوسة، وتارة من البيئة الاجتماعية المنحرفة بما فيها من وسائل إعلام وغيره، وثالثةً من مخترعات النفس وما يسمى بالتخيلات الباطنية وهذا التوزع الفكري.
إن المؤمن عندما يصل إلى مرحلة، لا يرى فيها مؤثراً في الوجود إلا الله؛ فإنه يلقى الله بقلب سليم.. وفسر القلب السليم بأنه: ذلك القلب الذي يلقى الله عزوجل وليس فيه شيء أو أحد سواه.. والمؤمن إذا وصل لهذه المرحلة، فقد وصل إلى أعلى درجات السلامة في الباطن.

س/ كيف يمكن مواجهة الأفكار المسمومة التي تبث عن طريق الإنترنت، وأيضاً من بعض القلوب الضعيفة؛ وذلك لتشويه سمعة علمائنا الأجلاء؟..

يبدو كلما تتقدم الأيام تزداد خدمة الإنترنت.. ولعل ضعف شبكة الإنترنت رحمة للبعض، حتى لا يتشاغل كثيراً.. ولكن هذا واقع قد وصلنا -هذا الغزو الثقافي وصلنا-، ويوم عن يوم تزداد شبكات الإنترنت سرعة ودقة وإغراءً، فليس الحل هو بالمقاطعة، وإنما الحل هو بضبط هذه الأمور.. ولا شك في أن الانترنت لبعض المراحل السنية، ضره أكثر من نفعه.. فالنفع الكامل لأصحاب التحقيق، ودكاترة الجامعات، والعلماء الأعلام، وأصحاب السيطرة على الأنفس.. فلو أنه إنسان متزوج يمكن أن نقول بأنه قضى على خمسين بالمئة من المفاسد، ولكن شاب في قمة المراهقة، هذا الشاب لفحة هواء تسقطه أرضاً، نفخة تسقطه، كيف نسلطه على هذا العالم؟!.. لك أن تتصور مدينة من المدن، وفي جانب المدينة مسجد وحسينية، وفي جانب آخر من جوانب المدينة مرقص ومجمع للبغاة والمنحرفين والمنحرفات.. أليس من المجازفة أن يبعث الإنسان ولده إلى هذه المنطقة؟!.. هذه المدينة صحيح فيها عناوين مختلفة، ولكن ما الضمانة أن الطرف المقابل يحسن الاستفادة، وخاصة مع الخلوة؟..

فلا شك أن من مصاديق الخلوة مع الأجنبية -هذه الأيام-، هي الخلوة مع الكمبيوتر.. الخلوة مع الكمبيوتر من مصاديق: (إلا كان الشيطان ثالثهما).. صحيح لا يوجد امرأة بالفعل، ولكن يوجد امرأة مخفية، وإن كان بنحو الصورة، فهذه الصورة مقدمة للواقع.. ومن المعلوم أن الصور المثيرة، والطعام المثير، والكلام المثير؛ يغير التركيبة الهرمونية في البدن.. فإذا الهرمون زاد وزادت الإثارة المادية، فإن هذا الشاب لابد أن يقع في الحرام، وحينئذ لأنه لا يرى التصريف الحلال، فيقع في التصريف المحرم.. ووصل الأمر إلى حد -مع الأسف- التجاوز وتهديد العلماء في تجويز الحرام؟!..

فإذن، الحل ليس هو بالمقاطعة وإنما بضبط الأمور: بمراقبة هذه الأجهزة، ووضعها في مكان عام؛ وتوجيه الأحداث بتجنب مشاهدة أو تصفح البرامج والصور المخلة بالآداب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى