الحياة السعيدة

الليلة العاشرة

محاضرات شهر صفر لعام 1429هـ | الكويت

كان الحديث حول السعادة في محور العائلة، وإن الدوائر متعددة، ومع تثبيت هذه الدائرة الإنسان بإمكانه الانتقال إلى دوائر أوسع.. الإنسان الفاشل في حياته الأسرية، عندما يعمل مع الغير والمجتمع أول تعليق يُقال عنه: أن فلان لو كان ناجحاً لأدب أسرته وعائلته.. ومن هنا نقول: أن هذه ركيزة أساسية للانطلاق نحو الآخرين، ورب العالمين قطعاً سيبارك في جهده للغير عندما يأخذ بيد عائلته.

من القواعد الأساسية في هذا المجال:
– جبر الاختلافات.. إن جبر الاختلافات في الجو الأسري، بهدف تحقيق الذرية الصالحة.. فالبعض ينظر إلى الزوجة بما هي زوجة، فإذا قصرت في واجباتها المنزلية، أو لم يتفاعل معها تفاعلاً نفسياً غريزياً، كأن بكل الآمال انهدمت وذهبت سدى.. قد لا يكون هذا التشبيه دقيق، ولكن عندما تنمو الشجرة وتعطي الثمار؛ عندئذ لا يضر تساقط بعض أوراقها، أو انكسار بعض غصونها؛ لأن الثمرة الأساسية تحققت.

لو أن الزوجين نجحا في تربية ذرية صالحة، وإعطاء عدد يعتد به من الذرية الصالحة للمجتمع.. فبعض الأشخاص وفقهم الله -عز وجل- في الإكثار من النسل، وهذه نعمة من النعم: (تناكحوا تناسلوا).. الشارع المقدس له رغبة في إكثار النسل، بالطبع بشرطها وشروطها.. من الثمار الأساسية للحياة الزوجية، وجود مثل هذا العقل للإنسان، فهنالك غريزة مودعة في الإنسان، وهي غريزة طيبة وإيجابية.. قد تُسمى غريزة أو فطرة، المهم هي في أعماق الإنسان، وهي أنه يحب الخلود؛ أي خلود الذكر والأثر.

لماذا أحدنا يكره المقابر، ويكره زيارة المرضى، وهم في حال الاحتضار مثلاً؟.. لأن كل ذلك يذكره بالنهاية، حتى البعض عندما يُفتح له كفن أو شيء من هذا القبيل، يحاول أن يتحاشى النظر إلى الكفن، وإلى المغتسل.. لأن كل شيء يذكره بالنهاية، يحاول أن يُنسي نفسه، ولأنه يحب أن يبقى بقاءً طويلاً.. وهذا الشيء غير ممكن، فلو أن رب العالمين كتب الخلود لأحد، لكتبه لحبيبه المصطفى (ص): {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، حتى عزرائيل وهو الذي يقبض الأرواح، يصل دوره في يوم من الأيام لأن تقبض روحه.. رب العالمين يقول: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.

فإذن، إن هذه النهاية محتومة، فالذي يجعل الإنسان في حكم الباقي، هو هذه القنوات الثلاث المعروفة: قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

أولاً: الصدقة الجارية.. أي شيء يبقى مع بقاء السنوات منها: بناء الأبنية المباركة؛ كالمساجد، والمآتم.
ثانياً: الذرية الصالحة.. بالطبع هذا الولد الصالح، يفترض أن يربي ولداً صالحاً آخر، وهو أيضاً يدعو إلى آبائه وأجداده.. هنالك بعض الناس يقول في الدعوات: اللهم!.. أغفر لي ولوالديّ ولوالد والديّ.. أي إلى كل من هو في سلسلة الآباء، إلى أن خلق الله -عز وجل- آدم (ع).. فالمؤمن يقول: اللهم!.. أغفر لكل من كان له دور في إنجابي.. على الشخص أن يطلب الرحمة من الله -عز وجل- إلى من يستحق الرحمة، ويغفر لمن عليه معصية.. من الممكن للإنسان أن يعمم، قل: اللهم!.. اغفر لي ولوالدي ولوالد والديّ إلى آدم أبي البشر.. هذا دعاء طيب.. يأتي يوم القيامة أجداد الإنسان، وهم يشكرونه على ذلك.. في صلاة الليل على المؤمن أن يجعلهم في الذين يستغفر لهم، ولو من آلاف السنين.
ثالثاً: العلم النافع.. البعض منا يقول: نحن آيسون من هذا، فنحن لسنا من أهل العلم!.. رب العالمين كريم، فمثلاً: عالم يألف كتاباً في سنوات، ويأتي إنسان صالح خيّر، ويطبع هذا الكتاب.. هذا الأمر من مصاديق علم يُنتفع به.. فقد روج للعلم إن لم يكن تأليفاً كان ترويجاً.

وعليه، فإن على المؤمن أن يضحي ببعض الأمور: إذا كان عنده اختلاف في المزاج مع زوجته، إذا رب العالمين ابتلاها بمرض في حياتها، هنالك بعض الأمراض تُذهب بجمال الصورة، وبجمال الوجه كحادث مثلاً، على المؤمن أن يُسلي نفسه بهذه السلوة: أنه يا رب ما دمت حرمتني بعض المزايا في زوجتي هذه، فعوضني خيراً بذرية صالحة من بعدي.. الاهتمام بالذرية شيء عجيب، فهذا إبراهيم الخليل (ع) رب العالمين جعله للناس إماما.. وبالطبع لم يجعله إمام جزافاً، فقد ابتلاه بالكلمات.. هذه السنة الإلهية!.. البعض يريد أن يصل للملكوت الأعلى من خلال حياة رغيدة ورفاهية وأكل وشرب واستمتاع!.. هذه ليست السنة الإلهية في الوجود، البلاء للأمثل فالأمثل، (المؤمن ككفتي ميزان؛ كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه).. الذي لا يريد الابتلاء، فإنه من الممكن أن يبقى مؤمنا عاديا وغير متميز!..

عادة يكون التميز من خلال البلاء، فيوسف ويعقوب ونوح؛ كل هؤلاء وضمنهم النبي الأعظم (ص) لعله لم يتهنأ في حياته يوماً واحداً.. أي أن الأمر يحتاج إلى صبر ومجاهدة {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.. فلينظر الإنسان للنَفَس الإبراهيمي، لم يقل: إلهي!.. شكراً على هذه النعمة، وإن كان هو شاكر، ولكنه علق على هذه المنحة الإلهية فـ{قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي}؟.. أي ربي جعلتني للناس إماماً هذا شيء طيب، ولكن ومن ذريتي؟.. الجواب أتى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. من كان ظالماً لا يكون في سلسلة قيادة الأمة، هذه الآية من آيات الإمامة.. فالذي لا يتصف بصفة العدالة والعصمة، لا يكون في سلسلة القيادة الإلهية.. والإنسان الذي يلتفت لهذه النقطة، يتحمل الكثير في هذا المجال.

إن من موجبات الفشل في هذا المجال، أن يجد الأولاد أمامهم والدين متشاكسين، لا يتكلمان بأدب.. وإن كان لابد من النزاع والكلام، فليكن في دائرة مغلقة حفاظاً على هذا الجو الأسري.

– مناقشة الزوجين للقضايا الأسرية.. قلما سمعنا أن هنالك عائلة، يجتمع فيها الوالدن لمناقشة القضايا فيما بينهما، فلقاء الأزواج: إما على الطعام، أو للنوم، أو ما شابه ذلك!.. وأما جلسة أسرية لبحث الواقع الموجود، فلا أحد يفكر بذلك.. حتى أصحاب الشركات الصغيرة، يجتمع الشريكان لمناقشة شؤون هذا المكتب الصغير.. وإنسان له أربع أو خمس أولاد، والبعض أولاده وأحفاده يتجاوز الخمسين!.. خمسون إنسانا تحت إشرافه، يلتقي بهم كل أسبوع، ويستمتع بالعدد: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}، ولكن هل هنالك اجتماع لأجل مناقشة القضايا الأسرية؟!.. قلما سمعنا بوجود هذا الجو.. ولعل السبب في ذلك، أنه الشباب عادة عند اختيار الزوجة؛ فإن آخر ما يفكر فيه البواطن، أو الفطرة الباطنية، أو الجينات الوراثية.. فأول ما ينظر، ينظر إلى وجهها، وشكلها، وشعرها.

فإذن، إن منطق البعض يجعل كل عينه في هذا الاتجاه، ومن تزوج امرأة لجمالها، وكل إلى هذا الجمال؛ الذي إما أن يزول أو يعتاد عليه.. وفي كلا الحالتين، لا تبقى الجاذبية إلى أبد الآبدين.. الإنسان عندما يريد التزوج بامرأة، لابد أن ينظر إليها كصديقة أولاً؛ لأن هذه الرومانسيات، والكلام الشاعري والغزلي، ينتهي.. فكيف يعيش إنسان مع امرأة، ليس له حديث معها!.. ولكن مثلا هناك أسرة: الزوجة فيها حافظة للقرآن الكريم، والزوج له اهتمام بالقرآن الكريم، وفي كل يوم تطرح آية للمناقشة في الأسرة.. هذا يُشغلهم سنوات في بحث قرآني جميل!.. عندما يتقن أحدنا الاختيار، يبقى جو أسري حار إلى يوم لقاء الله عز وجل.

الذي يساعد الزوج والزوجة على مسألة التفاهم الأسري، وجود هذه الأرضية السابقة من حيث الأنس الفكري.. البعض يقول: هل يشترط وجود ثقافة متقاربة وشهادات متقاربة؟.. لا نعني بهذا أنه هي جامعية وهو جامعي.. نعني وجود حالة من حالات التقارب الفكري.. لا نريد أن نقلل من قيمة الشهادات الأكاديمية، ولكن قد ترى امرأة تحمل شهادة لعلها ماجستير أو دكتوراه، ولكن في مقام العمل والحياة تتصرف تصرفات لا تقوم بها حتى امرأة أمية في المستوى الفكري!.. وقد ترى امرأة في الظاهر ليست لها شهادات عليا، ولكن لها قوة التدبير والتصرف والعقل.. إذا ليست هنالك ملازمة أبداً بين الشهادات الأكاديمية، وبين النضج والبلوغ الفكري والنفسي.. عندما نقول: تقارب لا نعني شهادات جامعية.

– المواظبة على الصلاة في أول الوقت، وأمر الأسرة عليها.. ربما هذه ليست بقاعدة، ولكن نذكرها لأن القرآن ذكر هذا القانون، ولو كان الأمر ليست له أهمية، لما ذكره القرآن الكريم.. رب العالمين يوصي نبيه المصطفى (ص) بوصية في الجو الأسري: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}.. أي يا رسول الله، اجعل الصلاة محورا في المنزل.. والحياة الزوجية التي تقدس الصلاة: ليلة الزفاف تبدأ بركعتين، وفي جوف الليل يقوم الزوجان: المرأة في زاوية، والرجل في زاوية أخرى؛ وهما يتهجدان ولو العشر دقائق الأخيرة.. فإن هذا البيت بيت مقدس ومبارك، وخاصة مع تلاوة القرآن.. فمن المعروف أن البيوت التي تتلى فيها الآيات الإلهية، تضيء لأهل السماوات كما تضيء النجوم لأهل الأرض.. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (البيت الذي يقرأ فيه القرآن، ويذكر الله -عز وجل- فيه تكثر بركته، وتحضره الملائكة، وتحجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.. وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، ولا يذكر الله -عز وجل- فيه تقل بركته، وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين).. هنيئاً لمثل هذه البيوت!.. وفي روايات أهل البيت -عليهم السلام- إشارة طريفة إلى أن الله -عز وجل- يباهي الملائكة ببعض الأفراد.. عن رسول الله (ص): (إنّ العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه؛ أثبت الله النور في قلبه، ويقول -جلّ جلاله- للملائكة: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي!.. فقد تخلّى بي في جوف الليل المظلم، والباطلون لاهون، والغافلون نيام.. اشهدوا أني قد غفرت له).

فإذن، خصوص الصلاة يبدو أنها من موجبات المباركة الأساسية.. أحد العلماء الكبار في النجف الأشرف بعد أن ربى كوكبة من رجال الفضل والفضيلة، بعضهم لا زال على قيد الحياة.. أراد أن يتكلم بآخر الوصايا، وإذا به يوصي بصلاة أول الوقت؛ أي أن مفتاح هذه الخزائن كلها الصلاة في أول الوقت.. واللطيف أنه لم يقل: الصلاة في أول الوقت بتوجه؛ أي حتى قيد الخشوع لم يذكره.. المهم في أول الوقت.. فالذي يصلي في أول الوقت فترة من الزمن، تفتح له أبواب الخشوع.

ملاحظة: نحن في بيوتنا عادة الرجل إذا كان مراقباً لأولاده وزوجته، غاية ما يتفضل عليهم أنه يطرق الأبواب على ابنته وابنه.. ويقول لهم: حي على الصلاة، قوموا إلى الصلاة!.. وهذا أضعف الإيمان كما يقال.. طبعاً هنالك فتوى: أنه لا يجب إيقاظ النائم، ولكن ليس معنى ذلك أن يهمل الإنسان الأسرة، بالإمكان أن يتفق معهم من أجل إيقاظهم.. فكم من الجميل أن يتعالى صوت الصلاة، وخاصة الفجر في بيوتنا!.. إن الغالبية من المسلمين عليهم قضاء صلاة الصبح كثيراً، ولعل البعض في الشهر لا يصلي صلاة الفجر مرة واحدة، بل لعله في السنة لا يصليها مرة واحدة!.. باستثناء شهر رمضان طمعاً في السحور، وهذا من موجبات سلب أبواب التوفيق.

كم من الجميل أن يصل الإنسان إلى درجة من درجات التقوى التي تجعل زوجته تعتقد بعدالته.. زواج دام عشرة، وعشرين سنة.. ولم يروا من الزوج إلا جميلاً: لم يسرق، ولم يغتب، ولم يكذب.. هذا الإنسان ما هي مشكلته؟!.. هل من اللازم أن يلبس العمامة، ويصلي في المنزل جماعة؟!.. كم من الجميل أن تقام صلوات الجماعة في بيوتنا!.. ولكن المشكلة أن الزوجة لا تعتقد بعدالة الزوج، والأبناء يرون الهفوات.. ولهم عذر في ذلك، فهذه الصلاة تكليف شرعي، ليس فيها مجاملة.. كم كان من الجميل لو اكتسب الإنسان ملكة العدالة أولاً!.. إن البعض يكون عادلا في المنزل، والزوجة تشهد له بالعدالة؛ ولكنه فوت هذه الفرصة على نفسه، لم يقم الجماعة في بيته.

– السياحة الهادفة.. إن فصل الصيف، هو للسفر والعطل.. والمؤمن هادف في كل ما يعمل؛ لذا لا يذهب إلى البلاد التي يعلم أن لها تأثيرا سلبيا على أولاده، ويدفع الأموال، ويذهب للبلاد البعيدة؛ كي يفتح عيني شاب كان بريئاً على الفساد الذي في العواصم الأوربية!.. لا نعلم ما هو التوجيه الشرعي لمثل هذه الحركة؟.. في الرسالة العملية: إن الذهاب لبلاد يصاب فيها الإنسان بالنقص في العقيدة أو العمل -إذا كان السفر يجعل الإنسان يتأثر عقائديا، حتى لو بقي على الاستقامة- يعد هذا من كبائر الذنوب.. قد يرتكب الإنسان الكبيرة يوما من الأيام، ويندم، ويعود إلى ربه.. ولكن هو يلقي أهله في الكبيرة!.. ماذا يجيب ربه يوم القيامة!.. وبأمواله وعرق جبينه، يأخذ بيد أولاده إلى مثل هذه البلاد؟.. فالمؤمن إنسان هادف، حيث بإمكانه زيارة المشاهد المشرفة في بلاد المسلمين، فيجمع بين الاصطياف وزيارة المشاهد: (ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا)!.. {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.. المؤمن في هذا المجال مطالب بتنقية البيئة التي يسافر إليها.

– الزيارات العائلية.. إن بعض الزيارات العائلية من مناشئ الفتن، وخاصة الجلسات المشتركة، والجلوس على مائدة مشتركة، وخاصة إذا كان هناك شاب مراهق وشابة مراهقة.. وهذه الأيام يتبادلون المعاني بالعيون، وبعد ذلك بالاتصالات.. مثلا: تتفشى حالة وبائية في دولة من الدول، وإذا بالسفارات والمطارات فيها تعميم: إياكم والسفر إلى تلك الدولة!.. لأنه في قرية من قرى تلك الدولة، مئة إنسان مصاب.. أحدنا يحتاط احتياطاً لزومياً، فلا يذهب لتلك الدولة.. بينما هو يقطع بأن الذهاب من موجبات الوهن في دينه، ومع ذلك لا يبالي!.. هذه الحالة تجعلنا نفكر في أن المؤمن يوم القيامة يُفاجئ بأوزار لم يكن يتوقعها في الحياة الدنيا.

ملاحظة: إن بعض الناس -مع الأسف- قد يسمع هذا الكلام، أو يقرأ ذلك في الكتب وغيره؛ فيأخذ قرارا حاسما بضبط الجو الأسري.. وإذا به يتحول إلى رجل دين، أو إلى قائد عسكري في المنزل.. وبتعبير أحد العلماء الكبار يقول: البعض يتبجح بهذه الصفة، والحال أنها صفة مقيتة.. يقول: أنا شخصية محترمة في المنزل، أنا مهاب.. فعندما أدخل البيت، الكل كأنما على رؤوسهم الطير!.. هل هذا أب مثالي؟!.. بل هذا إنسان عسكري، يصلح لأن يكون قائدا في مخفر، أو في سكن عسكري.. الأب لا يكون هكذا!..

إن النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يركب الحسنين على ظهره، ويقول: (نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما)!.. يسجد والإمام الحسن (ع) على ظهره، فيطيل في سجوده؛ لئلا يزعج ابنه.. وغير ذلك من ملاطفة النبي (ص) مع أصحابه، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- دائم البشر، سهل الطبع لين الجانب، ومع مسؤولياته الجسام يشارك صحابته الفكاهة الرقيقة، فيقول لعمته صفية: (لا تدخل الجنة عجوز، فبكت، فقال لها -وهو يضحك: الله -تعالى- يقول: {إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكارًا عُرُبًا أترابًا}.. وفي بعض الروايات: (وكان زاهر رجلاً دميماً، وكان رسول الله -صلى الله وعليه وآله وسلم- يحبه، فأتاه يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه الرسول من خلفه، ولا يبصره الرجل.. فقال زاهر: أرسلني، من هذا؟.. فالتفت، فعرف النبي صلى الله وعليه وآله وسلم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر رسول الله حين عرفه، وجعل رسول الله يقول: من يشتري العبد؟.. فقال: يا رسول الله، إذن والله تجدنــي كاسداً، فقــال رسول اللـه: لكن عند الله لست بكاسد).. هكذا كانت حياتهم صلوات الله عليهم، راجعوا حياة النبي (ص) باب مزاح النبي.. فالمؤمن موجود هش بش؛ فعندما يغيب عن المنزل الزوجة والأولاد يفتقدون وجوده، وإذا سافر الكل يعيش حالة الاكتئاب.. والحال أن بعض البيوت ينتظرون سفر الزوج، حتى يهنئوا بعض الليالي والأيام.

الخلاصة: أن المؤمن يدخل السرور على قلب الآخرين، وأولى الناس بهذا السرور زوجته.. في رواية عن النبي الأكرم (ص): (مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل.. فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وإجمامًا للقلوب).. فتعلم من النبي (ص) كيف يوزع ساعات العمر.. ليس بمعنى أن كل ست ساعات لكل عمل بمعنى الإجمال.

أولاً: ساعة للمحاسبة.. يختار الإنسان وقتا، ليحاسب فيه نفسه: قد تكون هذه الساعة قبل النوم، وقد تكون في الطريق إلى المنزل.. فساعات العمر الضائعة في الدواب الأرضية، ساعات يرثى لها يوم القيامة.. أحدنا يمضي في سيارته كل يوم ما لا يقل عن ساعتين، بإمكانه خلالها أن يسمع عشرات المحاضرات، أو يختم عشرات الختومات، أو يذكر الله آلاف المرات، أو يتفكر في أعمق القضايا.. والحال أنه ينظر يمينا وشمالا نظرات ساهية لاهية!..

(ساعة يحاسب فيها نفسه)، أو تعلم أن هذه الساعة، توفر عليك آلاف السنين يوم القيامة؟.. ولهذا النبي الأكرم (ص) في ساعة الوفاة، قبل أن يتوفى جاء للمسجد، وطلب الاستحلال من المسلمين، فقام من بين المسلمين شيخ كبير، يقال له عكاشة، فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدي النبي (ص) فقال: فداك أبي وأمي!.. لولا أنك ناشدتنا مرة بعد أخرى، ما كنت بالذي أتقدم على شيء منك.. كنت معك في غزاة، فلما فتح الله علينا ونصر نبيه (ص) وكنا في الانصراف، حاذت ناقتي ناقتك فنزلت عن الناقة، ودنوت منك لأقبل فخذك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي.. فلا أدري أكان عمدا منك، أم أردت ضرب الناقة؟.. فقال رسول الله (ص): يا عكاشة، أعيذك بجلال الله أن يتعمدك رسول الله بالضرب.. يا بلال!.. انطلق إلى منزل فاطمة، وائتني بالقضيب الممشوق…. فقال النبي (ص): يا عكاشة اضرب إن كنت ضاربا.. فقال: يا رسول الله، ضربتني وأنا حاسر عن بطني.. فكشف عن بطنه (ص).. وصاح المسلمون بالبكاء وقالوا: أترى عكاشة ضاربا بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.. فلما نظر عكاشة إلى بياض بطن النبي (ص) كأنه القباطي لم يملك أن أكب عليه فقبل بطنه، وهو يقول: فداك أبي وأمي!.. ومن تطيق نفسه أن يقتص منك؟.. فقال له النبي (ص): إما أن تضرب وإما أن تعفو؟.. فقال: قد عفوت عنك، رجاء أن يعفو الله عني في يوم القيامة.. فقال النبي (ص): من أراد أن ينظر إلى رفيقي في الجنة، فلينظر إلى هذا الشيخ.. فقام المسلمون، فجعلوا يقبلون ما بين عينيه، ويقولون: طوباك طوباك!.. نلت درجات العلى ومرافقة رسول الله (ص).

إن الإنسان الذي يحاسب نفسه، يتذكر: ديناً، أو مسألة، أو وهناً، أو غيبةً.. الخ.. بإمكانه من خلال اتصال هاتفي، أن يستحلل ممن لهم حق عليه، وينتهي الأمر!.. وعليه، فإن هذه الساعة (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا)؛ كل هذه المضامين تصب في هذا المجال.

ثانياً: ساعة للمناجاة.. لم يقل: يقرأ الدعاء، بل يناجي فيها ربه.. تفننوا في المناجاة، أقرءوا المناجاة المأثورة، وبعد ذلك انطلقوا بكلام شعبي، أو شعري، وباللغة التي تريدها؛ فهذه ساعة من الساعات التي لا تقدر بثمن.. كم من الجميل أن يشكو المؤمن همه إلى الله -عز وجل- في خلوة من الخلوات يقول: يا رب أكفني ما أهمني!.. هذا همي بين يديك، علمك بحالي يُغني عن سؤالي!.. على الأقل إن لم تأخذ قضاء الحاجة فوراً، رب العالمين يبرد قلبك؛ بيده يجعلك تقبل بالأمر الواقع رغم أنه مر.. ولطالما جُربت هذه الحالة: يذهب المؤمن لزيارة الرضا -عليه السلام- وعنده حاجة ملحة ومستعصية، فعندما يزروه ويتفاعل في الزيارة، وإذا به يرى الحاجة صغيرة جداً.. فيقول: هذه الحاجة لا أريدها، كفاني أن هذه الحاجة جذبتني إليك، وذلك يكفي.. فهذه ساعة مهمة من ساعات الحياة.

ثالثاً: ساعة للخلوة مع الأخوان.. وهي الساعة التي يفضي بها إلى إخوانه، الذين يخبرونه بعيوبه.. ليس كل مؤمن يستحق المعاشرة، إذا رأيت مؤمنا له عين وله بصيرة باطنية، إلزم هذا الإنسان.

رابعاً: ساعة للخلوة مع النفس.. ساعة يختلي فيها بين نفسه ولذاتها، فيما يحل ويجمل.. القيدان الأساسيان: يحل؛ أي لا يكون الاستمتاع بالحرام، أو قضاء الفراغ بالحرام.. يجمل أي هنالك شيء حلال ومفيد، مثلا: هناك مسلسل فكاهي، ليس بحرام؛ ولكن ليس فيه فائدة، بل هو مضيعة للوقت.. هل يعتبر هذا استمتاع جيد؟!.. فعلى وصف النبي الأكرم (ص) ليس هذا يجمل.. ويا ليت البعض بدلاً من الانشغال بهذه المسلسلات، يتكلم مع زوجته المسكينة بجانبه!.. فبوجود التلفاز لا يوجد أنس، ولا يوجد تلاقح أفكار، ولا يوجد عرض مشاكل.. هناك صمت مطبق، يقلب أحدهم التلفاز من قناة إلى قناة.. بعد فترة ينتهي، وإذا هو لم يستفد كلمة واحدة فيما يحل ويجمل.. هذه هي السياسة الشرعية في هذه المجال.

وانتهى الكلام حول القواعد الأساسية للسعادة الأسرية.. إن هذه السعادة الأسرية، جزء من السعادة العامة.. الحياة الطيبة بين الواقع والتمني.. إن شاء الله نحاول أن نخفف هذه الفجوة وهذه الهوة بين الواقع والتمني.. فالذين يقولون: ما فائدة المنابر الحسينية؟.. وما فائدة هذه الصروح المباركة؟.. كل ذلك بفضل الدماء الطاهرة التي سكبت في يوم عاشوراء قبل ألف سنة، حدثت واقعة عاشوراء، ونحن اليوم نتكلم عن السعادة الزوجية.. فلينظر الإنسان هذه البركة، لهذه الدماء الطاهرة إلى قيام الساعة، وهذه المنابر المباركة تبث المعرفة والعلم والسعادة في حياة الأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى