محاضرات خاصة بموسم الحج

اسرار الحج -ج2

– إن من المعلوم أن للشريعة ظاهراً وباطناً، ومن هنا فإبراهيم (ص) يمن عليه رب العالمين، بأنه أراه ملكوت السماوات والأرض: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}، ولهذا فإن على الإنسان أن ينتقل من عالم الملك إلى الملكوت في كل صغيرة وكبيرة.. والحرام أيضاً له ملكوت، ولكنه ملكوت سلبي -ملكوت قبيح-، ومثال ذلك: كالغيبة مثلاً: فظاهر الغيبة كلمات يطلقها الإنسان في زاوية مغلقة، ولكن الملكوت والباطن هو عبارة عن أكل الميتة.. وكذلك الصلاة هي في الظاهر ركيعات يؤديها الإنسان سجوداً وركوعاً، ولكن ملكوت الصلاة هو المعراجية: (الصلاة قربان كل تقي)، (الصلاة معراج المؤمن)، كما ورد في الروايات.

فإذن، إن لكل شيء ظاهرا وباطنا، وأكثر الأمور المتضمنة للأسرار هو الحج.. الحج حركة رمزية.. نرى في بعض الحالات، أن هنالك قسما من الناس في حركة فنية يقومون بتمثيلية صامتة، فالظاهر أنها حركات، ولكنها ترمز إلى معان.. الحجاج بحركاتهم وبسكونهم، وبطوافهم وبسعيهم، وبرميهم وبذبحهم، وبحلقهم وبتقصيرهم، وبوقوفهم وببيتوتهم.. بكل ذلك فإنهم يُفهمون معنى من المعاني، ولهذا فإن الذي يستفيد من الحج، هو العاشق لرب الحج؛ لرب البيت.. فالإنسان المؤمن الذي يذهب إلى الحج، يجد مجالاً فسيحاً لأن يعبر عن أحاسيسه تجاه رب العالمين.

– إن إمامنا السجاد (ع) دخل مكة وقد أجدب أهلها – ومن المعلوم في السنوات القديمة عندما لا تمطر السماء، فإن الأرض تجدب، والناس يموتون جوعاً وعطشاً- ورأى العُبّاد في الحِجر حول البيت يدعون، فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمان؟.. فقالوا: يا فتى، علينا الدعاء وعليه الإجابة!.. فقال: ابعدوا من الكعبة، فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمان لأجابه.. ثم أتى الكعبة، فخر ساجداً.. يقول الراوي: سمعته يقول في سجوده: سيدي!.. بحبك لي إلاّ سقيتهم الغيث.. قال: فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كأفواه الْقُرَب، فقلت: يا فتى، من أين علمت أنه يحبك؟.. قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما استزارني علمتُ أنّه يحبني، فسألتُه بحبه لي فأجابني.

وعليه، نلاحظ في هذا الحديث الرائع: أن الإمام أولاً يستنكر عليهم هذه الحالة، وهم في جوار الكعبة، وفي حالة من الاضطرار، بأنه لو فيهم من يدعو، والله -عز وجل- يحبه، لما تأخرت عنهم الاستجابة.. ثم أن الإمام (ع) بحركة ملفتة -تعجب منها الناس- سأل الله -عز وجل- بحبه له أن يسقيهم الغيث، والناس تعجبوا أنه من أين علم بأن الله -عز وجل- يحبه، فكان جواب الإمام (ع) بكلمة واحدة رفع فيها هذا الاستغراب: بأنه لو لم يحبني، لما دعاني إلى بيته.. فما دام قد أتى بي من فج عميق، فهذه علامة محبة الله -عز وجل- لي.. فإذن، مجرد التوفيق لزيارة بيت الله الحرام، فيه كاشفية عن محبة الله -عز وجل- لعبده.. وحاشا للكريم أن يدعو الضيف ثم يرده خائباً..

– إن البعض قد يحرم من التمتع بالحج، بسبب الظروف المادية، ولو أنه ادخر ما يسرف به طوال العام، لأمكنه أن يذهب للحج الواجب والمستحب.. يقول الإمام الصادق (ع) في حديث طريف: (إن استطعت أن تأكل الخبز والملح، وتحج في كل سنة فافعل).. فإن كل مؤمن مأمور أن يدخر شيئاً من ماله، حتى يوفق للحج.. فلو وفر أمواله، وأكل الخفيف، وصرف الخفيف؛ لما حرم هذه البركات في كل عام.. ولعل في بعض الحالات طقم أثاث يشتريه الإنسان، أو قطعة ذهب تشتريها المرأة، تساوي حجة لبيت الله الحرام.. وشتان بين قطعة من الأثاث يجعلها الإنسان محبوسة في زاوية شقته، وبين سفر إلى وفادة الحرم أكرم الأكرمين!..

وعليه، فليجعل الإنسان في نفسه هذه النية صادقة، ويسعى جهده لتحقيق ذلك.. ومن الملاحظ التركيز في أدعية شهر رمضان على الدعاء بالحج، حيث تتردد هذه العبارة: (اللهم !.. ارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا، وفي كل عام).. ومعنى ذلك: أنه إذا أراد الإنسان الحج، فإنه عليه أن يعمل في ليالي القدر، ويعمل في شهر رمضان؛ ليكسب هذه البطاقة المربحة عند الله تعالى.

– إن أثر الحج ليس هو للحاج فحسب!.. وإنما كما ورد عن الصادق (ع): (إن الحاج ليشفع في ولده وأهله وجيرانه).. ففي يوم القيامة يأتي الحاج ويقول: يا رب!.. فلان جاري.. وفلان ابن عمي.. وفلان حفيدي.. وفلان ولدي.. وأهلي.. وزوجتي…الخ، والحاج يعطى بطاقات الشفاعة يوم القيامة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما استفاد امرؤ [مسلم] فائدة بعد فائدة الإسلام مثل أخ يستفيده في الله عز وجل.. ثم قال: يا فضل، لا تزهدوا في فقراء شيعتنا، فإن الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر.. ثم قال: يا فضل، إنما سمي المؤمن مؤمنا، لأنه يؤمن على الله فيجير الله أمانه.. كناية عن الكثرة.. وسئل الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): عن المؤمن هل يشفع في أهله؟.. قال: (نعم المؤمن يشفع فيشفّع).. إذا كان المؤمن العادي بعنوان إيمانه يشفع، فكيف إذا كان حاجاً، زكيف إذا كان صالحاً، وكيف إذا كان عالماً، وكيف إذا صار شهيداً.. وهكذا، لكل درجة من هذه الدرجات سهم من الشفاعة يوم القيامة.

آداب الحج وأسراره:

– حلية المال.. إن من الأمور التي ينبغي الاحتياط بها، هي مسألة المال الذي يخرج للحج.. فإن المال الذي جاء من السحت، لا ينظر الله -تعالى- إليه.. قابيل وهابيل ابني آدم كلاهما قدم قرباناً، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وهذا القربان الذي كان من المفروض أن يتقرب به إلى الله عز وجل، وإذا به يصبح سبباً للقتل، حيث بلغ به الحسد أن مد يده لقتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين.. وقد ورد في الخبر: (إذا حججت بمال أصله سحت، فما حججت ولكن حجت البعير).. وفي خبر آخر عن الإمام الباقر (ع): (لا يقبل الله -عز وجل- حجاً ولا عمرةً من مال حرام).. فإذن، إن المال الحرام لا ينظر الله -تعالى- إليه، ولو كان في مصرف الخير.

– إخلاص النية.. إن الإنسان قد يحج، وفي جوفه بعض الشوائب.. تراه يحب أن يرجع، وإذا رجع من الحج ولم يناديه أخوه أو صديقه بالحاج فلان، إذا به يتكدر في باطنه، ويعيش في قلبه هذه المشاعر التي لا قيمة لها.. وقد روي عن الإمام السجاد (ع) أنه قال: (من حج يريد به وجه الله، لا يريد به رياءً ولا سمعة؛ غفر الله له البتة).. فما هي علامة الإخلاص؟.. العمل الخالص هو الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل.. ولا تتوقع لا جزاءً ولا شكورا.. فإذا كان كذلك، فإن العمل يكون لوجه الله تعالى.

– خدمة الأخوان.. أحدهم ذهب إلى المدينة وكان له صديق مريض، فقال له الإمام (ع) : (قعودك عنده أفضل من صلاتك في المسجد).. وقد روي عن النبي (ص): (سيد القوم خادمهم في السفر).. الإنسان عندما يحج فإنه يترك أهله، ويترك صغاره، ويترك زوجته، بلا كفيل ولا راع في بعض الحالات.. والذي يتكفل أمور الحاج، لو أدار عمله، ورعى أهل بيته؛ كتب له من الثواب ما كتب لذلك الحاج إلى بيت الله الحرام، كما ورد عن الإمام السجاد (ع): (من خلف حاجاً في أهله وماله، كان له كأجره).

– ترك الوسوسة.. إن من توصياتنا في الحج: ترك الوسوسة في العبادة.. فالبعض عندما يحج، تنتابه حالة الوسوسة، وإذا دخلت الوسوسة في قلب عبد: في صلاة، أو حج، أو ما شابه ذلك؛ فقد سلبت منه روح العبادة.. فالذي يطوف حول البيت، وبدلاً من المناجاة، وبدلاً من تذكر الملائكة المقربين، الذين يطفون حول الكعبة العرشية -هناك كعبة في الفرش في أرض مكة، وهناك كعبة في العرش في الملأ الأعلى، هنا بشر يطفون وهناك ملائكة تطوف- بدل أن يتشبه بالملائكة، ويذكر الله -عز وجل- عند كل ركن، وإذا به ينظر إلى كتفه هل مال عن الكعبة.. هل وازى الكعبة!.. إن الإنسان عليه بالعمل الظاهر -الموازاة العرفية، الطواف العرفي-، ولا يفكر في الجزيئات التي تسلبه ذلك.. والبعض يرمي الحجارة وبدلاً من أن يعيش حالة العداء مع الشيطان، ويستعيذ بالله من كيد الشيطان، تراه ينظر إلى الحجر، هل وقع على الحجر.. وفي أي زاوية!.. وهل أصاب أو لم يصب!.. إن الدقة مطلوبة، ولكن إذا رمى وعلى الظاهر هذا الحجر يصيب، ليس من الواجب أن يرى بعينه أن الحجر قد أصاب ذلك النصب.. وهكذا في باقي الأعمال.. فإن من وسوس في عبادته، فقد فتح للشيطان على نفسه باباً، والشيطان إذا استأنس بالإنسان في هذا المجال، لم يتركه حتى يخرجه من الدين.. وقد ورد في الخبر: (لا تعودوا الخبيث).. فإذن، إن على الحاج أن يوازن بين إتقان الأعمال، وبين أن يعيش روح وجوهر العبادة.

– ترك المزاحمة.. الملاحظ -مع الأسف- أن الحجاج يتكالبون تكالباً غريباً، وأحدهم يضرب أخاه، ويدفع المرأة، ويدفع الصغير الكبير؛ لأنه يريد أن يقبل الحجر الأسود!.. ولقد كان إمامنا الصادق (ع) يقف من بعيد، ولا يزاحم ليذهب إلى الحجر الأسود، معللاً بقوله -وكأنه يعتب على هذه الأمة التي لم تعرف إمام زمانها-: إن جده النبي (ص) كان يفرّج له، وهو لا يفرّج له.. أي أن النبي (ص) كان يُفتح له الطريق.. فإذن، إن الإنسان ما عليه إلا أن يحاول، وليس من المهم أن يصل إلى الحجر الأسود بعد ذلك.

– العدد سبعة.. إن من أسرار الحج: العدد سبعة.. فالملاحظ أن السبعة عدد متكرر.. فالطواف سبع مرات، كذلك السعي سبعة أشواط، والرمي بسبع حصيات.. لا ندري لماذا التأكيد على عدد السبعة؟.. لماذا خلق الله -عز وجل- السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً؟.. لا ندري العلم عنده سبحانه وتعالى، وهذه من الأسرار التي لا نعلمها.. وكذلك من الطريف أن الإنسان عندما يطوف حول البيت، يطوف في عكس اتجاه عقارب الساعة، يطوف وقلبه جهة البيت، القلب جهة اليسار وهو يطوف.. وكأنه يريد أن يقول: يا رب!.. أطوف حول البيت بقلبي الصنوبري الظاهري، وبقلبي الباطني.. قلبي معك!.. قلبي يطوف حول بيتك في مكة، وفي المدينة، وخارج الحرمين، أين ما كنت جعلت قلبي يطوف حول محور شريعتك ودينك!..

– التأكيد على عنصر الإمامة.. بعد الطواف الحاج مأمور أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}.. نعم، إبراهيم (ع) إمام الأمة، ذلك الذي حطم الأصنام، والحاج عليه أن يقف في ذلك المقام، تكريماً لمقام الإمامة.. وأن يذهب إلى الركن اليماني، وينظر إلى ذلك الشق الذي دخلت منه فاطمة بنت أسد.. ومن المعلوم بأن المرأة لا يحق لها أن تدخل المسجد في حال النفاس والولادة، ولهذا مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، وحتى لو كانت في المسجد، لذهبت خارج المسجد لتضع وليدها في مثل هذه الليلة.. ولكن أم حيدرة الكرار، أم أمير المؤمنين (ص)، وضعت وليدها داخل الكعبة.. لم يعهد في تاريخ البشرية أن أذن لامرأة بالولادة في بيت من بيوت الله، كفاطمة بنت أسد.. وليس في المسجد، إنما في المسجد الحرام.. لا في المسجد الحرام، وإنما في الكعبة، في جوف الكعبة.. ولم تدخل من باب الكعبة، وإنما شق لها الجدار، ودخلت البيت لتضع ذلك الوليد المبارك.. وكأن علي (ع) أراد أن يرد هذا الجميل لرب العالمين، فكان هو المرشح لأن يرتقي كتف النبي (ص) في يوم فتح مكة، ليحطم الأصنام.. جاء النداء لإبراهيم وإسماعيل (ع): {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، وعلي (ع) هو المطهر الثاني بعد إبراهيم الخليل، إذ طهر هذا البيت الآمن.

– زيارة النبي (ص).. إن من الجفاء أن يذهب المؤمن للحج والعمرة، ولا يتشرف بزيارة المصطفى (ص).. ومن الجفاء أن لا يزور قبر عمه سيد الشهداء (ع).. ليقف على أبوابهم ويقول: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أنك تسمع كلامي، وتشهد مقامي، وأنك حي عند الله مرزوق.. أأدخل يا رسول الله؟.. يستأذنه في الدخول إلى روضته، فإذا رق القلب وجرى الدمع، فمعنى ذلك أنه قد أذُن له بالدخول في حرم المصطفى (ص).. وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال: (من زارني حياً وميتاً، كنت له شفيعاً يوم القيامة)؛ كما روي عن علي (ع): (وأتموا برسول الله حجكم، إذا خرجتم إلى بيت الله).. وهنيئاً لمن توفق في زيارة بضعة الرسول (ص)!.. تلك المرأة التي قيل في حقها: المجهولة قدراً، والمخفية قبراً.. فتارةً في الروضة، وتارةً في الحجرة المباركة، وتارةً في البقيع، يقف الإنسان بين يدي أئمة الهدى (ع).. ليس على الحاج والمعتمر أن ينظر إلى البنيان.. هب أنه ليس هنالك قبة شماء، وليس هنالك فرش أو ما شابه ذلك، ولكن ليدخل حرمهم متأدباً، ولا ينظر إلى هذه الحجارة المتناثرة، بل لينظر إلى أرواحهم الصاعدة عند المليك في المحل الأعلى.. فإن أرواحهم واحدة، وطينتهم واحدة، وقبورهم في القبور، وأسماؤهم في الأسماء، ولا فرق بين مشاهدهم في هذه الناحية: أن هنالك ملائكة تهبط من السماء إلى الأرض، وتعرج من قبورهم إلى السماء.. هذه خصوصية لكل معصوم، سواء كان قبره مشيداً، أو كان قبره غير مشيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى