محاضرات خاصة بموسم الحج

اسرار الحج -ج1

– إن الحديث عن الحج حديث يهم الجميع، سواءً لمن أراد الحج أو من لم يرد الحج.. ومن هنا فالمسلم في أي بقعة من بقاع الأرض في موسم الحج، ينبغي له أن يعايش الحجاج بمشاعره، ويتمنى أن يكون في مواقفهم، ولو بالعمل بما ورد من هذه الصلاة التي نصليها في العشرة الأولى من ذي الحجة بين صلاتي المغرب والعشاء، ليشارك الإنسان الحجاج ثواب حج بيت الله الحرام.. فالحديث عن الحج حديث ممتع، سواءً لمن وفق أو لم يوفق.. أضف إلى أن معرفة فلسفة الحج معرفة لازمة، لأن الإنسان من الممكن إن لم يحج في هذه السنة أن يحج في سنة أخرى، وما نقوله في الحج ينطبق على العمرة.. فإن الفارق بين العمرة والحج هو: مسألة عرفات، ومنى، والذبح، والرمي؛ وإلا الحرمين، والطواف، والسعي، والتلبية، والميقات، والإحرام؛ هذه الآداب مشتركة بين الحاج والمعتمر.. ومن منا لا يحب أن يعتمر في كل سنة مرة أو أكثر من مرة؟!..

آداب الحج ودروسه:

أولاً: معرفة أن الحج عملية قصدية.. فمن حج البيت الحرام، أي قصد البيت الحرام.. الذي لا قصد له، والذي لا نية له، والذي لا شوق له، والذي لا شغف له؛ هذا الإنسان لا يسمى قاصداً.. وبالتالي، فإن من أراد أن يكون حاجاً حجة صحيحة مقبولة، عليه أن يعيش هذه المشاعر.. والقصد في كل عبادة أمر أساسي.. فالإنسان عليه بقصد القربة في الصلاة، وفي الوضوء، وفي الحج، وفي الخمس.. لأن هذه العملية من دون قصد، ومن دون إرادة واعية؛ لا تقربه إلى الله عز وجل.. كل شيء في عين الله -تعالى- صغير، وإنما يكبر إذا كان منتسباً إليه، وإلا لا شيء يقام له وزن في عين الله عز وجل.

– إن الذي يريد الحج أو العمرة، عليه أن يقصد صاحب البيت، وعليه أن يتعرف على صاحب البيت.. فنحن لا نذهب لنلمس الحجارة ونقبلها، إنما الأمر أعمق من ذلك.. عندما أمُر إبراهيم الخليل (ع) بأن ينادي بالناس للحج -{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}-، لم ينادِ ليطوفوا حول الحجارة فحسب!.. -هذه الحجارة الصماء التي لا تسمن ولا تغني شيئاً-، وإنما أراد إبراهيم (ع) منا -بأمر رب العالمين- أن نتعرف على أسرار هذا البيت.. فالإنسان عندما يطوف حول الكعبة، عليه أن يستحضر حقيقة مركزية الله -عز وجل- في عالم الوجود.. هو في الطواف يطوف حول مركز واحد، ولكن ليتذكّر بأنه في حياته اليومية، عليه أن يجعل لنفسه محوراً ثابتاً: فلا يطوف يوماً حول محور المال، أو حول محور المرأة، أو حول محور الجاه، أو حول محور الذاتية والأنانية.. بل عليه أن يجعل لنفسه محوراً واحداً، من أول بلوغه إلى ساعة لقاء ربه.

ثانياً: معرفة أن للحج أميرا.. هذا الحج كليلة القدر، كما أن لليلة القدر صاحبا تتنزل عليه الملائكة، كذلك للحج صاحب وأمير.. والذي بيمن دعائه، والذي ببركة وجوده، يُبارَك في زوار بيت الله العتيق.. ذلك الذي عندما يدعو في عرفة، في حق كل من شهد عرفة، فإن دعاءه لا يرد.. فمن المناسب للإنسان إذا ذهب إلى الحج، أن يتذكر أن الإمام (عج) لا يفوت حجاً من سنوات الحج.. ومن المعلوم أن بعض الناس من ديدنهم أنهم لا يتحملون البقاء في الأوطان، عندما يقترب موسم الحج؛ فإن كان مستطيعاً ومعافىً، فإنه يسارع في الذهاب إلى بيت الله الحرام؛ فكيف بصاحب الأمر (عج)؟.. وليحاول أن يعيش القرب منه، ويحاول أن يكثر من الدعاء له، وإذا جاءته حالة من الرقة: في الحطيم، أو في زمزم، أو في الصفا، أو في عرفة، أو في المستجار، أو تحت الميزاب، أو في أي موقف من مواقف الحج، أو في روضة النبي (ص)؛ فليدع له بالفرج؛ فإن بفرجه تنفرج آلام الأمة، وتعطى آمال الأمة.

فإذن، إنه لمن المناسب أن يُجعل الدعاء للإمام (ص) بتعجيل الفرج، في صدر حوائج الحجاج.. وهنيئاً لمن دعا له إمام زمانه بالفرج أيضاً!.. فالذي يدعو له بالفرج، هو يرد له ذلك، فيدعو له بالفرج من كل هم وغم، ومن كل ضيق وكرب، يدعو له بالفرج من هوى نفسه، والفرج من الأصنام التي دخلت في قلبه، وهو لا يشعر بذلك.

ثالثاً: معرفة أن في الحج ولاية وبراءة.. إن الإسلام قائم على الولاية والبراءة.. فكلمة (لا إله إلا الله) -التي تبدأ بها حياة الطفل، حيث يستحب الآذان والإقامة في أذنه عندما يولد.. والتي بها يبرز الإنسان إسلامه.. والتي من مات عليها وهو على عمل صالح دخل الجنة- في هذه الكلمة شقان: (لا إله) نفي، ثم (إلا الله) ولاية وإثبات للتوحيد.. والملاحظ أنه في هذه الكلمة، أن البراءة مقدمة على الولاية.. وكذلك حجارة الحرم، فيها صفة الولاية والبراءة.. فالإنسان يصل إلى الحجر الأسود – يمين الله في الأرض- ويقبله، مظهراً للولاية، ويقول: (أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته).. ويذهب إلى وادي منى في أرض المشعر، ليلتقط الحصى، ليبرز بذلك البراءة من الشيطان وأعوان الشيطان.. فحجر في الكعبة به يظهر الولاية، وحجر يلتقطه في المشعر ليظهر البراءة.

رابعاً: الاغتسال.. من المعلوم أن الحاج مأمور -ولو استحباباً- بعدة مرات من الاغتسال: ففي الميقات يغتسل، وقبل الذهاب إلى الحرم يغتسل، وعند زيارة النبي (ص) يغتسل… غسل بعد غسل، كأنه يريد أن يقول: يا رب!.. أنا بظاهري أغتسل بهذا الماء القراح، وأنت يا رب طهر باطني بماء التوبة.. أنا أتظاهر بمظهر التائبين، أصب على رأسي ماءً، وأنت صب على رأسي كما أدعوك في دعاء المسح: (اللهم غشني برحمتك وعفوك وبركاتك).. فإذن، هذا درس نأخذه من هذه العملية الظاهرية.. ولهذا نلاحظ أن الاستحباب الغالب في زيارة المعصومين (ع)، هو الاغتسال قبل الذهاب إلى زيارة ذلك المعصوم.

خامساً: التلبية في الميقات.. في الميقات يلبي الحاج قائلاً: لبيك اللهم لبيك!.. البعض من الحجاج قصارى جهده أن يقول: لبيك اللهم لبيك!.. بإعراب صحيح، وبنسق عربي لا خطأ فيه.. ولكن هل تأملنا في هذه العبارة!.. الإنسان عندما يقول: لبيك اللهم لبيك!.. هل فكر في أنه الرب قبل منه ذلك، أم أنه في عداد من يقال لهم: لا لبيك ولا سعديك؟.. وهذا الذي كان يقلق بعض أئمة الهدى (ع) في الميقات، حيث كانت تتغير أحوالهم وألوانهم، يقولون: نخشى أن يقول ربنا: لا لبيك ولا سعديك!.. والمعصوم أجل من ذلك، ولكن كأنهم بذلك يريدون أن يعلمونا أدب الخجل والوجل بين يدي الله عز وجل.

وعليه، فإن من المناسب للإنسان في الميقات -عمرة أو حجة- بعد أن يلبي التلبية الواجبة، أن يذهب إلى زاوية من زوايا الميقات -أول دخول حرم الله في الميقات-، ويحاول أن يصفي الأمور مع رب العالمين.. كما قلنا في شهر رمضان أن يحاول الإنسان أن يكسب أول الشهر غفران الله، وآخر الشهر رضوان الله.. كذلك في الميقات ليكن الشعار غفران الله، وفي الحرم الشريف -في الحرم المكي- ليجعل الرغبة في أن يفوز برضوان الله عز وجل، لا بالمغفرة.. فإن الحاج عندما يخرج من الميقات، بعد الغسل ونية الإحرام والتلبية، فإنه يأخذ صك الغفران من رب العالمين، ثم يذهب إلى البيت طاهراً مطهراً نظيفاً، فليعمل جهده وليلح في الطلب لنيل رضوان الله عز وجل.

سادساً: تذكر أن مكة ليست نقطة جغرافية فحسب!.. من المعلوم في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة، هو يوم دحو الأرض، ذلك اليوم الذي دحيت فيه الأرض وتشكلت من تحت الكعبة.. الكعبة وأرض الكعبة أقدم بقعة على وجه الأرض، وقد دلت الدراسات على أن منطقة مكة من أقدم بقاع الأرض، ولهذا فيها حالة من الاستقرار والسكون من حيث الزلازل والبراكين.. فإذن، إن مكة تاريخ مطوٌّ من زمان أبينا آدم (ع)، فأغلب الأنبياء أو كثير منهم لهم قصص مع الكعبة.. كما يُفهم من قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}، أن القاعدة موجودة، وإبراهيم جاء ليرفع هذا البناء، بعد أن كان أساسه موجوداً.

– إن في كل بقعة بمقدار أنملة في أرض الحرم، هنالك موطئ قدم نبي أو وصي أو ولي.. لا يخلو الحرم من هذه الأقدام الطاهرة، وخاصة الإنسان عندما يقف خلف مقام إبراهيم، وخاصة في الخلف الدقيق الملاصق، ليعلم أن هذا المكان طالما صلى فيه صاحب الأمر (عج)، فالإمام قطعاً يقدم هذا المكان الملاصق على المكان البعيد، والإنسان عندما يقف هناك، فإنه يقف على قدم الإمام (ع).. وهو عندما يقف عند الحطيم، ليعلم أنه يقف على موطئ قدم النبي وآل النبي (ص).. والمعصومون (ع) وقفوا في هذا المكان، ووقفوا تحت الميزاب، ووقفوا عند المستجار، ووقفوا عند الركن اليماني، وجلسوا على جبل الصفا، وهرولوا في موضع الهرولة.. كل هذه المعالم معالم أولياء الله وحججه.

سابعاً: لباس الإحرام.. عندما يلبس الإنسان ثوبي الإحرام، فليتذكر الشبه الشديد بين ثيابٍ ثلاثٍ بيض.. حيث أن الإنسان له عهد بثلاثة أنواع من الثياب، في ثلاثة مراحل من حياته: عندما يلد الطفل، فإنه يلف في الثوب كما يلف المحرم.. وكذلك الميت، حيث يلف في لباس الكفن.. فلباس الإحرام يذكرنا بساعة الولادة، ويذكرنا أيضاً بساعة الممات؛ أي أن الإنسان في حال الإحرام، يتذكر البداية ويتذكر النهاية.. فإذن، هو في حال الإحرام وسط بين مرحلتين: بين مرحلة الطفولة البريئة، وبين مرحلة الموت والانتقال إلى العالم الآخر.. وتذكرنا هذه القضية بهذه العبارة: قم واغتنم الفرصة بين العدمين!.. أي أنت الآن لست وليداً: لا حول لك ولا قوة.. وأنت الآن في الميقات لست ميتاً، أنت برزخ بين الأمرين.. لا أنت وليد، مرفوع عنه القلم.. ولا أنت ميت، مرفوع عنه القلم.. أنت الآن حي ترزق، فاستأنف العمل، بعد أن علمت أن الحاج يرجع من الحج كيوم ولدته أمه، فاغتنم الفرصة بين العدمين!..

ثامناً: استغلال التجمع في الحج للدعوة إلى سبيل الله تعالى.. إن من نقاط التأمل في الحج، هذا التجمع المبارك.. لو أن قوى الأرض حاولت أن تجمع الملايين في هذه البقعة التي لا جاذبية لها، ولا ماءً ولا مناخاً ولا شجراً، ولا أية جاذبية في الحرمين الشريفين من حيث المظاهر الطبيعية، لما استطاعت ولو بذلت ما بذلت!.. ولكن نلاحظ النفوس كيف تهفو، وتبذل الآلاف، لكي يضعوا أرجلهم في تلك المواضع الكريمة.. ومن هنا ليحاول المؤمن أن يستغل هذا التجمع: نصيحةً لمسلم، وأمراً بمعروف، أو نهياً عن المنكر، وتقويةً للقلوب، وليتآلف مع من معه من إخوانه في سفره إلى هذا المكان المبارك؛ تأسياً بأئمة الهدى (ع)، الذين كانوا يخفون أنفسهم بين الحجاج، لئلا يميزوا، فيحرمون ثواب خدمة حجاج بيت الله الحرام.

تاسعاً: تعويد النفس على مخالفة الهوى، والخروج عن المألوف.. إن الإنسان في الميقات، يتجرد عن ثياب المخيط وعن كل شيء.. ويحاول أن يخرج عن مألوف الحياة: كالتدهين، والطيب، وتأتيه الحشرة يطردها من دون أن يؤذيها بقتل أو ما شابه ذلك، ولا ينظر للمرآة ليتزين، ولا يلبس أدوات الزينة، ولا يحمل السلاح، ولا يقلع نبات الحرم، ولا يعمل الأعمال المتعارفة، ولا يعقد على امرأة، وما شابه ذلك من تروك الإحرام.. والدرس الذي يتعلمه من هذه التروك: أن الإنسان إذا أراد أن يصل إلى الله عز وجل، فإن عليه أن يتجرد من الهوى ومن المألوف.. لما جاء موسى للقاء ربه في وادي طور، جاءه النداء: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}.. فإذن، على الحاج أن يعيش هذا التجرد.. فعندما يذهب إلى البيت، فكما أنه ينزع من نفسه هذه الظواهر، عليه أن يخرج أيضاً عن البواطن الفاسدة.. ليحاول أن يتجرد عن كل دواعي التكبر والرياء والغرور، ليصل إلى الله عز وجل.. روي عن الإمام الصادق: (القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله).

عاشراً: الفرار إلى الله.. نحن أمرنا أن نفر إلى الله عز وجل: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}، لماذا لا نجعل عملية الحج فراراً إلى الله سبحانه وتعالى؟.. إنه لمن المناسب للإنسان عندما يذهب إلى البيت، وعندما يذهب إلى الكعبة، أن يتعلق بأستار الكعبة، كتعلق إنسان تعلق بأذيال كريم، ويعيش حالة إنسان فقير يستجدي من كريم.. فالفقير عندما يريد الكريم أن يذهب ولا يعطيه شيئاً، أو عندما يريد السلطان أن يذهب ولا يقضي له حاجة.. ألا يتشبث بثوبه، مستكيناً وجلاً؟.. وكذلك عند الكعبة ليتشبث بستار البيت، مظهراً ذلته وعجزه بين يدي الله عز وجل.

حادي عشر: تخليد ذكرى الأولياء.. إن الحج فيه درس من دروس التخليد.. فها هي أمة غريبة مسماة بهاجر، تركها زوجها إبراهيم الخليل (ع) في وادٍ غير ذي زرع، تركها في هذا الوادي لا زرع ولا ماء، ولا مؤنس ولا أنيس ولا بشر.. ولكن جعلهم في حمى الله عز وجل، وجعلهم في كفالة الله عز وجل.. وهذه المرأة الجليلة، رضيت بذلك.. هي تحتاج إلى الماء لولدها الصغير، وإذا برب العالمين ينبع لها بجوار البيت ماءً زمزماً، وهذا الماء لم ينضب طوال القرون الطوال إلى يومنا هذا.. تهرول في منطقة بين الصفا والمروة، والرجال يستحب لهم أن يهرولوا تأسياً بهذه السيدة الجليلة.. فقبر هاجر وإسماعيل في الحجر، يقال له: حِجر إسماعيل، والإنسان يطوف خارج الحجر، وكأن الحِجر جزء من الكعبة.. نعم، هذا القبر لا يداس، ويقدر، أصبح محجراً على شكل هلال وقوس، والحجاج لا يدخلون هذه المنطقة؛ لأن فيها قبر أمة الله هاجر، وقبر نبي الله إسماعيل.. وعليهم أن يقدروا هذه البقعة، ويخرجوا في المطاف خارج هذه النقطة.. نعم، إذا شاء الله -عز وجل- أن يخلد ذكر إنسان، هكذا يخلد ذكره!..

ثاني عشر: الإنسان المؤمن يجب أن يكون مأمونا.. إن الإنسان المؤمن لا ينبغي أن يكون مخيفاً، لذا لا يحمل السلاح في الحج.. وكذلك الإنسان وهو في الوطن، في معاشرته لأهله ولولده ولمن بين يديه، لا ينبغي أن يكون وجوداً مخيفاً.. قد لا يحمل السلاح، ولكن نظراته مخيفة، والناس يهابون الحديث معه، وكأنه حامل للسلاح.. الإنسان الذي يقصد الله عز وجل، عليه أن يكون مأموناً، والناس منه في أمن وأمان، وإنما سمي المسلم مسلماً، عندما يسلم الناس من يده ولسان.

ثالث عشر: الحج معجون جامع.. إن من تعاريف الحج الجميلة: هذا التعريف لفقيه من فقهاء الأمة، ألا وهو صاحب الجواهر -هذا الكتاب الفقهي العظيم في أربعين مجلدا-: حيث يقول عن الحج أنه: (رياضة نفسانية، وطاعة مالية، وعبادة بدنية، قولية وفعلية، وجودية وعدمية).. الإنسان يقوم بأفعال وجودية: كالطواف والسعي، وأفعال تروكية عدمية: كتروك الإحرام.. فإذن، هناك رياضة، وطاعة مالية، وعبادة في البدن في القول والفعل، في جانب الوجود والعدم.. هل رأيتم معجوناً أجمع من ذلك؟.. إنفاق في سبيل الله، عبادة بين يدي الله، تروك ومجاهدة!.. ليس هنالك في الإسلام معجون كمعجون الحج.

رابع عشر: التزود من الحج.. إن الإنسان الحاج يريد أن يتزود من الحج لسنة كاملة، بل لتمام العمر.. إن الحج فيه قابلية للتأثير، لو أتقن الإنسان حجه، لكفاه إلى تمام عمره.. فمفعول الصوم إلى سنة كاملة.. هذا الطُعم الذي نطعم به في الصوم، هو إلى سنة.. وصلاة الظهر تكفي الإنسان إلى المغرب، ولهذا عليه أن يعيد ويصلي المغرب.. وصلاة المغرب تنفع إلى الفجر، والفجر إلى الظهر، وهكذا.. وفي التخميس كذلك.. فالعبادة التي يؤديها في العمر مرة وجوباً، هي الحج.. فلو أن الإنسان حج حجة صحيحة، فإن هذه الحجة تكفيه إلى عمر كامل.. فهي بمثابة دواء الوقاية، التي تغنيه عن كل دواء إلى آخر عمره.. ولو لزم الأمر أكثر، لجعل الله الحج في العمر أكثر من مرة.

خامس عشر: الرحمة الإلهية الغامرة.. قلما سمعنا عن هذا التعبير -كما هو مضمون بعض الروايات- : أن الذي يشك في رحمة الله -عز وجل- في يوم عرفة، ويشك بأن الله -عز وجل- لم يغفر له، فهذا الإنسان في معرض الغضب الإلهي.. إنسان يأتي إلى عرفة، ويقف بعرفة، ويقرأ دعاء عرفة، ثم هو يشك في المغفرة؛ فإن هذا الإنسان بعيد عن رحمة الله عز وجل، وإنسان لا يحب الله عز وجل.. إذن، الرحمة الإلهية في ذلك اليوم رحمة وافرة غامرة، فهنيئاً لمن أتقن الدعاء في ذلك اليوم!.. والملفت أن الله -عز وجل- لم يجعل في عرفة أي نسك: لا رمي، ولا ذبح، ولا تقصير.. فالإنسان يقف بين الحدين من الزوال إلى الغروب، وعليه بالدعاء فقط، ولا يقوم بأمر أكثر من ذلك.

سادس عشر: الحج من موجبات الاستغناء.. إن الذي يذهب إلى الحج، ليتوقع السعة في أمواله، كما ورد في الروايات: (حجوا تستغنوا)، و(تتسع أرزاقكم)، و(الحج ينفي الفقر).. قد يقول قائل: ذهبت إلى الحج ورجعت وما زاد مالي؟.. الجواب: أنه لا يعلم كم من البلاء دفع عنه؟.. لو أن هذا البلاء نزل به لكلفه الآلاف، ولكن الله -عز وجل- رفع عنه حادثاً، وكان في ذلك الحادث موته، أو كان في ذلك الحادث موت حبيبه، ولكن الله -عز وجل- دفع ذلك عنه ببركة الحج.

سابع عشر: للحج بركات أخروية.. فها هو نبي الله موسى (ع) يسأل جبرائيل (ع) عن ثواب حج هذا البيت بنية صادقة ونفقة طيبة، وإذا بالله -عز وجل- يقول له: (اجعله في الرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).. لو أن الإنسان دخل الجنة، وبعد دخول الجنة سكن في حي الأنبياء، وفي حي الشهداء، وفي حي الصديقين.. فهل بقي من السعادة أمر لم يصل إليه؟.. فقد وصل إلى غاية المنى!.. نعم، هكذا ثواب الحج بنية صادقة، ونفقة طيبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى