شرح دعاء الافتتاح

الحلقة الثانية والعشرون

– (وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، وَالْخَلَفِ الْهادي الْمَهْدِيِّ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً..)..

في وسط دعاء الافتتاح هنالك محطة ولائية جميلة ، وهي أن نسلم ونصلي على أئمة أهل البيت (ع) ، بعد الصلاة على النبي الحبيب المصطفى (ص).. أحب في هذه اللحظات المباركة من ليالي شهر رمضان المبارك أن أؤكد على حقيقة ، وهذه الحقيقة لابد أن نتذكرها دائمًا وأبداً :

أن أئمة أهل البيت (ع) شرفهم وفخرهم وشعارهم ، هو إتباع سنة النبي (ص).. هؤلاء ما جاؤوا ليقدموا لنا مدرسة مستقلة ، عن مدرسة الحبيب المصطفى (ص).. فهذا علي (ع) -وهو التلميذ الأول للنبي (ص)- يصف نفسه بأنه عبد من عبيد محمد ، إذ يقول : (إنما أنا عبد من عبيد محمد).. وقوله هذا لا بمعنى عبادة الطاعة والإلوهية ، وإنما بمعنى الانصياع لأوامر النبي الأكرم (ص).. والنبي (ص) يؤكد ذلك في قوله : (أنا أديب ربي وعلى أديبي).. أي أدبني ربي ، وعلي أنا الذي أدبته..

إن أئمتنا (ع) يدعون أتباعهم للتمسك بعروة الإسلام الوثقى.. ومن هنا إمامنا الباقر (ع) في حديث عتابي جميل يقول :
يا جابر !.. أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟!.. فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع و الأمانة ، وكثرة ذكر الله ، والصوم ، والصلاة ، والبرّ بالوالدين ، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة ، والغارمين ، والأيتام ، وصدق الحديث ، وتلاوة القرآن ، وكفّ الألسن عن الناس ، إلا من خير ، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء .
قال جابر : فقلت : يا بن رسول الله!.. ما نعرف اليوم أحداً بهذه الصفة..
فقال (ع) : يا جابر!.. لا تذهبنّ بك المذاهب ، حَسْب الرجل أن يقول : أحب علياً وأتولاه ، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً ؟.. فلو قال : إني أحب رسول الله (ص) – فرسول الله (ص) خير من علي (ع) – ثم لا يتبع سيرته ، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً ، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله ، ليس بين الله وبين أحد قرابة ، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته.. يا جابر!.. فوالله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة ، وما معنا براءة من النار ، ولا على الله لأحد من حجة ، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع.

ولنا هذه الوقفات مع هذا الحديث الجميل :
أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟!..
أولاً : التشيع.. إن مشايعتهم (ع) فخر عظيم.. ومن هنا فإن الله عزوجل يصف إبراهيم (ع) بأنه كان من شيعة الأنبياء الذين سبقوه ، إذ يقول تعالى : {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ}.. النبي إبراهيم مشى على درب الأنبياء السلف ، فهو من شيعتهم.. ونحن أيضاُ مشينا على درب النبي المصطفى وآله ، فنحن أيضاً من شيعتهم.. ولكن من هو الذي ينطبق عليه هذا المعنى ؟.. المشايع هو ذلك الذي يضع قدمه ، موضع قدم من شايعه.. الإنسان عندما يتبع جنازة ، ويدّعي أنه شيع جنازة ، لابد أن يمشي خلفها ؛ وإلا إذا كانت الجنازة تسير في جهة ، وهو في جهة أخرى ، سوف لن يكون صادقاً في قوله.. إذن، الذي يدّعي بأنه يشايع عليًا وآل علي ، لابد أن يترقى عن مرحلة المحبة والادّعاء ، إلى مرحلة الإتباع.

فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه…
إمامنا الباقر (ع) -ذلك الإمام الذي بقر علم جده المصطفى ، وكان صاحب تلك المدرسة الكبرى في المدينة- في قسم بالله عزوجل ، يرجع الأمور كلها إلى طاعة الله عزوجل ، وإلى تقوى الله عزوجل.

وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع و الأمانة ، وكثرة ذكر الله…
لنلتفت إلى هذه الكلمة : (وكثرة ذكر الله ) !.. أن يذكر الإنسان الله عزوجل في شهر رمضان ، لا يكفي.. أن يذكر الله في ليالي القدر ، لا يكفي.. لابد أن يكون هنالك الذكر المستوعب.. من أكل وشرب شهراً في السنة ، هل يبقى حياً ؟.. لا شك أنه لا يكتفي بقوته في شهر أو شهرين.. إن ذكر الله تعالى هو قوت الأرواح ، ومن لا يذكر الله عزوجل في مواطن متفرقة من حياته ، فهذا الإنسان ستذبل روحه ، وما بعد الذبول إلا الموت والهلاك.

حَسْب الرجل أن يقول : أحب علياً وأتولاه ، ثم لا يكون مع ذلك فعّالاً ؟.. ثم يقول : من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع.
الذي يجعلون مقياس الولاية الحب ، أو الزيارة ، أو إنشاد الشعر ، أو إقامة المجالس والمراسم ، هنا إمامنا الباقر (ع) يعطينا مقياسًا أدق وأوسع : (من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع).. وإن عاش ما عاش في مشاهدهم المشرفة ، وإن ألف الدواوين في مدحهم ، وهو ليس على منهجهم ، فإنه لن يحقق مصداق المشايعة..

أسأل الله عزوجل ببركة هذه الليالي المباركة ، وببركة ليالي القدر ، أن نبعث بعثاً جديداً ، أن نلد ولادة جديدة !.. حسبنا ما كنا عليه في الأشهر الماضية ، من الانشغال بالشهوات والغفلات !.. اللهم أيقظنا من نومة الغافلين !.. اللهم خذ بأيدينا إليك !.. اللهم لا تجعل للشيطان علينا سبيلا !.. نعوذ بك من همزه ، ولمزه ، وكيده ، ووسوسته !..

ومن هنا من الراجح أن يسأل الإنسان ربه ، أن يبقي له هذه المكاسب ، فإن إبقاء المكاسب أصعب من المكسب نفسه.. فليسأل ربه أن يبقي له هذه المكاسب إلى يوم لقائه.. فإن للصائم فرحتان : فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه.

اللهم أجعلنا ممن يلقاك يوم القيامة ، فرحين مستبشرين !.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى