شرح دعاء الافتتاح

الحلقة الحادية والعشرون

– (وَصَلِّ عَلى سِبْطَيِ الرَّحْمَةِ وَاِمامَيِ الْهُدى، الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبابِ اَهْلِ الْجَّنَةِ، وَصَلِّ عَلى اَئِمَّةِ الْمُسْلِمينَ، عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وَمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وَعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ، وَالْخَلَفِ الْهادي الْمَهْدِيِّ، حُجَجِكَ عَلى عِبادِكَ، وَاُمَنائِكَ في بِلادِكَ صَلَاةً كَثيرَةً دائِمَةً..)..

في دعاء الافتتاح -هذا الدعاء الشريف الذي يعتبر بحق من المحطات التأملية الجميلة- في شهر رمضان يسلم الصائم بعد صيامه على أئمة الهدى (ع) ، هؤلاء الذي بشر بهم النبي (ص) في قوله : (اثني عشر خليفة كلهم من قريش).. ومن المعلوم أن التأريخ الإسلامي لم يقدم لنا لائحة في أسماء اثني عشر خليفة ، يمثلون خلافة الله عزوجل في الأرض وخلافة النبي الأكرم (ص) ، سوى مدرسة أهل البيت (ع) ؛ وهو تأريخ مدون ومنقح.. في خلال قرنين ونصف من الزمن ، هؤلاء يمثلون امتداد النبي (ص) ، مصداق للعترة ، والثقل الآخر بعد القرآن الكريم.. والإنسان حقيقة يمتلكه العجب ، أنه هذا التأريخ الواضح ، وهذه بشارة المصطفى (ص) حيث عبر عن خلفائه بالاثني عشر – وسيرتهم مدونة في الكتب- ، ورغم خصومهم وأعدائهم والحكومات التي توالت على قتالهم ، فإن التأريخ الإسلامي والرواة وحتى خلفاء الجور ، لم يذكروا لهم زلة..

ينبغي علينا بالإضافة إلى حبهم ، والتقرب إلى الله عزوجل بهم ، والسلام عليهم ، وزيارة مشاهدهم ؛ مراجعة سيرهم ، لا مراجعة للبحث عن الفضائل فحسب ، بل للتأسي والسير على منهجهم (ع).. فإن مشكلتنا مشكلة من يكتفي بلوحة زيتية جميلة عن الطبيعة -مثلاً- صباحاً ومساءً ، وهو ينظر إلى هذه اللوحة يتأمل جمالها ، ويمدح ذلك الجمال ، ويتغنى بما فيها من عناصر جمالية ، ولكن من دون أن يصل إلى واقع.. إن أئمة أهل البيت (ع) هم الأسوة والقدوة ، وجاؤوا ليكونوا هم الدعاة إلى الله عزوجل ، وفي الزيارة الجامعة الكبيرة وباقي زياراتهم (ص) ، نرى التأكيد على أن هؤلاء إنما تقدموا الخلق ، ليعلمونا طاعة رب العالمين ، فذكر الله عزوجل هو العمود الفقري لهذه السيرة العطرة..

لو نظرنا إلى حياة الحسين (ص) الذي نسلم عليه في دعاء الافتتاح.. هو من كان في يوم عرفة يقف أمام رب العالمين ، يناجي ربه بفنون الدعوات : إلهي عميت عين لا تراك !.. ألغيرك من الظهور ما ليس لك !..متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك !.. وإذا بهذا الإمام نفسه ، في يوم عاشوراء ، يناجي ربه بنفس اللحن في مقتله ، وهو يقول : إلهي رضاً بقضائك ، وتسليمًا لأمرك ، لا معبود سواك ، يا غياث المستغيثين !.. هذه سيرتهم ، وهذه سنتهم.. ونحن ما أحببناهم لأنهم أولاد رسول الله فحسب ، وإلا فإن في ذرية النبي (ص) إلى يومنا هذا من تنكبوا طريق الهدى ، وإنما أحببناهم لحبنا لله عزوجل ، أحببناهم لأن الله عزوجل تجلى في حياتهم ، وفي سيرتهم..

فإذن، الذي يريد أن يكون على خط أئمة الهدى (ع) ، فإن عليه أن ينظر إلى مواقع التأسي في حياة هؤلاء القادة :

إمامنا زين العابدين ، هو زين العابدين ، وقرة عين الساجدين ، وتاج البكائين.. فالذي يحب علي بن الحسين (ع) ، فإن عليه أن يتشبه بسيرته في هذه النقاط ، قدر الإمكان ، فإن هؤلاء بلغوا ما بلغوا ، ونحن لا نقدر على ذلك ، ولكن التشبه بهم قدر الإمكان.. وإمامنا الباقر والصادق ، هؤلاء حملوا علم جدهم المصطفى ، وبقروا العلم بقراً ، وكشفوا كنوز آل محمد.. فنتأسى بهم ، في أن نكون من الذين يسعون لفهم معالم الشريعة.. والإمام الكاظم (ع) كان يكظم الغيظ أمام أعدائه.. وأين نحن من هذه الصفة ؟!.. وإمامنا الرضا (ع) رضي بقضاء الله وقدره.. ونحن ساخطون على قضاء الله وقدره ، في مقام العمل ، لا في مقام الاعتقاد.. وإمامنا الهادي كان هادياً إلى طاعة ربه.. وإمامنا الجواد (ع) كان مظهراً للجود والفضل في الأمة.. وهكذا.. لنأخذ من كل إمام صفته ، التي سمي بها ، وإن كانت هذه الصفات على نحو المثال ، وإلا كلهم جامعون لصفات الجميع.

وفقنا الله تعالى وإياكم ، لأن نكون من المستنين بسنتهم ، والسائرين على دربهم ، إنه حميد مجيد !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى