شرح دعاء الافتتاح

الحلقة الثامنة

– (اِنَّكَ تَدْعُوني فَاُوَلّي عَنْكَ ، وَتَتَحَبَّبُ اِلَيَّ فَاَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَىَّ فَلا أَقْبَلُ مِنْكَ ، كَاَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ..)..
إن هذه الفقرة من فقرات دعاء الافتتاح تستحق البكاء والتألم وذرف الدمعة ، فهي من الفقرات الموجعة للقلب ، والمثيرة لحالة الأسف والأسى ؛ لما يصل إليه العبد في تعامله مع ربه.. إن رب العالمين في كتابه الكريم ، ومن خلال سنة حبيبه المصطفى (ص) وذريته الطاهرة ، كم دعانا ، كم أمرنا ، كم نادانا بيأيها الذين آمنوا ، كم حذرنا من موارد الهلكة ، كما حذرنا من عدم تجاوز حدوده ؛ ولكن العبد بمخالفته يولي عن ربه ، ويتحدى ربه !..

لو أن إنساناً تجاوز حدود مملكته إلى مملكة أخرى ، ولو شبراً واحداً ، فإنه يعد في عرف الدول إنساناً متسللاً ، اخترق الحدود.. رغم أنه ما تجاوز إلا خطاً وهمياً ، وما تجاوز إلا شبراً ، ولكن هذا يعد اختراقاً للحدود ، ويعد تعدياً على مملكة الغير.. فقد تكون المعصية صغيرة.. قد يكون هناك تطاول على زوجة مسكينة مستضعفة في جوف الليل ، حيث لا ناصر لها إلا الله عزوجل ، ولكن القرآن الكريم يعتبر ذلك تعدياً لحدود الله عزوجل.. ومن هنا قيل : (لا تنظر إلى صغر المعصية , ولكن انظر إلى من عصيت).

– (فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لي ، وَالإحْسانِ إِلَىَّ ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ..)..
إن رب العالمين دأبه مع عباده أنه لا يبادر بالنقمة.. إذ طالما تجاوزنا هذه الحدود قبل شهر رمضان المبارك !.. والكثيرون عندما يدخل الشهر يصومون الشهر ، ولكن بعد أحد عشر شهر من المعصية وتجاوز الحدود ، وبعض الناس ممن هم على مستوى ارتكاب الكبائر وترك الواجبات ، ولكن هم عندما يصومون هذا الشهر فإن رب العالمين يفتح لهم صفحة جديدة في هذا الشهر الكريم ، فيرون في أنفسهم إقبالاً على الله عزوجل.. فإذن، حتى هؤلاء العصاة طوال السنة ، تراهم يعيشون حالة الأنس بهذا الشهر الكريم.

ومن المعلوم أنه في هذا الشهر الكريم الأبواب مفتحة ، وأنفاسنا فيه تسبيح ، وهذا النوم الذي هو الموت الأصغر يتحول في شهر رمضان إلى عبادة ، والدعاء فيه مستجاب ، وأيدي الشياطين مغلولة.. فهنيئاً لمن أغتنم هذه الفرصة النادرة ، ليقيم علاقة جديدة مع ربه !.. ثم هذه العلاقة التي نقيمها مع رب العالمين من بركات أسحار هذا الشهر المبارك ، لنحاول أن نبقيها طوال السنة.. هذا الإنس ، وهذه المصالحة ، وهذه العودة والإنابة إلى الله عزوجل المكتسبة في هذا الشهر الكريم ، علينا أن نستصحبها ، وأن نعممها ، وأن نتزود منها طوال السنة ، لنكون من عباده الصالحين.

– (فَارْحَمْ عَبْدَكَ الْجاهِلَ ، وَجُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ إِحْسانِكَ إنَّكَ جَوادٌ كَريمٌ.. )..
ثم هو يقدم اعتذارًا لربه ، ويقول يا رب، أنا الذي قمت به باعتبار جهلي..
ولكن أقول أخيراً : يوم القيامة عندما يتعذر العبد ، ويتمسك بعذرية الجهل ، يأتيه الخطاب هلا تعلمت !.. إذن، العتاب في محله.. لنحاول في هذا الشهر المبارك ، أن نخرج بزاد لا يفارقنا طوال العام ، إلى أن نلتقي بالله عزوجل ، ليرينا وجهه الكريم ، بمنه وكرمه ، إنه سميع مجيب !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى