شرح دعاء الافتتاح

الحلقة السادسة

من المناسب أن يجعل الإنسان المؤمن لنفسه محطتين ، في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك : محطة في أول الليل بهذا الدعاء الشريف ، ومحطة في آخر الليل في ضيافة إمامنا زين العابدين (ع) ، حيث دعاء السحر وتلك المناجاة البليغة.. فإن الالتزام بقراءة هذه الأدعية بتوجه ، من موجبات الخروج من هذا الشهر المبارك ، لا بغفران الله عزوجل فحسب ، بل برضوانه.

– (اَللّـهُمَّ إِنَّ عَفْوَكَ عَنْ ذَنْبي ، وَتَجاوُزَكَ عَنْ خَطيـئَتي ، وَصَفْحَكَ عَنْ ظُلْمي وَسِتْرَكَ عَنْ قَبيحِ عَمَلي ، وَحِلْمَكَ عَنْ كَثيرِ جُرْمي ، عِنْدَ ما كانَ مِنْ خَطئي وَعَمْدي ، أَطْمَعَني في أَنْ أَسْأَلَكَ ما لا أَسْتَوْجِبُهُ مِنْك..)..

في هذه الفقرة العبد يشير إلى صفح المولى جل وعلا.. إن الإنسان لو تأمل في حياته اليومية ، لرأى أن الحياة كأنها صفحة متكررة ، ورأى نفسه فيها يتقلب تارة بين المعصية ، وتارة بين الغفلة ، وعلي (ع) في دعاء كميل يشير إلى هذا الواقع ، إذ يقول : (وَكَثْرَةِ شَهَواتِي وَغَفْلَتِي).. هب أن الإنسان وقى نفسه من المعاصي -وهذه درجة عالية ، أن يصل العبد إلى مرحلة العدالة أو العصمة النازلة- ، ولكن ماذا نعمل بالغفلات !.. كم من الساعات التي أمضيناها بالغفلة عن ذكر الله عزوجل ؟!..

لو أن الإنسان نظر إلى الساعات الضائعة من حياته ، في حال الغفلة والسهو ، والسكوت الذي لا تدبر معه ، في الحضر أو في السفر ، وجمع هذه الساعات ، لانتابته حالة من حالات الأسف والأسى.. ومن هنا فإن يوم القيامة هو يوم التغابن -يوم الحسرة- ، لا من الذنوب فحسب ، وإنما من الساعات التي لم نستثمرها حق الاستثمار.. ومن منّا صام هذا الشهر المبارك حق صيامه ؟!.. ومن منّا قام في هذا الشهر المبارك حق قيامه ؟!.. وعليه، فالخوف في محله بأن يكون الإنسان ممن صدق فيهم هذا القول : كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ !.. وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء !..

ومن الراجح أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة تأملية ، لينظر ماذا تغير في وجوده عن شهر رمضان المنصرم.. ليسأل نفسه : ما الذي حصل عليه من نمو ذاتي باطني ، وقد مرت عليه سنة كاملة بمواسمها العبادية المتميزة ؟!.. أين النمو الذاتي ؟!.. أين كراهة المنكر ؟!.. أين حب الواجب ؟!.. أين الأنس يذكر الله عزوجل ؟!.. كم بلغنا من القرب من الله عزوجل ، بحيث نعيش حالة الحب الإلهي ، الذي يغطي ويسيطر على كل حب سواه ؟!.. هذه أسئلة علينا أن نجيب عليها.. وهنيئاً لمن رأى في نفسه نمواً يعتد به ، نمواً في الباطن -في الجوانح- ، إضافة إلى الإطاعة في الجوارح..

جعلنا الله تعالى ممن جمع بركة الباطن والظاهر -الجانحة والجارحة- بحق محمد وآله !.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى