شرح دعاء أبي حمزة الثمالي رضي الله عنه

الحلقة الثالثة عشر

الجامعية في دعاء المؤمن

– (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، وَاجْزِهِمَا بِالإِحْسَانِ إِحْسَاناً، وَبِالسَّيِّئَاتِ غُفْرَاناً..).. إن البعض -مع الأسف- يعلق مسألة إكرام الوالدين ببعض المقامات العلمية والعملية ، فإذا رأى والده عالماً عاملاً ، يحترمه لعلمه وعمله !.. والحال بأن عنوان الأبوة وعنوان الأمومة من العناوين المستلزمة للإكرام في نظر الشريعة ، حتى أن الشارع المقدس لم يقيد إكرام الأبوين والإحسان إليهما بقيد الإيمان والتقوى والطاعة ، كما نفهم من هذه الآية الملفتة : {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.. فإذا كان الكفر لا يمنع من مصاحبة الأبوين بالمعروف ، فكيف إذا كانا مؤمنين ؟..فكيف إذا كانا بارين تقيين وفيين ومكرمين للولد ؟..

إن من موجبات نزول الغضب الإلهي -كما نفهم من الروايات المختلفة- هو عقوق الوالدين.. لأنهما ربيا ولداً وحاله كالصدف المغلق ، وهما لا يعلمان هل سيبقى حياً أم لا ؟.. هل سيكون وفياً لهما أم لا ؟.. هل سينتفعان منه عملاً أو مالاً أم لا ؟.. فبحق إن إكرام الأبوين لولدهما من أعلى صور الوفاء في الوجود !.. حتى أننا نلاحظ – في بعض الحالات- أن الأبوين رغم علمهما بأن الولد سيموت بعد سنوات لمرض فيه ، إلا أنهما لا يقصران في إكرام وتربية هذا الولد.. ومن هنا أمرنا بالمبالغة في حقهما.. أضف إلى أن هذا من شعب الشكورية في الإنسان المؤمن ؛ فالمؤمن إنسان شكور ، ومن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.

– (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَتَابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالْخَيْرَاتِ..).. إن البعض قد يسأل : هل هنالك استجابة للدعاء في طلب المغفرة للأموات ؟.. نعم، الميت وهو في عالم البرزخ منقطع إلى الله ، ونفهم من خلال النصوص الشريفة أن ملف أعمال الميت مغلق إلا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له.. فهنيئاً لمن انتقل من هذه الدنيا ولم تغلق ملفات أعماله ، بأن جمع الله تعالى له بين هذه الأمور الثلاث !.. ومن الممكن أن يكون الإنسان عاقاً لوالديه في حياتهما ، ثم يكتب باراً لهما بعد الموت ، وذلك بالدعاء لهما.

– (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، ذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، صَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، حُرِّنَا وَمَمْلُوكِنَا..).. نلاحظ أن الإمام (ع) ما ترك أحداً من دعائه الشريف ، ولم ينسَ حتى العبد المملوك المتعارف عليه في تلك الأيام ، مما يعكس لنا شدة رأفته (ع).. وقد ورد في بعض الأدعية أيضاً التأكيد على الدعاء للجيران ، وفي هذه دلالة على أن المؤمن في جوف الليل يذكر الجميع من إخوانه المؤمنين.. وقد كانت الزهراء (ع) تقف في محراب العبادة وتدعو طويلاً للآخرين ، فتسأل من قبل ولديها الحسن أو الحسين أنه لماذا هذه الدعوة المبالغة ؟.. فتقول : يا بني ، الجار ثم الدار..

نسأل الله عزوجل أن يقدر لنا من يدعو لنا بعد موتنا إن الله سميع مجيب !..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى