شرح دعاء أبي حمزة الثمالي رضي الله عنه

الحلقة الحادية عشر

– إن من المقامات المقدسة والنورانية التي يعوّل عليها ، وتقترب فيها الإجابة ، هي : مقام إبراهيم ، والحطيم ، والميزاب ، والمستجار ، والمسعى ، وأرض عرفة ، ومشاهد أئمة أهل البيت (ع)… إلا أن هنالك مقام مقدس آخر ، ألا وهو مقام المصلي بين يدي ربه ، حيث يقف الإنسان في مصلاه لمناجاة الله عزوجل.. فهذا المقام مقام جليل ، سواء كان في شهر رمضان ، أو في غيره من الشهور.. ومن هنا فإنه يستحب للمؤمن أن يتخذ في بيته مسجدا ، بأن يخصص له مكان يفزع إليه كلما أراد أن يناجي ربه.. حتى أنه ورد أيضاً استحباب نقل المحتضر إلى موضع صلاته في منزله ؛ لأنه مقام مقدس ، مقام ناجي فيه ربه.. ومن المعلوم بأن البيوت التي يذكر فيها الله عزوجل ، ويتلى فيها القرآن الكريم ، فإنها تضيء لأهل السماوات كما تضيء النجوم لأهل الأرض..

ولهذا فإن الإمام (ع) في هذه العبارة يذكر هذا المقام المقدس لربه ، فيقول : (يَا رَبِّ هَذَا مَقَامُ مَنْ لاَذَ بِكَ وَاسْتَجَارَ بِكَرَمِكَ..).. ومن الممكن أن الله عزوجل إذا رأى عبده في تلك الهيئة ، وهو في حال خضوع وخشوع ، فإنه يباهي به الملائكة المقربين ؛ فالملائكة موجودات مجبولة على العبادة ، قوتها التسبيح والتهليل ، بينما هذا العبد -الذي يصفه القرآن الكريم بالتجافي عن المضاجع- قام باختياره لمناجاة ربه تاركاً للذيذ فراشه.

– (وَقَدْ تَوَثَّقْنَا مِنْكَ بِالصَّفْحِ الْقَدِيمِ..).. أي أن الرب تعالى معروف بالصفح القديم ، هذا الصفح الذي تجلى في حياة الأنبياء والمرسلين في مواقفهم مع الطواغيت والكفار والفجرة.. وقد سجل التاريخ لنا موقف النبي الأكرم (ص) عندما دخل مكة فاتحاً.. فبرغم كل الإساءة والأذى النفسي والجسدي الذي تعرض له هو وأصحابه صلوات الله وسلامه عليه ، إلا أنه عفا عنهم ، وكانت تلك كلمته الخالدة : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) !.. فإذا كان النبي هكذا وهو المبعوث من قبل الله عز وجل ، فكيف برب العالمين ؟!.. وهو الذي سبقت رحمته غضبه ، وهو الذي تسمى بالغفور الرحيم ، وهو الذي كان يوصي الأنبياء باللين في القول في التعامل مع الطواغيت ، كما في أمره تعالى لهارون وموسى عند ذهابهما إلى فرعون : {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.

– (يَا رَبِّ إِنَّ لَنَا فِيكَ أَمَلاً طَوِيلاً كَثِيراً..).. لا شك أن رب العالمين إذا رأى في عبده هذه الثقة ، وهذه الحالة من الركون إلى رحمته ؛ فإنه لن يخيب عبده أبدا.

– (يَا غَفَّارُ بِنُورِكَ اهْتَدَيْنَا، وَبِفَضْلِكَ اسْتَغْنَيْنَا، وَبِنِعْمَتِكَ أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا، ذُنُوبُنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ مِنْهَا وَنَتُوبُ إِلَيْكَ..).. ما أجمله من مقطع !.. وأنعم باتخاذه ورداً لمناجاة الرب عزوجل في كل حين ، في قنوت ، أو في خلوة !..

فإذن ، إن تذكر التعامل الإلهي مع عباده في طوال التأريخ ، ذلك التعامل المليء باللطف والكرامة ؛ من موجبات سكون العبد وارتياحه إلى المغفرة الإلهية.. وما ذلك على الله بعزيز !..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى