شرح أدعية أيام شهر رمضان المباركمحاظرات أبوظبي

شرح دعاء اليوم الحادي والعشرون

(اَللّـهُمَّ !.. اجْعَلْ لي فيهِ إلى مَرْضاتِكَ دَليلاً ، وَلا تَجْعَلْ لِلشَّيْطانِ فيهِ عَلَيَّ سَبيلاً ، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ لي مَنْزِلاً وَمَقيلاً ، يا قاضِيَ حَوائِجِ الطّالِبينَ !).
– (اَللّـهُمَّ !.. اجْعَلْ لي فيهِ إلى مَرْضاتِكَ دَليلاً…) :

في هذا اليوم الإنسان يدعو الله عزوجل أن يجعل له سبيلاً إلى مرضاته.. فبالنسبة إلى الحلال والحرام فإن الأمر سهل.. فالإنسان يراجع فتوى مقلَّده ومرجعه في أن يعرف الحلال والحرام ، فيعرف الحلال فيرتكبه ، ويعرف الحرام فيجتنبه ، فإذا ثبت يوم القيامة أنه كان مشتبهاً في ذلك وارتكب الحرام الواقعي وهو لا يعلم ، فلا مؤاخذة أبداً عليه يوم القيامة ، والذي عليه الحساب هو المجتهد ، هو الذي يُحاسَب ، فإن كان دقيقاً في اجتهاده أثيب ، وإن لم يكن دقيقاً في اجتهاده يعاقب ، أما المقلِّد فلا شيء عليه.

ولكن المشكلة الأساسية في الموضوعات ، التي لا رأي للفقيه فيها.. الإنسان في حياته اليومية يكون في مفترق طرقات ، وتعرض عليه أمور كثيرة ويتحير فيها.. يصادق من ؟.. هل هذا الإنسان صالح ليصادقه ؟.. هل هذا العمل التجاري أو غيره راجح لأن يدخل فيه ؟.. هل هذه السفرة نافعة ؟.. هل هذا الزواج مبارك ؟.. هل هذا القطع محمود ؟.. هل هذا الوصل مذموم ؟.. يعيش الحيرة في كثير من أموره الحياتية ولا يدري ماذا يعمل ، وليس هناك حكم شرعي في البين ، وهنا مشكلة المؤمنين أنه لا يعلم أين يقدم ، وأين يحجم ، ومتى يقطع ومتى يصل… ولطالما مشى الإنسان في درب أعوج ، ليس بحرام ، صادق إنساناً -مثلاً- لا يستحق المصادقة ، ولو حسب الأيام التي أمضاها مع هذا الإنسان ، فهي أيام طويلة من حياته ، وإذا تبين بأنه لا يستحق المعاشرة ، ومن المعلوم في يوم القيامة أن الإنسان يتبرأ من الإنسان الذي اتخذه خليلا ، فيقول : {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}..

إذن المشكلة في الموضوعات ، إذ أننا لا نعلم ماذا نعمل ، وهي أمور مهمة !.. قد يقول قائل : وما لي وللموضوعات ، ما دام الأمر حلال ، لارتكبه !.. نعم، ولكن ماذا يعمل بالخسران !.. هو حلال ، ولكن شغله عن ما هو أهم !..

وعليه، من المناسب أن يسأل الإنسان الله عزوجل أن يجعل له إلى مرضاته سبيلا ، ويلهمه السبيل الأفضل في الحياة ، وهذا هو المسمى بالنور الإلهي.. ومن المعلوم أن هذا النور لا يعطى لكل أحد !.. الرسالة العملية متاحة في المكتبات ، وبالإمكان أن يشتري بدراهم معدودة رسالة عملية في الواجبات وفي العبادات والمعاملات ، ويرتاح من مسألة الحلال والحرام.. أما النور ، فكما يقول تعالى : {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.. هذا النور لا يشترى ، هذا النور لا يوجد في بطون الكتب مباشرة ، هذا النور يعطيه الله عزوجل لمن يشاء : {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء}.. ولكن كيف يشاء ، ومتى يشاء ، ولمن يشاء ؟.. لا ندري !.. إذن، الدعاء في هذا المجال والتوسل إلى الله عزوجل نعم السبيل لامتلاك هذا النور.

– (وَلا تَجْعَلْ لِلشَّيْطانِ فيهِ عَلَيَّ سَبيلاً…) :

ورد عن الإمام الصادق (ع) : (لا تعوّدوا الخبيث).. فإن الشيطان خبيث يأتي الإنسان المرة والمرتين ، فإن طرده من بابه ذهب ويئس ؛ أما لو عوده على الحرام فإنه يعتاد لما عوّد.. وقد يكون الشيطان لا سبيل له على بني آدم إلا في حقل معين ، فقد يكون الشيطان يائس من أن يغير اعتقاده ، وقد يكون الشيطان يائس من أن يحوله من الولاية إلى بغض أهل البيت (ع) ، وقد يكون الشيطان يائس من أن يوقعه في الربا والسرقة ، ولكن هو في مسألة النساء ضعيف أو العكس.. والشيطان يكفيه أن يدخل على الإنسان من باب واحد.. ولهذا في جبهات القتال الجيش المعادي أو المهاجم لا يتوقع أن تفتح له الجبهات جميعاً ، هو ينتظر ثغرة واحدة في الحدود ، لينفذ من خلال تلك الثغرة ، وليستولي على المملكة الأخرى.. هكذا في عالم الحروب وهكذا في حرب الشيطان.. الشيطان لا يريد من الإنسان أن يستسلم له في كل شيء ، فإن نوادر العصاة الفسقة المحترفين الذين هم يرتكبون جميع المعاصي ، ولكن المؤمن العادي يريد أن ينفذ فيه من خلال ثغرة واحدة ، فيعشعش في وجوده..

ومن المعلوم أن القلب الذي سكنه الشيطان ولو من باب واحد -لقلبه خمسون باباً ، ودخل من باب واحد- ، فإن هذا القلب قلب شيطاني ، غير إلهي ، وهذا النور -الذي قلنا عنه قبل قليل- لا يأتي في هذا القلب ؛ فإذا دخل الشيطان في قلبه من زاوية واحدة ، فقد تحول إلى موجود شيطاني ، والله عزوجل لا ينظر إلى هذا القلب.. ولهذا فإنه ينبغي للمؤمن الاستغفار الدائم المتواصل ، لكي لا يجعل للشيطان على نفسه سبيلا..

وهناك عبارة منقولة عن الشيطان : إن الإنسان يصل إلى بعض الحالات يكون كالكرة بين يدي الشيطان ، يقلبها كيفما شاء !.. وهذه مرحلة متقدمة في الخضوع للشيطان اللعين الرجيم.. كما في قوله تعالى : {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون}.. {أَسَاؤُوا السُّوأَى} أي أن هناك أخطاء ، ولكن ثمرة هذه الأخطاء المتوالية ، {أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}.. ولهذا يقال المعاصي المتراكمة المتوالية ، قد تؤدي في يوم من الأيام إلى أن تسلب العقيدة الصحيحة ، وتدخل في مصاف الكفار والمشركين.

أجارنا الله من سوء العواقب ، بحق محمد وآله !..

صوت المحاضرة: شرح دعاء اليوم الحادي والعشرون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى