شرح أدعية أيام شهر رمضان المبارك

شرح دعاء اليوم العشرون

(اَللّـهُمَّ !.. افْتَحْ لي فيهِ أَبْوابَ الْجِنانِ ، وَاَغْلِقْ عَنّي فيهِ أَبْوابَ النّيرانِ ، وَوَفِّقْني فيهِ لِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ ، يا مُنْزِلَ السَّكينَةِ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنينَ ! ).
– (اَللّـهُمَّ !.. افْتَحْ لي فيهِ أَبْوابَ الْجِنانِ ، وَأَغْلِقْ عَنّي فيهِ أَبْوابَ النّيرانِ…) :

من المعلوم أن أبواب النيران تفتح يوم القيامة.. ومن الطبيعي أنه يوم القيامة يوم يحشر الله عزوجل الناس المؤمنين -يحشرهم وفداً- إلى الجنة ، وكذلك يؤتى بالكافرين زمراً زمرا إلى النار ، أن يقول العبد يوم القيامة عندما يرى النار بلهيبها : (اللهم !.. أغلق عني أبواب النيران).. ولكن العبد وهو في الدنيا ، يسأل ربه أن يغلق عنه أبواب النيران.. فإن الأعمال التي نؤديها لها صورة مادية ، ولها صورة برزخية.. والصورة المادية قد تكون صورة لذيذة : كالاستمتاع المحرم بالنساء ، وأكل الحرام ، وأكل الميتة الشهية ، والاغتياب الانتقامي… كل ذلك فيها مطابقة للمزاج وللشهوة..

إن المؤمن إذا رأى الصورة البرزخية للأعمال ، فإنه لا يحتاج إلى مجاهدة ومعاندة مع النفس ، فهو يرى ملكوت الأمور ، ورؤية الملكوت في الواجبات والمستحبات ، يجعله ينساق قهراً ، فلا ينفك عن الواجب والمستحب.. وإذا رأى الصورة الملكوتية للحرام ، لا ينفك عن ترك الحرام.. فالذي يريد أن يمد يده إلى مال اليتيم ، شأنه شأن من يمد يده إلى جمرة.. هل رأيت إنساناً يقول لأحد : يا فلان، لا تمد يدك إلى الجمرة ؟!.. إذا قال له ذلك ، فسيقول : أنت تستهزئ بي !.. تظن بي قلة العقل !.. وأي عاقل يمد يده إلى الجمرة ؟!.. نعم، لو كانت الجمرة محاطة بالرماد الكثيف ، بحيث الإنسان لا يرى ناراً ، ولا يرى أثر نار أبداً ، فمن المحتمل أن يمد يده للرماد ، لظنه بأنه لا جمرة تحت الرماد ، وهنا بالإمكان أن تقول له : احذر الرماد الذي يغطي الجمرة..

المؤمن يرى ملكوت الأمور.. والقرآن الكريم ذكر بعض العينات للملكوت :
فملكوت أكل مال اليتامى هو أكل النار : {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.. وملكوت الغيبة هو أكل للحم للميتة : {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}.. والمعاملة الربوية بمثابة الحركات الجنونية : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} .. والقرآن كان بإمكانه أن يعطي صورة ملكوتية لكل حرام ولكن هذه عينة.. والصورة الملكوتية للإنسان المتكبر ، أن يرى نفسه نملة حقيرة في عرصات القيامة تطؤها الأقدام.. لأنه في الدنيا تكبر على العباد ، فتحول إلى ذرة تافهة في عرصات القيامة.. والصورة الملكوتية للإنسان الزاني ، هو التشبه بالخنزير الذي لا غيرة له..

وكذلك بالنسبة للطاعات : إن الإنسان المؤمن ينظر إلى الطاعات على أنها نفحات من نفحات الجنة ، فقصوره في الجنة متوقف بناؤها على هذه الطاعات ، فكل عمل يعمله يتحول إلى لبنة في قصره في الجنة ، كما في الحديث عن النبي (ص) : (لما أُسري بي إلى السماء دخلتُ الجنة فرأيت فيها قيعان ، ورأيت فيها ملائكةً يبنون لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة وربما أمسكوا ، فقلت لهم : ما بالكم قد أمسكتم ؟.. فقالوا : حتى تجيئنا النفقة ، فقلت : وما نفقتكم ؟.. قالوا : قول المؤمن : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .. فإذا قال بنينا ، وإذا أمسك أمسكنا).

فإذن، الإنسان إذا تحول إلى هكذا موجود ، فإنه يتحول إلى إنسان حريص على الطاعة.. لو أن إنساناً مقبل على الزواج ، وهو يحتاج إلى سكن ، وهذا السكن يحتاج إلى أن يشتري له بعض المواد الخام من السوق ؛ ألا تراه من الصباح إلى المساء وهو يبحث عن مستلزمات السكن ، لما يتصور من السعادة عندما يتحول إلى هذا البيت الجديد ؟..

نعم، المؤمن الذي يرى ملكوت قصوره في الجنة ، وأنها قصور ناقصة ، فكل صيام ، وكل آية ، وكل صلاة ، وكل ركعة ، وكل ذكر… ؛ فإنه يتحول إلى رصيد وإلى مادة خام في الجنة ، على شكل لبنة ذهبية فضية ، أو شجرة باسقة ، أو وردة ذي رائحة فواحة… ؛ عندئذ يتحول إلى إنسان حريص على الطاعة.

ولهذا أئمتنا (ع) في حياتهم العبادية كانوا حريصين أشد الحرص على الطاعة ، حتى أن أحد المعصومين يرى ابنه يتعب نفسه في العبادة ، فيأمره بأن يرفق بنفسه.. لمَ هذا التعب ومن المعلوم أن لهم ما لهم من المنازل العالية ؟!.. والزهراء (ص) ما الذي كان يدفعها لأن تقف في محراب عبادتها حتى تورمت قدماها ؟.. هي غافلة عن نفسها ، تستلذ بالعبادة ، وتحرص على الطاعة ، بحيث تنسى نفسها في خضم الوقوف بين يدي الله عزوجل..

– (وَوَفِّقْني فيهِ لِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ…) :

هناك توفيق عام ، وتوفيق خاص..
التوفيق العام : أن يأخذ الإنسان القرآن الكريم بيده ويتلوه بفهم ، أو بغير فهم ؛ وبتفاعل أو بغير تفاعل..

ولكن التلاوة الخاصة : أن يتجلى له الله عزوجل في تلاوة كتابه.. فإن الصلاة حديث العبد مع الرب ، والقرآن الكريم حديث الرب مع العبد.. الله عزوجل قد يشتهي -إن صح التعبير- أن يتكلم مع عبده ، فيدفع عبده دفعاً إلى أن يفتح كتابه ، فإذا قرأ الكتاب تجلى له في كتابه ، وفرح بكتاب ربه.. ولهذا هو كلما مر بآية فيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ، وكأنه المعني الوحيد بالخطاب ، فيقول : لبيك اللهم !.. ماذا تريد مني في {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ؟.. يا رب، تخاطبني أنا !.. تقول : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} !.. وتعنيني أنا !.. جعلتني أهلاً لخطابك !.. أين رب الأرباب ، وهذا التراب الزائل !.. جعلتني أهلاً لخطابك !..

إذن، تلاوة الكتاب الكريم بهذا المعنى ، حقيقة قد لا نقرؤها آية واحدة في شهر رمضان بهذه اللذة ، وبهذا الإحساس.. ومن المعلوم بأنه إنما يعرف القرآن من خوطب به ، والمخاطب الأول هو النبي (ص) وذريته الطيبون (ع) ، والمخاطب الثاني من استن بسنتهم ومشى على هديهم.

وفقنا الله وإياكم ، لأن نكتشف كنوز كتابه !.. إنه سميع مجيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى