شرح أدعية أيام شهر رمضان المبارك

شرح دعاء اليوم التاسع عشر

(اَللّـهُمَّ !.. وَفِّرْ فيهِ حَظّي مِنْ بَرَكاتِهِ ، وَسَهِّلْ سَبيلي إلى خَيْراتِهِ ، وَلا تَحْرِمْني قَبُولَ حَسَناتِهِ ، يا هادِياً إلى الْحَقِّ الْمُبينِ !).
– (اَللّـهُمَّ !.. وَفِّرْ فيهِ حَظّي مِنْ بَرَكاتِهِ…) :

من المعلوم أن لكل يوم بركة ونور ، ولكل شهر بركة ونور.. فالله عزوجل كما أنه يقدر الأقوات في كل يوم بحساب وبكتاب وبمعادلات لا يعلمها إلا هو ، كذلك الأمر في الأرزاق المعنوية ، فإن البركات اليومية أيضاً بركات مختلفة ومتغيرة.. ولهذا فالمؤمن في أول الصباح عندما يصلي الفجر ، حقيقةً لو كشف له الغطاء فإنه يعيش حالة القلق والوجل !..

لو أن إنساناً يقتات من باب ملك ، وهو لا طعام له في النهار أبداً ، والمصدر الوحيد للطعام هو باب الملك ، وهذا الباب يفتح في ساعات معينة أول النهار ، ألا يحرص هذا الإنسان على أن يأخذ إناءه ويقف على باب الملك ؟.. وهو يعلم أنه لو حرم الرزق في تلك الساعة ، فإنه سوف لن يعوض في الساعات الأخرى..

إن الروايات تؤكد بشدة على أن نستيقظ بين الطلوعين ، وأنه أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض ؛ لأن الله عزوجل في هذه الساعة يقسم الأرزاق : مادةً ومعنىً ، توفيقاً وخذلاناً ، سقماً وصحةً ، عزةً وذلةً… الأرزاق تقسم في هذه الساعة ، ولهذا طالما حرمنا بعض البركات ، ولو كشف لنا الغطاء ، لكان كما في مضمون الحديث : أن المؤمن عندما يرى بعض المنازل في الجنة ، ويقال له هذا منزلك في الجنة ، ولكنك حرمته بتقصيرك في ذلك ، فيموت حسرة.. على سبيل المثال : فقد ورد في مضمون بعض الروايات : أن من يحفظ بعض الآيات أو السور من القرآن الكريم وينساها ، فإنه يفقد بعض الدرجات في الجنة..

إذن، من الطبيعي جداً أن الإنسان المؤمن يحاول من أول النهار أن يحوز على أكبر بركة من بركات ذلك اليوم.. فالجلوس بين الطلوعين له أثر في بركات النهار ، وصلاة الليل لها أثر في بركات النهار.. وقد ورد في حديث قدسي غريب ومثير في المضمون ، عن الرضا (ع) : (أوحى الله عزّوجلّ إلى نبيّ من الأنبياء إذا أُطعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية .. وإذا عُصيت غضبت ، وإذا غضبت لعنت ، ولعنتي تبلغ السابع من الوراء).

فينبغي للمؤمن أن يكون حريصاً في أول النهار على طلب البركات.

– (وَسَهِّلْ سَبيلي إلى خَيْراتِهِ…) :

إن بعض الناس يعيش حالة الفقر أو الكفاف ، ويتحسر على أنه متخلف عن ركب الخيرات.. والحال بأن القرآن الكريم يقول : {بِيَدِكَ الْخَيْرُ}.. الخير بيده تعالى ، ومن المناسب أن يكثر الإنسان سؤال الرب تعالى ، أن يجري الخير على يديه للناس ، بأي سبيل يقدره ويسهله سبحانه وتعالى.. وليس الخير محصور في أن يعطي الإنسان درهماً لوجه الله عزوجل.. فإن البعض منا بكلمة واحدة ، وبموعظة غير مقصودة ، فإنه يفتح بها قلباً من القلوب ، ويدخل في ركب من قال الله تعالى عنهم : {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.. بكلمة منه ، يهتدي إنسان ، فيلتزم ببيوت الله عزوجل ، وتؤمن وتتدين أسرته ، وإذا بجيل يتغير ، وهذا الجيل يفرز جيلاً فجيلاً فجيلاً.. ويأتي الرجل يوم القيامة ، وإذا كجبل أبي قبيس من الحسنات ، فيتعجب من ذلك ، ويقول : يا ربي ، من أين هذا ؟!.. أنا لم أعمل بما يوجب لي هذا ؟!.. فيقال : لقد تكلمت كلمة عابرة مع شخص ، وقلبت كيانه ، وإذا بهذا الإنسان أصبح منشأ لهداية الآلاف إن لم يكن الملايين إلى يوم القيامة..

أليس هذا خير ؟.. قد الإنسان يبني مستشفى مسجداً ، وبعد سنوات يؤول أمره إلى الدمار والهدم -كما رأينا كثير من هذه الأمور- ، أما هذه الصدقة فلم يعلمها إلا الله عزوجل.. النبي (ص) في يوم من الأيام في المدينة ، قام بحركة أسلم فيها يهودي ، فشكر الله عزوجل على هذه النعمة ، وقال : الحمد لله الذي أنجى بي نسمة من النار !.. ولعل النبي (ص) فرح بهذه النعمة ، أكثر من فرحه ببعض الانتصارات في الغزوات.

قال الباقر (ع) : (كان غلام من اليهود يأتي النبي (ص) كثيراً حتّى استخفّه وربّما أرسله في حاجته ، ورّبما كتب له الكتاب إلى قومه ، فافتقده أياّماً ، فسأل عنه فقال له قائلٌ : تركته في آخر يوم من أيام الدنيا ، فأتاه النبي (ص) في أناس من أصحابه – وكان له (ع) بركةٌ لا يكلّم أحداً إلا أجابه – فقال : يا فلان !.. ففتح عينه وقال : لبّيك يا أبا القاسم !.. قال : قل : أشهد أن لا إله إلا اله ، وأني رسول الله ، فنظر الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئاً ، ثمّ ناداه رسول الله (ص) ثانيةً ، وقال له مثل قوله الأول ، فالتفت الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئاً ، ثمّ ناداه رسول الله (ص) الثالثة فالتفت الغلام إلى أبيه ، فقال : إن شئت فقل وإن شئت فلا ، فقال الغلام : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، ومات مكانه. فقال رسول الله (ص) لأبيه : اخرج عنّا !.. ثم قال (ع) لأصحابه : اغسلوه وكفنوه ، وآتوني به أصلّي عليه ، ثم خرج وهو يقول : الحمد لله الذي أنجى بي اليوم نسمةً من النار).

إذن، ينبغي للمؤمن في أول النهار أن يطلب من الله عزوجل بركات ذلك اليوم ، المقدرة وغير المقدرة ، فإنه بالدعاء تكتب له هذه البركات.. وقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص) : (إنّ الرزق لينزل من السماء إلى الأرض على عدد قطر المطر إلى كلّ نفسٍ بما قدّر لها ، ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله).

وفقنا الله وإياكم ، أن يعطينا الزيادة في الرزق !.. إنه سميع مجيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى