سلسلة محاضرات السفر إلى الله

الاعتراف بالواقع السيئ

– إن غاية خلق الله –عز وجل- لعباده، هو إيصالهم إلى الكمال النهائي الذي يحقق لهم السعادة الأبدية، فقد خلقهم تفضلاً منه تعالى، لا لحاجة منه إليهم -وهو سبحانه الغني المطلق- وإنما لينعموا بفضله وخيره.. خلقهم للبقاء لا للفناء، ويؤيد ذلك هذا الحديث القدسي: (كنت كنزا مخفياً، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف).. إن رب العالمين مستغرق في عزه وجلاله وكماله، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، فهو إله وإن لم يعبد من قبل أي مخلوق، وسيأتي يوم القيام وينادي فيه: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟.. وإذا بالسائل هو نفسه المجيب: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.. إن ربا بهذه العظمة والقدرة وبهذه الملكات، ألا يجدر بنا أن لا نلتفت إلى سواه؟!..

فإن بيده كل حاجاتنا وكل ما نريد، وعنده خزائن كل شيء: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.. ولكنه –تعالى- ينزل بقدر، ولا يعطي إلا عن استحقاق..

ومن الخسران أن يرتبط الإنسان بغير الله تعالى.. أحد العلماء الكبار كان يقول: كم من القبيح أن نرى فقيراً يستجدي فقيرا مثله!.. فالذين في الحياة الدنيا يجعلون عيونهم على الغير وأملهم بالغير، فهؤلاء مساكين، ورب العالمين يقول في شأنهم: (لأقطعن أمل كل مؤمل غيري).. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يركن إلى الناس، ولكن عليه أن لا ينسى أن الله –تعالى- هو السبب لكل ذي سبب، وهو سبب من لا سبب له..

– الحمد لله أن وفقنا لأن نفتح قلوب عباده على ذكره تعالى.. ومن المتوقع -إن شاء الله- بعد هذه الأحاديث المباركة، أن نجد من قد غيّر مساره في الحياة، وقد رأيت في هذا العام بعض الوجوه الخاشعة من الذين تأثروا وتابعونا في محرم الماضي، ويبدو -بحمد لله- أن هنالك نفوسا متعطشة للمعاني الإلهية. .ومن أفضل البلاد المناسبة لزرع التكامل النفسي هي البلاد المترفة، التي يصل فيها العبد إلى بغيته، لأن الجميع وصل إلى طريق مسدود، والدنيا تذوقها بجميع ما فيها من اللذائذ، ولم يترك متعة في الحياة إلا وقد ارتكبها.. أحدهم راجعني وقال: بأنه جرب أنواع اللذائذ حتى ملَّها، وما بقيت لذة في هذا الوجود لم يجربها، ولم يصل إلى شيء!.. بل أنه يعيش الاكتئاب، والضيق، والتبرم، وحالة من حالات الملل الباطني.. ومن المعلوم بأن جو الاكتئاب، وأغلب الحالات النفسية المرضية متفشية في الأغنياء أكثر من الفقراء.. فما دام أن البعض قد جرب كل متع الحياة الدنيا حتى الملل، فليبدأ عالماً جديداً، فهو سافر إلى ما سافر، فليبدأ سفرة أخرى، وهذه هي السفرة النهائية!..

– لو التفت الإنسان إلى باطنه ونظر إلى تركيبة نفسه، لاكتشف أن هنالك طفلا في وجوده -فظاهره إنسان ذا شخصية راقية، له مقام ودور مميز في المجتمع، إلا أن واقعه شيء آخر- وهو هذا الذي يدفعه لهذه الحركات والاستمتاعات التي هي دون مستوى الإنسان الراقي الكامل.. إنسان تنازعه نفسه على قطعة حلوى، وإذا به يقطع المسافات لأجل أن يشتريها ويأكلها!..

وعليه، لابد للإنسان أن يحاول تهذيب نفسه وتربيتها، وأن يحاول أن يصعد بها إلى مستوى البلوغ، بحيث لا ترى متاع الدنيا مغرياً كثيراً..

إن الإنسان الذي يدعي أنه في سفر إلى الله تعالى، ويجعل همه تغيير أثاث المنزل، وفي كل سنة لابد أن يغير دابته، ويسعى إلى المتاع الذي لا ضرورة له.. فهذا الإنسان لن يصل إلى شيء، وخاصة في مجال الأخوات المؤمنات، فمن الملاحظ أن البعض منهن لا ينقصها الشوق ولا العمل ولا الزيارات ولا حتى الدخول في الحوزات، ولكن تدور حول حلقة مفرغة، لأن حب الدنيا لا يزال متغلغلاً في الوجود.. فليس المطلوب هو ترك الدنيا، (ليس الزهد أن لا تملك شيئاً بل الزهد أن لا يملكك شيء).. والدليل على ذلك هو حالة التأذي عند فقد متاع من متاع الدنيا، فالذي يتعلق قلبه بسبحة أو بخاتم يضيع منه، فهذا الإنسان لن يصل إلى درجة من درجات الكمال.. والقرآن الكريم قد أشار إلى ذلك، قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.. ومصداق مد الأعين، النظر يميناً وشمالاً إلى هذه البيوت المترفة، التي البعض من هذه البيوت وبال على أصحابها يوم القيامة؛ لأنه بنى زيادة على حاجته، وبنى من أموال فيها حق الإمام والفقراء والمساكين، فسيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة.. وبعض الأغنياء في الآخرة يتمنى لو أنه كان فقيراً، لأن من خف ماله خف حسابه يوم القيامة..

فإذن الإنسان لابد له من مراقبة سلوك هذا الطفل الذي في وجوده، حتى لا يأتي يوم من الأيام ويتحكم في مملكته هذا الطفل المراهق، الذي لا يعرف إلا الحلوى والطعام والمتع المحللة والمحرمة.. وإذا أصبح مالكاً لمملكة الوجود، فإنه في حالة يرثى لها.. فقبل أن يتحرك الإنسان إلى الله –تعالى- عليه أن يؤدب هذا الطفل، وهذه التعاليم الشرعية من الصيام والحج والجهاد وغيره، من باب تقليص نفوذ هذا الطفل المشاكس في مملكة البدن، وكلما قلصت نشاطه كلما تضخم الجانب الآخر، ألا وهو جانب العقل والهدى في وجود الإنسان..

– إن السفر إلى الله –تعالى- فيه موانع وعقبات وقطاع طرق كثيرون، تواجه الإنسان السائر وتقف في طريقه، ومن هنا ينبغي له أن يعرف عدوه حتى يحذره في مقام العمل.. ومن المعلوم أن أكبر عدو في هذا الطريق هو الشيطان الرجيم، الذي أقسم أن يغوي بني آدم: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً}.. وتعبيره تعبير مخيف وضخم، ورب العالمين لو كان يرى أن الشيطان يبالغ وليست له القدرة على ذلك، لعقبه بما يكذب كلامه ويؤكد له أنه دون ذلك، والحال بأن القرآن الكريم لم ينفِ هذا المعنى بل كأنه يقرره!..
إن البعض الذي يخاف من الجن والشبح والسحر وغيرهم، فليخف من الشيطان؛ لأنه حقيقة قائمة حية، هذا الشيء الذي لا ينكر.. ورد عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق).. فكيف يصل الدم إلى كل خلية من خلايا الدم، ولولا ذلك لماتت الخلية، كذلك الشيطان فإنه متغلغل في وجود بني آدم، ويشاركه في كل شيء إذا نسي التسمية: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ}..
وهو وجود غريب خفي، وله خبرة آلاف السنين.. فلو أن إنساناً مارس عملاً سنة أو سنتين أو عشرين سنة، تراه يصبح خبيراً بذلك العمل.. فكيف بموجود تمرس في إغواء بني آدم آلاف السنين، وشغله لم يقتصر على المساكين والمستضعفين، بل أنه كان يحاول حتى مع الأنبياء والمرسلين؟!.. وأول ضربة ضربها نجح فيها، ألا وهو أبونا آدم حيث أخرجه من الجنة..

وللعلم هناك نص عجيب مضمونه: بأن الشيطان بلغ مرتبة الوجاهة بين الملائكة، حتى أصبح خطيب الملائكة!.. وكان يمضي آلاف السنين في ركعة أو في سجدة، أضف إلى خطاباته، وعلمه..
يقول الشاعر:

لو كان للعلم من دون التقى شرف *** لكان أشرف خلق الله إبليس

موجود قوي وداهية، وفي أعلى درجات العتو والتكبر إلى درجة مذهلة، وهذا الحديث يكشف لنا مدى تفرعنه وعدائه لبني آدم:

أتى إبليس نوح لما ركب السفينة فقال له نوح: من أنت؟.. قال: أنا إبليس.. قال: فما جاء بك؟.. قال: جئت تسأل ربك: هل لي من توبة؟.. فأوحى الله إليه: أنّ توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له.. قال: أما أنا لم أسجد له حيّاً أسجد له ميتاً؟.. قال فاستكبر وكان من الكافرين..

– إن الإقبال على المعاني الإلهية والعزم على تغيير وجهة الحياة مما يبعث السرور على القلب..لا نعني بذلك التغيير أفقياً بل التغيير عمودياً، فالكل في طريق مستقيم، كالطائرة التي وقفت على مدرج المطار.. ولكن نحن نريد أن نحلق لا أن نبقى على ما نحن عليه، ومن المعلوم أن (الصلاة معراج كل مؤمن) أي أن الصلاة من أدوات العروج، والمطلوب منا أن نكون من أهل العروج..

ولكن هنالك خوفا وهو أن الإنسان إذا سمع آيات الله، وبنى على أن يغير مسيرته، فإن الشياطين تتكالب عليه؛ لأنه كان سابقاً جالسا مرتاحا على مدرج المطار، لا في رياح معاكسة ولا في مطبات هوائية، ولكن بمجرد أن يطير تبدأ العقبات والمطبات الجوية والرياح المعاكسة.. والسقوط عندئذ إذا ارتفع الإنسان أمتار على وجه الأرض فإنه مدمر!..

في بعض النصوص: أن الشيطان عنده ملفات الخلق جميعاً، والذي يفهم من الروايات أن له القدرة على التكاثر الذاتي من دون تزواج، ولكل إنسان له من له من الشياطين..

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن البعض له شيطان متخصص به: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }.. فالبعض يخاف من الجني التابع، وهذه كلها أوهام وأباطيل، والصحيح هو الشيطان التابع..

ومن المعلوم أن العشى مرض يصيب الإنسان، وأن المصاب به لا يستطيع الرؤية في الليل.. والملاحظ أن القرآن الكريم استخدم هذه اللفظة: {ومن يعشُ} ولم يقل: (ومن يكفر بالله)..أي أن الذي يغطي نظره عن رؤية ذكر الله تعالى، فإن النتيجة هي أن يكون الشيطان رفيقاً له في كل أحواله.. ويا له من أمر مخيف!..
ومضمون بعض الراويات تقول: أن الشيطان واضع خرطومه على قلب بني آدم يمده بالفساد وما يوجب الانحراف، فإذا ذكر الله تعالى جمع خرطومه -أي خنس- ومن هنا سمي بالوسواس الخناس -أي الكثير الوسوسة والانقباض- فإذن، كيف نتسلح ضد هذا العدو اللعين؟..

– أولاً: الاعتراف بالعجز والالتجاء الحقيقي بالله عزوجل (الاستعاذة).. ولا نعني بذلك أن يمسك الإنسان سبحة في يده ويكرر الاستعاذة مئة مرة أو غيره.. إن المفاهيم القلبية تستلزم استشعاراً في القلب، والذي يحوَل إلى حركة في الخارج، وليست فقط ألفاظا تمرر على اللسان.. فالإنسان التائب -مثلاً- هل يكفيه أن يمسك سبحة ويكرر الاستغفار كذا مرة؟!.. أم أنه مطالب بأمور تؤكد توبته، وتترجم ما يعيشه من الندامة الباطنية، وتثبت صدق نيته وعزمه على ترك الذنب؟!.. ولتقريب معنى الاستعاذة نضرب هذا المثال:

لو أن إنساناً في وسط صحراء قاحلة، وحوله الحيوانات المتوحشة، وأمامه حصن.. فلو أنه جلس وأخذ يكرر: (أعوذ بصاحب هذا الحصن) قدر ما يمكنه، فهل أن ذلك سينفعه وينجيه؟!.. بل إنه قطعاً سيضحي في بطون هذه الوحوش هو وسبحته!..

مثال آخر: من المعلوم أن السفارات في كل دولة تمثل أصحابها، والذي يذهب إلى داخل السفارة ويحتمي بها، فكأنه دخل الدولة التي تمثلها، ويكون محمياً وفقاً لقوانينها، وإذا أراد أحد أن يُخرجه لابد له أن يتفاوض مع تلك الدولة..

فإذن، الاستعاذة هي: التجاء وحركة وفرار إلى الجهة التي يرجى منها الأمان، والإنسان المستعيذ إنسان خائف ومؤمل، وهذا الشعور هو الذي يدفعه للحركة.. ولكن ما هي هذه الحركة، وكيف يصل، ومتى يدخل الحصن؟..

الإنسان المؤمن كلما تحرك نحو الله عزوجل -ذلك الحصن المنيع- قويت جوانبه الروحية والعقلية قياسأً لبقية الجوانب الأخرى، أي كلما أمكنه من سد الثغور التي ينفذ الشيطان من خلالها إلى نفسه، كلما اقترب من ذلك الحصن الإلهي، وضعف تسلط الشياطين عليه.. وهنيئاً لمن استطاع أن يدخل الحصن الإلهي، وأصبح من عباد الله المخلَصين الذين ليس للشيطان عليهم سبيلا!..

ومن الطبيعي أن الإنسان الذي لا يخاف ولا يعترف بقدرة الشيطان وكيده، أن لا يبادر بالحركة، والحال بأن القرآن الكريم في أكثر من موضع يذكِّر بعداوة الشيطان لبني آدم، ولزوم مقابلة ذلك العداء بالمثل، والحذر من الانصياع إلى أوامره.. {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} ، {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.. وعبادة الشيطان تكون بطاعة أوامره.

إن الحركات اللفظية والإكثار من الاستعاذات والعبادات أمر معين، إلا أن من الأفضل للإنسان أن يجمع بين الكم والكيف، وإذا دار الأمر بينهما فإن عليه أن يضحي بالأول على حساب الثاني، وهذا ما يشير إليه النبي الأكرم (ص) في قوله: (ركعتان مقتصدتان في تفكّرٍ، خيرٌ من قيام ليلة والقلب لاهٍ).. ومن هنا فإن بعض علماء الأخلاق ينصحون الزوار، بضرورة تخفيف الزيارة، لئلا يصدر منهم ما يوجب خلاف التأدب مع المعصوم..

وعليه، فبالإضافة إلى حالة الالتجاء الباطني، ينبغي الالتزام بما ورد من الاستعاذات الشرعية في كل صباح..وكتاب مفاتيح الجنان فيه الكثير من الاستعاذات، ومنها هذه الاستعاذة: (أعيذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني، وما رزقني ربي ، وخواتيم عملي، ومن يعنيني أمره، بالله الواحد.. ثم برب الفلق.. ثم برب الناس..).. أحد تلاميذ السيد الخوئي (قده) يقول: بأنه اقترح على السيد الالتزام بالاستعاذات اليومية!.. ومن المعلوم عن علمائنا أنهم يقبلون الكلام، ولو من تلاميذهم.. ثم قال له في يوم من الأيام: أنه التزم بالمعوذات والقلاقل الأربعة، واليوم الذي يريد فيه رب العالمين أن يوقعه في بلية، ينسيه هذه المعوذات ثم تأتي البلية!.. وكأنها حجاب واقي يمنع الإنسان من الوقوع في البلاء..

– ثانياً: ضعف الهمم.. من الملاحظ -مع الأسف- أن البعض في قضايا الدنيا كله همة تحقيقاً لهدفه وأمانيه، إذ تراه يبذل قصارى جهده ويسهر الليالي يكد ويتعب.. حتى أن بعضهم -في عالم البحث العلمي- ينسى أن يأكل طعامه، والبعض ينسى زوجته وأولاده، وينام في متجره من أجل أن يرقي تجارته.. فلماذا في عالم المعنويات وفي عالم القرب إلى الله –تعالى- نفتقد هذه الهمة؟!..

إن الذي يطمح إلى قيام الليل قياماً متميزاً، فإن عليه مراقبة نفسه!.. والإقلال من المتاع في النهار، فمن المعلوم أن كثرة الطعام والشراب توجب الكسل، وكثرة النوم وتضعف الجنبة الروحية.. فإذا كانت هذه آثار الطعام الحلال، فكيف إذا كان الطعام حراماً؟!.. إن الاحتياط في المأكل أمر ضروري، وهذه الأيام القضية خطيرة.. أحد الإخوان صرح لي: أنه كان يتعامل -ولعله لسنوات- مع إحدى الجهات، ويأخذ منها لحماً لإطعام المؤمنين في المساجد والحسينيات، وفي يوم من الأيام دخل عليه بشكل فجائي، وإذا به يرى أن طوال هذه المدة كان يعطيه من اللحم الحرام!.. فعاتبه وأخذ الرجل يبكي!.. ومع الأسف أنه كان من الموالين إلا أنه حتى يربح شيئاً من المال، آثر أن يطعم الناس اللحم الحرام وفي بيوت الله بدعوى أنه محلل!.. فإلى هذه الدرجة بلغ التزوير!.. ولا يخفى أن الطعام الحرام إذا دخل الجوف وتحول إلى طاقة للجوارح والجوانح، فإن هذه الطاقة المنبعثة من هذا اللحم الحرام لا بركة فيها..

وعليه، فإنه ينبغي للمؤمن أن يعيش الجدية في الحياة، ويتزود منها بقدر حاجته، ويحرص على تقليل الطعام والشراب والمنام.. فإنه بهذا العمر المحدود سيرسم مستقبله الأبدي!..

ومع الأسف لو أنك تضغط حياة البعض، فإنك ستجد أن ساعات الجدية في حياته ساعات محدودة.. ومن المعلوم هذه المعادلة في الرياضيات: أنه لو قسمنا اللانهاية على عدد محدود، فإن الناتج يكون هو اللانهاية.. وعليه، فإن اللانهاية في الحياة الأبدية، تكتسب بهذه السنوات المحدودة من العمر في الحياة الدنيا.

وللذين بلغوا الأربعين ماذا بقي من السن المفيد؟!.. فمن المعلوم أن سنوات الإنتاج هو هذا العمر للنبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين والإمام الحسين (ع)، حيث كانت أعمارهم كلها في الستينات.. وإلا فما بعد الستين والسبعين فإنه عمر مليء بالأمراض والأعراض، وكل هم الإنسان فيه أن يعيش ولكن لا ينتج..
فإذن، بقي من العمر عشرون سنة.. فثلث يمضي في النوم، وثلث في الأكل والشرب وغيره، وثلث في العمل.. ولو أنك تكرر هذه العشرين سنة في مصفاة العمر، فلعل الباقي أربع أو خمس سنوات مفيدة لتجارة الآخرة، أبهذه السنوات يريد أن يحدد الأبدية؟!..

إن الجنة -بلا شك- لك أيها المؤمن الموحد الموالي المقيم لعزاء أهل البيت (ع)، وإذا لم تكن الجنة لك فلمن تكون إذن؟!..إن علينا أن نسعى للتنافس في الدرجات، وإلا فأصل الجنة محجوزة للمؤمنين جميعاً..
قيل للجواد (ع): أيّة آية في كتاب الله أرجى؟.. قال: ما يقول فيها قومك؟.. قال: يقولون: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}، قال: لكنّا أهل البيت لا نقول ذلك، قال: فأي شيء تقولون فيها؟.. قال: نقول: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة.
أي أن الرسول الأكرم (ص) يوم القيامة يعطى مقام الشفاعة، فيشفع ويشفع حتى لا يبقى موحد في النار، فكيف بمن زاد على التوحيد ما زاد؟!..

ورد في الحديث عن الرسول الأكرم (ص): أنه إذا أقبلت مولاتنا فاطمة (ع) يوم القيامة، فإن الله عز وجل يوحي إليها:

يا فاطمة!.. سليني أُعطكِ، وتمنّي عليّ أُرضك، فتقول: إلهي أنت المنى وفوق المنى، أسألك أن لا تعذّب محبّي ومحبّي عترتي بالنار، فيوحي الله إليها: يا فاطمة!.. وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني، لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام، أن لا أعذب محبيّك ومحبّي عترتك بالنار.

إن فاطمة (ع) -وبعد سنوات الحزن والكرب في الحياة الدنيا- تسأل عن أمنيتها، فإذا هي تجيب بكلمة -لو أن عرفاء التاريخ يستجدوا من فاطمة (ع) معنى التوحيد، معنى الذوبان في الله، معنى الفناء في الله.. هذه المعاني التي يكتب عنها أمثال محي الدين العربي وابن سينا وغيرهم.. ولكن فاطمة وصلت إلى الرحيق المختوم – فتقول: يا ربي أنت المنى وفوق المنى!.. ثم تطلب الشفاعة لذريتها ومحبيها، إلى أن تصل حتى إلى من أحسن إلى ذريتها، ولو لم يكن من شيعتها!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى