المحاضرات الرمضانية : عمان - الكويت - البحرين لعام 1428هـ

سورة الحجرات -1

محاضرات رمضانية | ألقيت في عمان

– إن التفسير عمل تخصصي، والمفسرون هم الذين لهم الحقّ في تفسير القرآن الكريم؛ إلا أنّ هذا لا ينافي أبداً أن يكون للمؤمن تأملّه الخاص في هذا المجال.. عند تلاوة القرآن الكريم ليحاولْ أن يستنبط ما يأتي في باله من المعاني، ثم يراجع التفسير.. ولا مانع أبدا من أن يلهم ربّ العالمين عبداً من عباده تفسير آية بما لم يخطر ببال مفسر، أحدهم وهو من كبار المفسرين، فسّر سورة يوسف ثم تحدّى وقال: من يأتيني بمطلبٍ زائد عمّا قلته: مطلب علمي، أو قضية علمية، أو نقطة علمية ملفتة.. أعطيه من جائزة -وكأنه في مقام التحدي- في مقام العمل وصلت إليه مجموعة من النقاط التفسيرية.. والغريب أنّ الذي أرسل له هذه الأمور، لم يكن من الذين هم في زيّ رجال الدين، وإنما شخصية عسكرية كان متقاعدا، وكان يشتغل في تفسير القرآن الكريم.. هذا الإنسان أُعطِيَ في تفسير القرآن الكريم، ما لم يخطر ببال هذا المفسّر.

– إن على الإنسان أن لا ييأس من روح الله -عزّ وجلّ- وليحاولْ أن يتلّمس بنفسه.. وهنا لابد أن نقرر حقيقة، وهو أنه علينا أن نجتنب تفسير القرآن الكريم بالرأي، هذه نقطة خطيرة أن يقول إنسان: أنّ ربّ العالمين يريد من الآية كذا وكذا بنحو القطع.. دائماً في تفسير القرآن الكريم، نحاول أن نجعل الكلام هكذا: ومن الممكن أن يستفاد من هذه الآية.. أما أن نجزم بالتفسير، فهذه نقطة ينبغي التوقف عندها.

– إن سورة الحجرات تبدأ بهذه الآية: {بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.. ما معنى أن نقدّم بين يدي الله ورسوله؟.. ما معنى أن نقدّم قولاً وفعلاً في مقابل فعل رسول الله؟.. هنا نقطة مهمة: هذه الأيام هناك ظاهرة عجيبة وغريبة: كل إنسان يحترم التخصص العلمي، وإذا أراد أن يتكلّم طبيب في مجال الهندسة يقال له: أنت طبيب، لماذا تدخل في عالم الهندسة؟.. وهكذا العكس؟.. ولكن عندما يصل الدور إلى الدين، نرى كلّ واحدٍ، طبعاً الناس غير المنضبطين يدلون بدلوهم، الدين قال: كذا، والدين قال: كذا.. وهذه الأيام -ما شاء الله- المنتديات وغيره، كلّ يعطي رأيه في الدين، وكأنّ شريعة ربّ العالمين أقلّ من البدن والبنيان؛ أي من الطبّ والهندسة.. هذه ظاهرة خطيرة ينبغي معالجتها، يقرأ رواية ويقول: نعم الرواية تقول: كذا وكذا، والحكم الشرعي كذا وكذا.. صحيح أن هذه رواية موجودة؛ ولكن أين السند، وأين الروايات المعارضة، وأين الأصول الثابتة، وأين محكمات الكتاب والسنة؟..

– إن القضية ليست بهذه البساطة، الآية تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لا تقدّموا حكماً ولا تقدّموا فعلاً على قول النبي، ولا على فعله.. طبعاً نحن نلتزم في أولّ الحديث أنه نحن أيضاً نقول: هكذا نفهم من الآية؛ لئلا نقع في نفس الخطأ.. المؤمن عندما يريد أن يفهم الحكم الشرعي، أولاً يراجع المختصين في ذلك العلم، نحن عندنا في عالم التقليد بالإضافة إلى شرط العدالة وغيره من الشروط، نحن نشترط الأعلم!.. أي إذا كان هناك خبراء في الدين، العقل والمنطق يقول: خذ رأي الأعلم.. في عالم الطبّ الدخول على الأطباء يكون بمبالغ متفاوتة، والتفاوت بحسب القدرات العلمية.. نحن في مقام الطبّ وخاصةً في الأمراض المستعصية، نبحث عن الأعلم في الطبّ حتى نتأكد من العلاج، وفي مقام بناء المنزل نبحث عن أعلم المهندسين لنبني بناءً مريحاً وهكذا.. كذلك في الدين الإنسان يراجع الأعلم، ليصل إلى المسألة الشرعية كما أرادها الله ورسوله.

– إن البعض عندما يقع في خلاف، إذا كان الخلاف بينه وبين زوجته -لا سمح الله- ووقع الطلاق، يبحثون عن سنّ الحضانة: هل هو السنتان، أو السبع السنوات؟.. وإذا كان الخلاف على شركة تجارية، في بعض الأوقات يكون حكم القاضي بناءً على أصول القوانين المدنية المأخوذة من الشرق والغرب.. ولكن كيف يبرئ الإنسان ذمته يوم القيامة، يأخذ مالاً من فلان بحكمٍ لا يتطابق مع الأحكام الشرعية القطعية، ألا يعلم بأنّ هنالك حسابا يوم من الأيام.. بعض المؤمنين عندما يقع في خلاف مع زوجة، أو مع شريك يقول: نِعمَ الحكم الحاكم الشرعي، يكتب رسالة إلى من يقلّده، الإنسان يحتكم إلى مراجع العلم الذين يوثقون بهم، لكن المشكلة أنّ أحدهم يقول هكذا، ولكن يأتي الجواب على خلاف مزاجه: تراه إما أن ينكر، أو يقول: لعل الفقيه ما فهم ما نريد أن نقوله، لعلّه ما فهم الاصطلاحات في الرسالة، أو لعله يقول: اشتبه في الحكم.. المهم حتى لو قبِِل الحكم يقبله على مضض، وهذه حالة غير إيمانية؛ أي يا ربّ أنا أقبل حكمك، ولكن لم يعجبني هذا الحكم.. الأم عندما يقال لها: سنّ الحضانة في السابعة، تقول: أي أن ابني يأخذه هذا الرجل، هذا بأي منطق؟.. أنا لا أقبل بقلبي هذا الحكم الشرعي.. هنا الاختبار والامتحان للمؤمن.

فإذن، المؤمن عندما يسمع الحكم الشرعي: يجوز، ولا يجوز، مثله كمثل الأب.. حيث ان الولد الذي يأتمر بأوامر أبيه، لأنه يعلم أنه هو أدرى منه بالمصلحة.. وليس بمثابة الجندي في ميدان القتال؛ لأنّ الجندي أيضاً يسمع كلام القائد، ولكن يسمع كلامه على مضض من باب الخوف، لا من باب الاقتناع.

– إن المؤمن يصل إلى مرحلة من مراحل الكمال، يريد أن يعمل برضا ربه في كلّ شيء، لا يبحث عن الواجب والحرام، بل عن المستحب والمكروه.. هنيئاً لمن وصل إلى هذه الدرجة، أنه يحبّ أن يطبّق المستحبات في كلّ حياته!.. رحم الله صاحب تفسير الميزان، هذا الرجل الكبير صاحب الميزان، صاحب أرقى كتاب في تاريخ البشرية، تفسير الميزان يعتبر على رأس المؤلفات الإنسانية بهذا الدليل: القرآن خاتم الكتب السماوية، وهذا الكتاب على رأي المصنفين خير شرحٍ لكلام الله عز وجل، هذا السيد الجليل ألّف كتاب “سنن النبي” أي أن المؤمن يستنّ بسنن النبي في كلّ صغيرة وكبيرة: كيف يأكل؟.. كيف يركب؟.. وما هو دعاء الركوب؟.. وما هو الدعاء الذي قبل الطعام؟.. وإذا أُعطِيِ ثوباً جديداً كيف يلبس هذا الثوب؟.. وهكذا عند قصّ الأظافر وغيره، وعند التخلي.. هكذا أرادوا أن يربونا على ذكره -عز وجل- في كلّ صغيرةٍ وكبيرة.

– إن المؤمن ليس فقط لا يستثقل هذه الآداب، بل يبحث عن هذه الآداب، البعض يقول: لمَ هذه المستحبات الكثيرة؟.. إنما أولياء الله يبحثون عن هذه الأمور، بعض المؤمنين أكبر يوم حزن عنده يوم عيد الفطر، وذلك لأنه فارق شهر رمضان، وفارق الصيام، وافتقد الامتيازات الكبرى: حيث أنه كان ينام مسبحاً، أما الآن ينام نوم البطالين، فهذا الحديث: (نومكم فيه عبادة) مخصوص بهذا الشهر، والنفس الذي فيه تسبيح، الآن تحوّل إلى غاز ثاني أكسيد الكربون؛ لذا هو يوم عزاء بالنسبة له.. ومن ضمن أسباب العزاء أنّ شوال شهر ليس فيه محطة عبادية ملفتة، نعم هنالك استشهاد الإمام الصادق (ع)، تقريباً هذه المحطة الوحيدة في شهر شوال.. والغريب أن المؤمن مشغول في شهر رمضان وقبله رجب وشعبان، البعض يصوم ثلاثة أشهر، المفروض أن يكون في شوال في حالة يغبط عليها.. والحال أن بعض المؤمنين في شهر شوال حالتهم الروحية أسوأ من شهر شعبان بكثير، ففي شهر شعبان كان عنده قليل من الإقبال العبادي، ولكنه بانتظار شهر رمضان وليالي القدر!.. مثل إنسان دخل الحمام، قبل أن يدخل رائحته رائحة عرق إلى حد لا يحتمل، دخل الحمام وخرج وإذا رائحته أنتن، ماذا يقال عن هذا الإنسان؟.. ألا يقال أنه دخل الحمام ولم يستحم، وحرارة الحمام زادته عرقا، فخرج من الحمام والرائحة أشدّ مما كان عليه.. وهكذا نحن في شهر شوال يبدو نحن ما دخلنا شهر رمضان، وشهر رمضان أقبل إلينا، دخلنا ملك شهر رمضان لا ملكوت الشهر، قال الإمام علي (ع): (كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ، وكم من قائم ليس له قيامه إلاّ العناء)!..

– إن المؤمن في كلّ صغيرة وكبيرة يقف ويستأذن الله -عز وجل-، فإذا أراد أن يدخل المسجد يقدّم الرجل اليمنى على اليسرى، وعندما يخرج يقدّم اليسرى.. أما في بيت الخلاء فإنه يعكس الأمر، يقدّم اليسرى على اليمنى في الدخول، وعند الخروج يقدّم اليمنى على اليسرى.. ما من حركة من حركات الحياة، إلا ولها مستحبات.. يقولون: الشيخ الصدوق -رحمه الله- المدفون بأرض ري، كُشِف قبره، بسبب سيول فانهار القبر، وإذا بجثة الشيخ تبدو للعيان، يقولون: عندما رأوا جثة الشيخ الصدوق بعد مئات السنين، وإذا بالجنازة طرية كأنه دفن من توه، وقالوا: إنّ الشيخ لابدّ وإنه مات يوم الخميس، وذلك أنهم رأوا على بدنه أثرا يدّل على أنه مات يوم الخميس، لأنه كان قد قصّ أظافره وترك واحدا، عن أبي جعفر (ع): (من قص أظافره يوم الخميس، وترك واحدة ليوم الجمعة؛ نفى الله عنه الفقر).. أحد المراجع الكبار نقل قصة والده، قصة شبيهة بهذه: توفي والده فتم دفنه مؤقتا لمدة أربع سنوات، إلى أن يفتح الطريق إلى النجف، إلى وادي السلام؛ لأن هذه وصيته أن يدفن في وادي السلام.. بعد أربع سنوات وإذا بالجنازة طرية كيومه، نعم لا تبدو عليه آثار الموتى كالآخرين.

فإذن، إن المؤمن في كلّ صغيرة وكبيرة يستفهم الله، فإن كان يريد السفر للسياحة، وكان هناك اختيار بين مشهد وأحد البلدان الأوربية، فمن المؤكد عليه اختيار مشهد.. أما إذا كان بين تركيا -مثلا- أو استراليا، فالمؤمن لا يختار على هواه، لا يقلّب الأمر على مزاجه.. بل ينظر إلى أيهما أصلح لأمر آخرته!.. على الأقل تركيا دولة إسلامية، وعلى ما فيها أهون من الذهاب إلى مكان آخر ويعرّض عائلته إلى ما لا يحمد عقباه.. فكيف بالإنسان الذي بإمكانه بهذا المبلغ، بل بعشر المبلغ أن يذهب إلى زيارة بيت الله الحرام، ويرجع من الذنوب كيوم ولدته أمه؟.. بألف ريال إنسان يشتري سعادة الأبد، لا يذهب بعد اللتيا والتي، ويعطى إجازة بعد معركة مع رئيسه في العمل، وإذا به يصرف هذه الإجازة وهذا المال وهذا العمر فيما لا ينفع.. المؤمن ليس هكذا، المؤمن له موازين، النبي (ص) كان لا يخيّر بين أمرين، إلاّ اختار أرشدهما.. وأمير المؤمنين -صلوات الله عليه- كان لا يخيّر بين أمرين إلا اختار أشقهما على نفسه.. هذا كله في جوّ {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، المؤمن ليس عنده قرار في الحياة، نعم هو يفكّر، ويدبّر؛ ولكن في آخر الأمر ينظر ما فيه لله رضا.. وهنيئاً لمن جاهد نفسه في هذا المجال!..

أحدهم كان بطلاً مصارعاً قوياً، كلما تقدّم إليه أحد صرعه، في ليلة من الليالي، أي في ليلة يوم مصارعته مع أحد الأقران، رأى عجوزا تقدّم شيئا من الحلوى أو ما شابه، وعندما سألها: ما هذا؟.. قالت: غدا ولدي سيقاتل بطلاً -وسمته، ولم تكن تعرف أنه هو البطل- وأنا أخشى أن يهزم، وهذا ما أتوقع؛ لأنه أقوى منه بكثير.. وأنا في هذا اليوم أتوسل إلى الله -عزّ وجلّ- ألا يهزم ولدي، ويغلب هذا البطل العملاق.. هو لم يقل شيئا، ورأى نفسه بين أمرين: بين أن يضربه ضربة تطيّره في الهواء، ويأخذ لقب البطل والناس تصفق له، ويعطى جائزة متواضعة.. وبين أن يرضي هذه العجوز المسكينة!.. يقولون: تظاهر بالهزيمة، وجعل نفسه ضعيفا، وذاك ضربه ضربات قضى عليه.. وإذا بالرجل في بعض البلاد يعدّ من أولياء الله عزّ وجل، نعم يعدّ ولياً في مقابل هذه المجاهدة البسيطة لنفسه، رأى نفسه بين أمرين واختار أشقهما على نفسه.. الإمام علي (ع) وضع خوان من فالوذج بين يديه، فوجأ (أي ضرب) بإصبعه حتى بلغ أسفله، ثم سلّها ولم يأخذ منه شيئاً، وتلمّظ (أي تذوّق) بإصبعه وقال: (طيب طيب وما هو بحرام، ولكن أكره أن أُعوّد نفسي بما لم أُعوّدها).. وعن الصادق (ع): (أنه مدّ يده إليه ثم قبضها، فقيل له في ذلك، فقال: ذكرت رسول الله (ص) أنه لم يأكله، فكرهت أن آكله).. هذه حالة من حالات تجاوز الذات في أصغر الأمور إلى أكثر الأمور.

– إن الآية الثانية من سورة الحجرات تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ}؛ أي يا أيها الناس كونوا مؤدبين أمام رسول الله (ص).. أحد المسلمين كان صوته قويا، صوت رنان، فلما نزلت هذه الآية قال: هذه الآية تعنيني.. فانقطع وتألّم وحزن حزناً بليغاً، بلغ النبي (ص) حزن هذا الصحابي، فقال له النبي (ص): أنت لست بمقصّر، صوتك هو هكذا قوي، أنت من أهل الجنة.. فما لبث أن قاتل في الحروب وقتل الرجل.. ومن مصاديق الأدب في هذا الزمان، حتى عند الذهاب إلى روضة النبي على الإنسان أن يكون مؤدباً.. بعض المؤمنين في شهر شعبان، في حرم النبي (ص)، وفي صلاة الجماعة، وإذا بهاتفه يصدر إحدى النغمات الموسيقية، ولفترة طويلة وهو يغني في مسجد النبي، ما الفرق إذا هو غنّى أو الجهاز الذي يغني؟.. هذا هتك، وهذا سوء أدب بين يدي رسول الله (ص)!.. والبعض يتكلم مع صاحبه في كلّ ما هبّ ودبّ، الناس تتمنى لحظات في روضة النبي، روضة من رياض الجنة، والزائر يتكلم عن مشترياته في السوق!.. أو تعلم أن من أرقى أنواع الأدب، أنه كلما ذكر اسمه الشريف، الإنسان يرفع صوته بالصلاة على محمد وآل محمد -اللهم صلّّّ على محمد وآل محمد-.. ولكن مع رفع الصوت هنالك أدب آخر، ولعلّه أهمّ من كلّ ذلك، أن يصلي على النبي وآله حقّ الصلاة!.. كيف يصلّي الإنسان على النبي وآله حقّ الصلاة؟..

أولاً: عندما يقول: “اللهم”؛ أي يا ربّ أنا عندي طلب، عندي دعاء.. مثلما يدعو الله -عز وجل- عندما يأتي من المستشفى بعد تحليل طبي ويقال له: هذه العينة التي جئت بها لزوجتك -لا سمح الله- فيها ورم خبيث، ماذا يقول عندئذ؟.. يقول: “اللهم أسألك بحقّ أوليائك أن تشفي لي هذه الزوجة أم الأولاد.. فهل الصلاة على النبي وآله تكون بنفس اللحن ونفس الدرجة التي دعا بها لشفاء زوجته؟.. فـ”اللهم صلّ على النبي وآله دعاء”، و”اللهم شاف زوجتي” أيضاً دعاء.. إذا وصل الإنسان في يوم من الأيام إلى درجة يصلي على النبي وآله، كما يدعو لزوجته، أو شبيه تقريباً إلى درجة ما، فهو على ألف خير.

ثانياً: عندما يكون الزائر في حرم النبي (ص) فليلتزم ولو مرة واحدة بصلاة النبي في روضة النبي، وصلاة جعفر -الإكسير الأحمر- فهي تخرق الحجب.. ولكن أيضاً صلاة النبي أيضا منسوبةٍ إلى النبي، وهذا أمر حسن أن يقدم الإنسان هدية إلى رسول الله في روضته.

ثالثاً: في حرم النبي (ص) ولو مرة واحدة ليقوم الإنسان بعمل مناجاة بالصلوات!.. ليس أني أصلّي على النبي وآله، ثم أناجي، ثم أختم المناجاة.. أجعل الصلاة مناجاة، أي قل: يا الله، اللهم إني أقسم عليك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها، وبدموع جارية، قل: اللهم هذا النبي لولاه لكنا نحن الآن عبّاد الأوثان، ولكنّا عبّاد البقر كأهل الهند، ولكنّا في ظلمات.. الله يعلم ما كنا فيه، وهذا النبي استنقذنا من الجهالة وحيرة الضلالة.. اللهم ارفع من درجته، وأعطه الفضل والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً، اللهم ارفع رتبته فوق كلّ رتبة… وما إلى ذلك من هذه المضامين.. وحاول أن تستدر دمعة، ولو بمقدار جناح بعوضة.. لو أنه أستجيب هذا الدعاء، وقيل للنبي وآله الذين هم في مقعد صدق عند مليك مقتدر: يا رسول الله أنت وآلك؛ أي كلّ الأئمة انتقلوا من هذا القصر إلى قصر أرقى وأفخم.. وعندما يسأل عن السبب يقال له: الآن هناك الحجّ فلان، في روضتك، في الأرض، دعا لك برفع الدرجات، وقد قبل الله دعوته.. يا رسول الله، انتقل إلى رتبة أعلى!.. ماذا سيحصل لهذا العبد الذي استجيبت دعوته؟.. وبماذا سيدعو له الرسول (ص)، ألا يرد له التحية بأضعاف مضاعفة؟..

– إن الصلاة على النبي وآله دعاء، والدعاء يمكن أن يستجاب، وإذا استجيب، كيف يستجاب؟.. نقول في التشهد: تقبل شفاعته وارفع درجته!.. لو أتقن الإنسان هذه الجملة: وارفع درجته في كلّ فريضة؛ أي قالها بكلّ وجوده.. لو أنّ هذه الدعوة استجيبت في كلّ فريضة ماذا سيحصل؟.. ولكن متى قلنا: وارفع درجته بتوجه؟.. إنها كنوز فاتتنا -مع الأسف- ولكن البقية الباقية من العمر غنيمة، لماذا تفكّر ساعة خير من عبادة ستين أو سبعين سنة؟.. هل يعني التفكّر هو أن يجلس الإنسان على البحر ويفكر؟.. لا، لأنه قد يفكّر ولكن لا يصل إلى نتيجة؛ إنما حضور المجالس تعتبر ساعة تفكّر.. فتارةً عندما يفكّر الإنسان لوحده، قد يصاب بالهلوسة.. إذن علينا أن نكون مؤدبين مع النبي الخاتم (ص)، بعض المسلمين لا يعرف معنى اسم النبي؟.. لماذا سُمِّّي النبي بهذا الاسم؟.. سُمّّّّّّّّي بهذا الاسم لأنَّ الله -عزّ وجلّ- قد أعطاه من المحامد والمكارم ما لا يخطر على بال أحد.

– ما من مؤمن يصلي صلاة، ويصوم صوما، يحج حجا، إلا هو مدين لخديجة الكبرى (ع).. فالإسلام قام على مال خديجة، واحتضان أبي طالب والد أمير المؤمنين، فهو الركن السياسي، وهي الركن الاقتصادي، وعلي -عليه السلام- الركن العسكري.. وإلا أمير المؤمنين -جمعت في صفاتك الأضداد- القوة العسكرية الضاربة في بدر وغير بدر.. القوة السياسية التي دافعت عن النبي في أحلك الظروف في مكة أبو طالب، وخديجة (ع) كانت الدعم المادي، هذه الأمور أوصلت لنا رسالة السماء.. أبلت بلاء حسناً، النبي (ص) كان يذكرها كثيراً إلى درجة أثارت غيرة عند بعض زوجاته (ص)، وقالت: لماذا تذكر يا رسول الله هذه السيدة كثيراً؟.. فأجابها النبي (ص): من ضمن كرامات خديجة أنها أعطته فاطمة الزهراء -عليها السلام-، فاطمة من نسل هذه السيدة.. هنيئاً لخديجة -عليها السلام- في عالم البرزخ: زوجها في جانب، وابنتها فاطمة في جانب، وصهرها أمير المؤمنين في جانب، وأحفادها أحد عشر حفيدا كأنهم نجوم السماء حول هذه السيدة!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى