سلطنة عمان - مسجد الرسول الأعظم (ص) عام 1427هـ

الليلة السابعة

ما وراء الصور الظاهرية للعبادة | الأربعينية - الطهور

أربعينية ترك المعاصي..
إن البعض قد لا يصلي طوال السنة، ولكن إذا جاء شهر رمضان؛ فإنه يصوم.. وكذلك بالنسبة للمتبرجات، فالبعض منهن لا تترك هذه الفريضة.. والسبب في ذلك: الرحمة الإلهية الغامرة التي تنزل في بعض أيام السنة، ومنها: يوم عرفة، وشهر رمضان.. فالنفوس في شهر رمضان المبارك تكون مستعدة، لأن الإنسان بطبيعتهِ يصوم النهار، ويقوم الليل.. حيث أن الذي يصوم في شهر رمضان، عادة يصلي نافلة الليل، ويحيي شيئاً من ساعة السحر ولو بدعاء خفيف، بحكم استيقاظه لتناول وجبة السحور.. وكذلك يصلي صلاة الصبح في أول الوقت، إذ أن صلاة الصبح في وقتها يبلغ مداه في شهر رمضان، وإلا في باقي أيام السنة فالبعض قد تمر عليه ليال وأيام، لا يستيقظ لصلاة الفجر؛ إلا نادراً.. وهذه كارثة!.. لأن الذي لا يصلي الفجر، كالإنسان الذي لا يأخذ المضاد الحيوي في وقته.. فالطبيب عندما يصف مضاداً حيوياً للمريض؛ يؤكد عليه الالتزام بالوقت، ثمان ساعات أو ست ساعات، وعليه أن لا يتأخر عن وقت العلاج، وإلا لن يؤثر أثره!.. ورب العالمين يقول: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}.. فبين صلاة العشاء وبين صلاة الظهر فترة طويلة، وإذا لم يصلِّ الإنسان صلاة الفجر؛ تصبح هذه الفترة مميتة للقلب.. لذا، لابد من التجديد، وهذه هي الحكمة من أوقات الصلوات الثلاث.

وعليه، فمادمنا نصوم النهار، ونحيي المجالس؛ ونقيم الليل؛ أي ثلاثون ليلة في طاعة الله -عز وجل- وفي بيت من بيوته، فمن أفضل العبادات: المكوث في المساجد، والاستماع إلى آيات الله عز وجل.. فقد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله- أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة؛ تامة تامة تامة).. أي أن الهواء يجري مع السُفن!.. وبالتالي، فإن الإنسان بكل سهولة يستطيع أن يقتطع عشرة أيام من شهر شعبان، ويضمها إلى شهر رمضان؛ ليعيش أجواء مختلفة.. فهذا الجو نموذجي ومن أفضل أيام السنة، حيث أن شهر رمضان المبارك هو ربيع المؤمن، ومادام هذا هو فصل الربيع، وهناك كمية من البذور، فليبذرها المؤمن في شهر رمضان، ولا ينتظر الصيف.. وإذا قصر الإنسان في البذر في شهر رمضان؛ فمتى يبذر بذوره؟.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}.. فموسى -عليه السلام- له ميقات مع الله -عز وجل- أربعين ليلة، ما المانع أن يأخذ الإنسان عشرة أيام من شعبان، ويضيفها إلى ثلاثين يوماً من شهر رمضان، ليجعل لنفسه ميقاتاً مع الله -عز وجل- يحاول أن يترك فيها المعاصي والذنوب، ويجعل أموره كلها متجانسة.

ثمرة الأربعينية..
1. العدالة: إن المؤمن الذي يترك المعاصي والذنوب؛ يصبح عادلاً.. والعدالة ليست قضية صعبة!.. مثلاً: النساء لهن أجر عظيم على تعبهن في القيام بأعباء المنزل، وعلى تحملهن لآلام الولادة، فـ(الجنة تحت أقدام الأمهات)؛ ولكن لكثرة كلامهن قد يخسرن هذه الجنة.. روي عن الإمام الصادق -عليه السلام- أنه: (جاءت امرأةٌ من أهل البادية إلى النبي -صلى الله عليه وآله- ومعها صبيان: حاملة واحداً، وآخر يمشي.. فأعطاها النبي -صلى الله عليه وآله- قرصاً ففلقته بينهما، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: “الحاملات الرحيمات لولا كثرة لعبهن، لدخلت مصلياتهن الجنة”).. وعليه، فإن الإنسان -بعض الأوقات- بخطأ واحد، يسقط نفسه من مقام العدالة، ويا لها من خسارة!.. فالإنسان قد يكون غير عادل، مقابل ذنب واحد -وغير العادل هو الفاسق- فلو ترك هذا الذنب؛ لأصبح في زمرة من يمكن الصلاة خلفه، بشرط أن يكون صحيح القراءة.. فلمّ نصرّ على هذا الذنب؟.. مثلاً: قد يكون الإنسان مؤمناً في كل شؤونه: معاملة، وسلوكاً، ووضعاً؛ ولكن عندما يصل الأمر إلى النظر، وإذا به تزل قدمه.. هي معصية واحدة، ولكن الإصرار على الصغيرة؛ يساوي كبيرة، قال النبي -صلى الله عليه وآله-: (لا تحقّروا شيئاً من الشر، وإن صَغُر في أعينكم.. ولا تستكثروا الخير، وإن كثر في أعينكم؛ فإنه لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير مع الإصرار).. هذه القاعدة يجب أن تؤخذ في الحسبان!..
2. تغير الذائقة: إذا وفق الإنسان لترك المعاصي والذنوب أربعين يوماً، يصبح أمره -من باب التشبيه- كالمرأة في بداية حملها.. حيث أن هناك من النساء من تتغير شهيتها، ويصبح عندها انحراف في الشهية، فتأكل التراب أو الرماد مثلاً.. طبعاً هذه شهية منحرفة وباطلة!.. كذلك المؤمن فإنه يصل إلى مرحلة تتغير فيها شهيته في الحياة الدنيا؛ أي: تتغير المعايير والمقاييس في الاشتهاء: فلا يشتهي ما يشتهيه الناس، ويشتهي ما لا يشتهونه، كما يشير إلى ذلك أمير المؤمنين -عليه السلام- في خطابه لكميل: (استلانوا ما استوعره المترفون، وآنسوا بما استوحش منه الجاهلون).. هناك من يتمنى في قرارة نفسه، لو أن بعض المحرمات حلال!.. فهذا الذي يشتهي الحرام، ويمتنع عنه أداء للتكليف؛ إنسان جيد!.. ولكن من الممكن في يوم من الأيام أن تزل قدمه، ويفقد فرامله، ويسير في طريق الحرام.. فإذن، لو تعالى الإنسان عن الشهوات وعن الحرام فترة من حياته فقط؛ فإن هذه الذائقة تتغير عنده، ولا يعد يستمتع بالدنيا ذلك الاستمتاع الكثير، فضلاً عن الحرام!..
3. معرفة الملكوت: إن القرآن الكريم يريد منا أن نتعلم لاكتشاف حقيقة الحرام، فالحرام له ظاهر وله باطن، ويدعونا إلى استكشاف ملكوت العمل: خيراً أو شراً.. فرب العالمين أرى إبراهيم -عليه السلام- ملكوت السموات والأرض {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}؛ ولكنه ذكر لنا بعض الأمثلة من ملكوت الحرام، وأرانا بعض العينات التي منها:
أ- الربا: فالذي يذهب إلى أحد البنوك ليقدم قرضاً ربوياً، ويضع الملايين في جيبه وهو فرح بهذا العمل؛ لأنه كسب مالاً مغرياً، القرآن الكريم يصفه بالجنون، يقول تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}؛ أي أنه في حكم المجانين.
ب- الغيبة: إن الغيبة بمثابة أكل لحم المِيتة، يقول تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}.. لذا، علينا أن نستشعر هذا الملكوت بكل وجودنا.. فهل الذي يرى هذا الملكوت، يُقدم على ذلك؛ فضلاً عن استماع الغيبة؟!..
ج- أكل مال اليتيم: والذي يأكل مال اليتيم، وهو لا يعلم أن هنالك من يراقبه، يقول عنه القرآن الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.
وعليه، فإن ثمرة الأربعينية هي: أن يصل الإنسان إلى درجة يكره فيها الحرام: لا خوفاً من النار، ولا طمعاً في الجنة.. ولكن يستقذره، ويشمئز منه!.. والذي يصل إلى هذه المرحلة؛ لا يحتاج إلى كثير وعظ، ولا إلى كثير زجر، فهو عندما يرى ملكوت الحرام، يصبح من المستحيل أن يرتكب الحرام، ويصل إلى رتبة عالية من العدالة.. لأن رب العالمين إذا كرّه إلى الإنسان الفسوق والعصيان، فإن المشكلة تنتهي، يقول تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}؛ عندها يصل المؤمن إلى درجة من الدرجات، يرى الفحشاء والمنكر كأكل الحشرات.. إن الله -عزّ وجلّ- أباح للإنسان طيبات الأرض، فليشرب ما يشاء، وليأكل ما يشاء؛ ولكن بشرط الانتباه إلى حلية ذلك الشراب والطعام.. والمأكولات المحرمة ذكرها القرآن الكريم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ..}.. ولكن لم يذكر الحشرات؛ لأن هذا الحرام لا يحتاج إلى ذكر.. فالإنسان السوي لا يشتهي الحشرات، لأن النفس تنفر منها.. كذلك المؤمن يصل إلى درجة يصبح بالنسبة له أكل: العجل والخروف والغزال غير المذكى، كأكل الحشرات التي لا يستسيغها.
فإذن، إن المؤمن في هذهِ الأربعينية، يحاول أن يُعيد الأمور إلى نصابها، ولو بمخادعة نفسه!.. يقول: يا نفس، استقيمي لمدة أربعين يوماً فقط!.. لا تنظري إلى الفضائيات المحرمة، ولا تدخلي إلى المواقع المحرمة، ولا تنظري إلى المحرمات.. وعليه، فإن الأربعينية صارت عبارة عن صيام في النهار، وقيام في الليل، ومُراقبة للجوارح، وتَرك للمعاصي.. وبالتالي، فإن هذا الإنسان بعد أربعين يوماً، يتحولُ إلى إنسانٍ آخر، ولا يحتاج إلى من يردعه عن الحرام.

الطهور..
إن الوضوء على قسمين: وضوء مائي، أي يصب الماء على بدنه، ولعله ينظر إلى التلفاز.. ووضوء بآداب الوضوء.. أوَ تعلم أن الذي يلتزم بآداب الوضوء، يُصلي قبلَ أن يصلي؟.. فأول أدب من آداب الطهور، هو مستحبات الوضوء.. وهو أول خطوة من خطوات الصلاة الخاشعة.. إذ أن أدعية الوضوء تهيئ الإنسان لجو الصلاة، وتنقل الإنسان إلى عالم الآخرة.. حيث أن أدعية الوضوء من مصاديق المناجاة المعبرة، فلو قرأها الإنسان أثناء الوضوء بتوجه، لاختلط ماء وضوئه بدموع عينيه..
1. دعاء الوضوء: عندما ينظر المتوضئ إلى الماء، يبدأ بدعاء الوضوء فيقول: (الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، ولم يجعله نجساً).
2. غسل الوجه: وعندما يغسل وجهه يقول: (اللهم!.. بيض وجهي يومَ تسودَ فيه الوجوه، ولا تسود وجهي يوم تبيضُ فيهِ الوجوه).. وهو يتوضأ، وإذا به ينتقل إلى عرصات يوم القيامة، حيث الوجوه الكالحة السوداء: إما مسودة من نارِ جهنم، وإما من الخجل من الله -عز وجل-، وإما من حرارة الشمس.
3. غسل اليد اليمنى: وعند غسل اليد اليمنى، يقول: (اللهم!.. أعطني كتابي في يميني، والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حسابا يسيراً).. فيوم القيامة هو يوم إعطاء الشهادات؛ شهادات الخلود: إما الخلود في الجنة، أو الخلود في النار، أو السنوات الطويلة في نار جهنم.. فالذي يأخذ كتابه بيمينه يطير فرحاً، ويقول: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ}.. يا له من موقف!.. لا يعلم الإنسان هل هو مخلد في النار؟.. أو مخلد في الجنة؟.. أو من أهل الأعراف: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}.. الذين ينظرون إلى أهل النار، ويقولون: الحمد لله أننا لم نكن منهم.. وينظرون إلى أهل الجنة، فيتحسرون على نعيم أهل الجنة؛ والحسرة نوع من أنواع التعذيب!.. يتذكر الإنسان هذا الموقف، عندما يغسل يده اليمنى.. (وحاسبني حسابا يسيراً): أي: يا رب لا تدقق في أموري!.. ولطالما دعونا في القنوت: (اللهم!.. عاملنا بفضلك، ولا تعاملنا بعدلك)؛ لأنه إذا صار البناء على العدل، فإن تناول لقمة إضافية تحتاج إلى محاسبة.
4. غسل اليد اليسرى: وكذلك عند غسل اليد اليسرى، يتذكر قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}.. يأخذ شهادة الدخول في نارِ جهنم، إن كان مؤمناً لعله آلاف السنين، وإن كانَ كافراً إلى الأبد.. فيقول: (اللهم!.. لا تعطني كتابي بشمالي، ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي، وأعوذ بك من مقطعات النيران)، فيتذكر بذلك أهوال القيامة: حيث أن رب العالمين يوم القيامة يحشر البعض بهيئة إذلال، ويحشر المجرمين وأيديهم مغلولة إلى أعناقهم، ويلبسون ثياباً من نار.
ما هي مقطعات النيران؟..
إن هناك فرقاً بين إنسان يشتري ثوباً جاهزاً فضفاضاً، وبين إنسان يقطع له ثوب، فيكون الثوب لاصقاً ببدنه.. ونحن نقول: يا رب!.. لا تلبسنا من مقطعات النيران ثوباً من حميم نار جهنم.. يقول تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}.. فالخلايا الحسية في الجلد إذا احترقت في نار جهنم وتحوّلت إلى فحم، فإن الإنسان يرتاح، وينتهي كل شيء.. ولكن الله -تعالى- يقول: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} أي هو في عذاب متجدد!.. ولهذا حق لأولياء الله عندما يصل لهذه الآيات أن يشهق ويبكي، وأن يستعيذ بالله من نار جهنم.
5. مسح الرأس: عندما يمسح رأسه، وإذا به يقول: (اللهم!.. غشٌني برحمتك وعفوك وبركاتك)؛ أي يا رب، أنا لا أريد رحمة عابرة.. بل أملأني من رأسي إلى قدمي، رحمة وبركة.
6. مسح الأرجل: أما عند مسح الرجل فيقول: (اللهم!.. لا تزل قدمي يوم تزل فيه الأقدام، واجعل سعي فيما يرضيك عني يا ذا الجلال والإكرام)!.. فنحن جميعاً من أهل جهنم وروداً، يقول تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا}.. حيث أن الصراط يمرّ على جهنم، فيراها المؤمنون؛ لأن النعم تُعرف بأضدادها، يا لهُ من موقف رهيب!.. فإذن، الإنسان عند مسح القدم ينتقل إلى موضع الصراط.
وبالتالي، فإن الإنسان الذي يتوضأ ويعمل بمستحبات الوضوء؛ فهو يستعرض فيلماً من أفلام يوم القيامة، من ثلاث إلى خمس مرات في اليوم.. ولكن أينَ هذا الوضوء من وضوئنا نحنُ؟.. فهذا الوضوء، هو مقدمة للصلاة.. والذي يتوضأ بآداب الوضوء؛ يرق قلبه، ويكون مقدمة لصلاةٍ خاشعةٍ بينَ يدي الله عِزَ وجل!..

روايات اليسر في الحساب..
أولاً: إن الدنيا دار ستر، ألا نقول في الدعاء: (إلهي!.. قد سترت علي ذنوباً في الدنيا، وأنا أحوج إلى سترها علي منك في الأخرى).. فالذين في ذمتهم أموال للغير، مثلاً: عندما كان صغيراً سرق بعض الحلوى من البقالة، أو خدش سيارة بالخطأ، فهذه مظلمة في عنقه، أو ربما دفع خمساً ناقصاً عن الحد.. فإن هذا حله رد المظالم للعباد، أو دفع مجهول المالك.. روي (بينا رسول الله -صلى الله عليه وآله- جالس إذا رأيناه ضاحكاً حتى بدت ثناياه، فقلنا: يا رسول الله!.. ممّ ضحكت؟.. فقال: رجلان من أُمّتي جيئا بين يدي ربّي فقال أحدهما: يا ربِّ!.. خذ لي بمظلمتي من آخر، فقال الله -تعالى-: أعطِ أخاك مظلمته، فقال: يا ربِّ !.. لم يبقَ من حسناتي شيء، فقال: يا ربِّ!.. فليحمل من أوزاري، ثم فاضت عينا رسول الله -صلى الله عليه وآله- وقال: إنّ ذلك اليوم تحتاج الناس فيه إلى مَن يحمل عنهم أوزارهم، ثم قال الله تعالى للطّالب بحقه: ارفع بصرك إلى الجنّة فانظر ماذا ترى؟.. فرفع رأسه فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: يا ربِّ لِمَن هذا؟!.. فقال: لِمَن أعطاني ثمنه، فقال: يا ربِّ، ومَن يملك ثمن ذلك؟.. فقال: أنت، فقال: كيف بذلك؟.. فقال: بعفوك عن أخيك، فقال: قد عفوت، فقال الله -تعالى-: فخذ بيد أخيك فادخلا الجنّة.. فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ}.
ثانياً: إن الذين يريدون أن تصلهم هذه الرحمة، فليتأملوا في هذه الرواية.. ورد في الخبر عن الصادق -عليه السلام- أنه قال: (إنّ آخر عبد يُؤمر به إلى النار يلتفت فيقول الله عزّ وجلّ: أعجلوه، فإذا أُتي به قال له: يا عبدي!.. لمَ التفتّ؟.. فيقول: يا ربّ!.. ما كان ظني بك هذا، فيقول الله جلّ جلاله: عبدي، وما كان ظنك بي؟!.. فيقول: يا ربّ!.. كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي، وتسكنني جنّتك.. فيقول الله: ملائكتي!.. وعزّتي وآلائي وبلائي وارتفاع مكاني، ما ظنّ بي هذا ساعة من حياته خيراً قطّ، ولو ظنّ بي ساعة من حياته خيراً، ما روّعته بالنار.. أجيزوا له كذبه، وأدخلوه الجنّة)!.. ثم قال الصادق -عليه السلام-: (ما ظنّ عبدٌ بالله خيراً إلا كان الله عند ظنّه به، ولا ظنّ به سوءاً إلا كان الله عند ظنّه به، وذلك قوله عزّ وجلّ: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ}).. هنا قد يقول قائل: إذا كان الأمر بهذه البساطة، فإن الكل يدّعي هذا الإدعاء، فلا يبقى أحد في النار.. ولكن ليس كل إنسان يتعلم هذا البيان، ألا نقول في الدعاء: (اللهم!.. لقني حجتكَ يوم ألقاك)؛ أي لقني الحجة لأتكلم بما يرضيك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى