سلطنة عمان - مسجد الرسول الأعظم (ص) عام 1427هـ

الليلة العاشرة

ما وراء الصور الظاهرية للعبادة | توصيات عامة

إن الصلاة على النبي وآله دعاء، لأنها مبدوءة بكلمة “اللهم”!.. أي أن هناك خطاباً لله عز وجل، ومادام الأمر من مصاديق الدعاء؛ فإنه ينبغي أن نلتزم بآداب الدعاء.. ومن أهم آداب الدعاء: الالتفات للمدعو، ولو بأدنى درجات الالتفات!.. فإن لم يلتفت الإنسان أثناء الصلاة؛ فلا دعاء.. وإذا لم يتحقق الدعاء، فلا استجابة في البين إلا تفضلاً!.. فلنحاول أن نغير من المظهر الشكلي للصلوات، ونجعله دعاء حقيقة.. وهنالك عدة صيغ للصلوات جداً رائعة وجميلة، ومنها هذه الصيغة التي هي من أجمع الصيغ!.. سئل الإمام جعفر الصادق -عليه السلام- عن قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، فقال -عليه السلام-: (الصلاة من الله -عزّ وجلّ- رحمةٌ، ومن الملائكة تزكيةٌ، ومن الناس دعاءٌ.. وأما قوله -عزّ وجلّ-: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} فإنه يعني التسليم له فيما ورد عنه).. فقيل له: فكيف نصلي على محمد وآله؟.. قال -عليه السلام-: (تقولون: “صلوات الله، وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه، على محمد وآل محمد، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته”).. فقيل: فما ثواب مَن صلّى على النبي وآله بهذه الصلاة؟.. قال -عليه السلام-: (الخروج من الذنوب والله!.. كهيئة يوم ولدته أمه).. فالمصلى عليه هو النبي محمد وآله؛ بخلاف الصلاة البتراء.. ومنطقياً ليس هناك أجمع من هكذا صيغة: فالصلوات والرحمة والبركات على النبي وآله، من الله وملائكته ورسله وأنبيائه والناس أجمعين!.. فمن أراد أن يصلي على النبي، فليصلي بهذه الكيفية.. قد يقول قائل: هل يعقل أن يخرج الإنسان من الذنوب بكلمة واحدة؟!.. نعم، من باب التفضل!.. هناك كلمتان -الشهادتان- تخرجان الإنسان من الكفر إلى الإسلام؛ فما المانع ببركة الصلاة على النبي وآله، أن يمحو رب العالمين الخطايا والذنوب؟.. فالأمر بيده!..

بعض التوصيات العملية..
أولاً: الأسرة..
إن الناس قسمان: مؤمنون وغير مؤمنين، وكذلك المؤمنون صنفان:
الصنف الأول: وهو الذي يريد سعادة دنيوية من أجل السعادة فقط!.. أي يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، فنرى البعض -مع الأسف- يعلق الآمال العريضة على شفاعة أهل البيت -عليهم السلام-؛ مغفلاً العمل بمنهجهم، واتباع سيرتهم العطرة.. كما قال الشاعر:

سودتُ صحيفة أعمالي *** ووكلتُ الأمر إلى حيدر

هذا الاعتقاد غير صحيح، إنه مجرد شعر، وليس بقاعدة عقائدية!.. فالإنسان في الشعر يستطيع أن يقول ما يريد!.. ولكن هذا ليس منطق القرآن الكريم!.. والحال بأن الشفاعة والعمل جناحان يطير بهما الإنسان، وقد ورد في الصلوات الشعبانية ما يشير إلى لزوم الجمع بين الشقين، حيث يقول الإمام السجاد -عليه السلام-: (اللهم!.. فأعنا على الاستنان بسنته فيه، ونيل الشفاعة لديه).. وعليه، فإن الذي يريد أن يصل إلى مقام الشفاعة، لابد وأن يقرن ذلك بالعمل والاستنان بسنة النبي وأهل بيته -عليهم السلام- فيواظب على الصيام والصلاة، وإن كان هناك زلة أو هفوة؛ فباب الشفاعة مفتوح، وعندئذ النبي الأكرم -بإذن الله عز وجل- سيُعْمِل شفاعته!.. أما لا نعمل بالسنة، وبما ورد من نواهِ وأوامر، ونعوّل على الشفاعة، فهذا ليس صحيح!..

الصنف الثاني: وهو الذي يريد الحياة السعيدة المطمئنة؛ مقدمة لعمله الأخروي.. فالأسرة الهادئة التي ليس فيها مشاكل ولا غضب؛ تساعد الإنسان على التفرغ لأمور آخرته!.. ومن المعلوم أن الإنسان العاقل في حياته اليومية، يضحي بالمهم في مقابل الأهم!.. ومن الأمور الراجحة أن يكون الإنسان مستقراً نفسياً!.. والأسرة الهادئة هي التي فيها احترام لوجهات النظر وللحدود.. قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}؛ فرب العالمين أعطى الرجل بعض المزايا؛ لأنه يكد صباحاً ومساءً.. فإذا قيل: لا تخرج المرأة إلا بإذن زوجها، فإنها تتفهم ذلك!.. فالرجل هو صاحب دفة هذه السفينة، حيث أن الحياة لا تتم إلا عن طريق القيادة المركزية.. ففي كل حركة اجتماعية، وفي كل تجمع بشري، لابد من وجود مدير حاسم في إدارته.. وقد ورد في الروايات: “إذا خرج ثلاثة في سفر؛ فليؤمر أحدهم”؛ لأنه عندما يسافر ثلاثة أشخاص في سفرة سياحية، فإنه من الطبيعي أن يكون هنالك في كل خطوة من الخطوات خيارات، ووجود الخيارات يعني وجود وجهات نظر مختلفة، ووجود وجهات نظر مختلفة يعني وجود أرضية للاختلاف فيما بينهم.. وعليه، فإنه لابد من وجود حسم لهذه المسألة، وهنا يأتي دور الأمير أو القائد!..

إن الحياة الزوجية هي عبارة عن شركة، فإذا اختلف أصحاب هذه الشركة؛ سيكون هناك صوتان: صوت للرجل، وصوت للمرأة.. فإن لم يكن هناك تمايز، ولا تفاضل، ولا قوامة؛ فمن الذي يرفع الخلاف؟.. لذا، لابد أن يكون هناك حزم لأحدهما.. فجاء الإسلام بهذا الحل، حيث جعل الرجل هو صاحب القرار عند الاختلاف، وهو الذي يحسم كل نزاع داخل الجو المنزلي.. وهذا له أيضاً مقوماته، أي أن الإسلام لم يعط هذا التفويض للرجل جزافاً.. فمن موجبات قوامة الرجل: أنه هو صاحب الرزق، ولهُ القدرة على فك النزاعِ، وعلى حل الاختلاف بما يملك من حزم.. فالعاطفة والتعقل في الرجال، أقوى من النساء!.. أضف إلى ذلك: أنه إذا كان للسفينة رُبانان؛ غرقت السفينة.. ولكن -مع الأسف- الكثير من الرجال، لم يعرف معنى هذهِ الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}، ليس فيها معنى الملكية، ولا الاسترقاق، ولا الاستعباد.. فليس هنالك ولاية مطلقة!.. الولاية المطلقة لله ولرسوله، ولكن الزوج معطى بعض الصلاحيات، لإدارة شئون المعيشة.

إن الإنسان الذي لا يمتلك هذه الأسرة الهادئة؛ لا يمكنه الوصول إلى مقام أبداً.. مثله كمثل الدول المتحاربة: فالدول التي تكون في حال حرب، لا يقوم فيها عمران، ولا مشاريع اقتصادية؛ لأن ميزانيتها تصب في الحروب والمواجهات والإعلام.. الخ.. كذلك الرجل الذي يأتي إلى المنزل، وهو يتوقع في كل لحظة أن ينفجر في وجهه لغم من الألغام، أو يواجه وجهاً مكفهراً من الزوجة؛ فإنه من الطبيعي أن يُسلب التركيز.. وهكذا بالنسبة إلى الزوجة التي ترجع إلى المنزل ويدها على قلبها، لأنها قد تواجه مشكلة مع زوجها.. فهذه كارثة من الكوارث!.. وأول نتائج هذه الأجواء الأمراض العصبية، وقد يؤدي ذلك إلى العنف وعدم التقوى؛ فالشيطان يتربص بالمؤمن الدوائر!.. بعض الأوقات الشيطان هو الموتر، وهو الذي يوسوس، والأداة هي المرأة أو الرجل.

فإذن، على الأقل من باب تهيئة الفرصة للتكامل الروحي والأخلاقي، لابد أن نعيش حياة خالية من أي توتر.. والحل الأنسب لمثل هذه الأمور: أن يغير الإنسان من نظرته للحياة، ومن استراتيجيته.. وذلك من خلال:

1. النظر إلى الزوجة على أنها أمانة الله.. إن المؤمن ينظر إلى كل ما في الوجود على أنه عبد لله عز وجل.. إذ يكفي أن يعتقد الزوج بأن هذهِ الزوجة أمانة إلهية عنده: أي لها رب؛ كما أن للزوج رباً، وهنالك من يدافع عنها، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}.. والزوجة إذا رأت الأجواء متوترة، ما عليها إلا أن تقرأ الآية الأولى من سورة المجادلة؛ فهي نعم الحكم، ونعم المنفس لغضب الزوج: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.. عندئذ لا يتجرأ على الفحش في القول، أو الادعاء بأشياء غير صحيحة.. صحيح هما في غرفة مغلقة، لا يوجد فيها أحد، ولكن رب العالمين بعظمته يسمع ما يدور بينهما!.. فلو حكمنا هذه الآية في حياتنا الزوجية، لم يعد هنالك فرق بين الخلوات وبين الجلوات.. ولكن مع الأسف جعلنا الله -عزّ وجلّ- أهون الناظرين!.. هناك من يحمد الله -عز وجل- عندما تغضب زوجته عليه، يقول: بأنها نفست عما في باطنها وارتاحت، وكنت بعدم ردي عليها سبباً لسعادتها.. وهناك في حياة الأئمة -عليهم السلام- نماذج من هذا القبيل!..

إن بعض الأزواج لا يربطهما، إلا مسألة الأولاد والسمعة!.. ولكن ما هذه الحياة، كيف يعيش الإنسان مع من لا يشتهيه، أو مع من هي عدوة له!.. وكأنها شركة تجارية، فإذا انفصلا الشركة تسقط؛ مما يضطرهما إلى إكمال المشوار.. ولكن ما الذي سيحصل عندما يدير الشركة شريكان متشاكسان؟!.. فإذن، الحل الأول أن ينظر كل من الطرفين للآخر، على أنه أمانة الله -عز وجل- في الأرض.. قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (الرجل إذا أنفق النفقة على أهله، يحتسبها كانت له صدقة)، وقال أيضاً: (أربعة دنانير: دينار أعطيته مسكيناً، ودينار أعطيته في رقبةٍ، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك؛ أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك).. فالبعض يظن أن روايات الإكرام والصدقة وغيرها للآخرين فقط!.. ولكن هل إدخال السرور على قلب المؤمن، يعني إدخال السرور على قلب المرجع وعلى قلب العالم فقط، وإذا أدخل السرور على قلب زوجته ألا يعتبر من مصاديق هذا الحديث: عن الصادق -عليه السلام-: (أيما مؤمن نفّس عن مؤمن كربة، نفّس الله عنه سبعين كربة من كرب الدنيا وكرب يوم القيامة)؟.. وهكذا الزوجة عندما يأتي الزوج مرهقاً من العمل، فمن أفضل الصدقات والقرب إلى الله -عز وجل- أن تدخل عليه السرور، على الأقل باستقباله بوجه طلق عذب!..

2. الرضا والصبر.. إن الإمامين المجتبى والجواد -عليهما السلام- هذان الإمامان لهما عند الله -عز وجل- منزلة خاصة، كما لسيد الشهداء منزلة خاصة: (إن الله خص ولدي الحسين -عليه السلام- بثلاث: الأئمة من ذريته، والشفاء في تربته، والدعاء مستجاب تحت قبته).. الإمامان كذلك لهما مزية ليست لأحد من أئمة أهل البيت، من حيث الأجر والقرب، وهو أنهما كانا مبتليين بزوجتين في منتهى السوء!.. فهاتان الزوجتان في موسوعة التاريخ مجرمتان، قاتلتان لإمام زمانهما.. والإمام الجواد -عليه السلام- هو أول إمام يستشهد في شبابه، وعندما كان يقضي عطشاً، وقد سقي السم، كانت تقول أم الفضل: دعوا ابن الرضا يموت عطشاً!.. تقول هذا الكلام بحق الإمام الذي هو مظهر الجمال الإلهي!.. فالإمام الحسن والإمام الجواد -عليهما السلام- تحملا هكذا زوجات!.. وهذا درس وعبرة لنا جميعاً: أنه لو ابتلي الإنسان بزوجة غير صالحة، أو ابتليت المرأة بزوج غير متفهم؛ فالحل هو أن يحتسبا ذلك عند الله -عز وجل-.. يقال: أن أحدهم سمع بولي من أولياء الله -عز وجل- في بلدة يقال لها: “آراك”، فشد الرحال لزيارة هذا الولي الصالح، واكتشف أن المقامات العالية التي وصلها هذا الرجل؛ ما هي إلا بفضل صبره على سوء خلق زوجته، فبسببها أصبح من أولياء الله!.. وعليه، فإن الصبر على الزوج أو الزوجة باب من أبواب الرقي والتكامل!..

3. امتصاص المشكلة.. وهذا حل جميل ومجرب!.. قال السيد هاشم الحداد: “كانت‌ أُمّ زوجتي‌، تتعمّد أن‌ ترانا في‌ شدّة‌ وعسر، لكأنّها كانت‌ تسعد بذلك‌ وتسرّ… وكانت‌ زوجتي‌ تتحمّل‌ وتصبر، لكنّ صبرها وتحمّلها كانا محدودَينِ.. وكنت‌ أتحمّل‌ ما تضيفه‌ أُمّ زوجتي‌ هذه‌ فوق‌ مصائبنا، حتّي‌ كانت‌ ليلة‌ من‌ ليالي‌ الصيف‌، عدت‌ فيها إلي‌ المنزل‌ من‌ الخارج‌ بعد أن‌ مرّ جزء من‌ الليل‌، تعباً مرهقاً وجائعاً وعطشاناً أُريد الذهاب‌ إلي‌ الغرفة، فرأيت‌ أُمّ زوجتي‌ جالسة‌ قرب‌ الحوض‌ في‌ ساحة‌ المنزل‌،… وحين‌ علمتْ أ نّني‌ قد دخلتُ المنزل‌، شرعتْ في‌ كيل‌ كلمات‌ التجريح‌ والسباب‌ والشتائم‌ التي‌ تخاطبني‌ بها.. ولم‌ أدخل‌ إلى‌ الغرفة‌، بل‌ اتّجهت‌ نحو السلّم‌ فصعدت‌ إلى‌ السطح‌ لأستلقي‌ هناك‌، فرأيت‌ أنّها رفعت‌ عقيرتها وزادت‌ نبرات‌ صراخها، بحيث‌ صار الجيران‌ يسمعونه‌ فضلاً عنّي‌.. وهكذا فقد كالت‌ لي‌ سيل‌ الشتائم‌ والسباب‌، واستمرّت‌ تعدّد وتعدّد حتّي‌ عِيل‌ صبري‌.. فهبطتُ الدرج‌ بدون‌ أن‌ أنتهرها، أو أردّ عليها بكلمة‌ واحدة‌، وخرجتُ من‌ باب‌ البيت‌ فهمتُ علي‌ وجهي‌ بلا هدف‌، ورُحتُ أسير في‌ الشوارع‌ بلا قصد أو انتباه‌، بل‌ هكذا أسير في‌ الشوارع‌ دون‌ أن‌ أعرف‌ إلي‌ أين‌ أذهب‌؛ كنت‌ أسير فقط‌.. وفجأة‌ رأيت‌ في‌ تلك‌ الحال‌ أنّني‌ صرت‌ اثنين‌: أحدهما السيّد هاشم‌ الذي‌ اعتدتْ عليه‌ أُمّ زوجته،‌ وسبّته،‌ وشتمته‌.. والآخر هو أنا، مجرّد ومحيط‌ ومتسام،‌ لم‌ ينلني‌ سبابها وشتائمها.. فلم‌ تكن‌ أساساً تسبّ سيّد هاشم‌ هذا، ولم‌ تكن‌ لتسبّني‌ أو تشتمني‌، بل‌ كان‌ سيّد هاشم‌ ذاك‌ هو الجدير بكلّ أنواع‌ القبيح‌ من‌ القول‌.. أمّا سيّد هاشم‌ هذا، الذي‌ هو أنا، فلا يستحقّ أن‌ يسبّ، بل‌ إنّها مهما سبّت‌ وشتمت‌ فإنّ ذلك‌ لن‌ يصل‌ إلي‌ّ”.. ولكن يجب التنبه إلى أن المؤمن كرامته لا تداس، فيكون متوازناً: لا يأخذ جانباً وينسى جانباً.. فالجامعية هي النمو في كافة المجالات، وليس في مجال على حساب مجال آخر!..

4. تحاشي الخلاف العلني.. علينا أن نسيطر على الخلافات، وإلا فإن عواقبها وخيمة، ومن عواقبها تفكك الأولاد.. فالحركات النزاعية والخلافية بين الزوجين تلتقط من قبل الأطفال، ولابد أن يُحكم عليهما مستقبلاً؛ لأن الطبيعة الإنسانية تميل إلى الحسم.. فإذا رأى الطفل نزاعاً بين الأبوين، يتفتت في داخله، ولا يعلم أي جانب يأخذ: فهذا له حق، وهذه لها حق.. ولكن عندما يكبر، ويخرج من المنزل، ويستقل؛ عندئذ يأخذ قراراً بأن يعقّ من كان ظالماً.. فلا يقول: بأن كليهما على الحق، لابد وأن يحكم في نفسه بأن الحق مع أحدهما؛ فإذا حكم بذلك، فإنه من الطبيعي أن يعيش نفوراً من الظالم، وميلاً إلى المظلوم.. ولذلك نرى بعض الأولاد عندما يدعو لوالديه، يحذف أباه من القائمة، وقد يدعو عليه؛ وهذه مصيبة!.. حيث أن بعض الآباء بسلوكهم وبسوءِ تصرفهم، يكونون سبباً في عقوق أولادهم.. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (رحم الله من أعان ولده على برّه، وهو أن يعفو عن سيئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله).. والعكس صحيح: لا رحم الله من أعان ولده على عقوقه!..

5: سياسة الدفع بالتي هي أحسن.. إن كلا من الزوج والزوجة معدن مختلف عن الآخر.. لذا، لابد من سياسة التوافق والتنازل؛ لأن كل واحد له مزاج مختلف.. وسياسة الدفع بالتي هي أحسن، من موجبات ضمان هذهِ السعادة الأسرية.. فلا الزوج هو الرجل المثالي، ولا هي الزوجة المثالية.. وعليه، لابد من سياسة الكسر والانكسار، والذي لا يتبع هذهِ السياسة، قد يقع في المطب يوماً ما.. يقول تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، هذه الآية ليست آية أخلاقية، إنما هي معادلة فيزيائية: ادفع بالتي هي أحسن؛ عندئذ يحوّل رب العالمين الطرف المقابل إلى صديق.. فهذه معادلة لا تخلف فيها!..

6. الاحتكام إلى الشريعة.. إن الحياة الزوجية لا تخلو من وجود خلاف في وجهات النظر، وهذا الخلاف قد يتحول إلى اختلاف.. وبما أن الخلاف أمر طبيعي ومن المستحيل الاتفاق بشكل كامل؛ فإذن لابد من الاتفاق بينهما على تعيين حكم تكون له كلمة الفصل.. ومادام هنالك قواعد شرعية جاء بها المشرِّع الحكيم، فلابد أن تكون هي الفاصل والحسم لكل اختلاف يقع في الحياة.

7. الالتجاء إلى الله تعالى.. إن رب العالمين له تصرفات في عالم القلوب، فهو القائل: {وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}.. لذا فإن الذي عنده مشكلة عائلية أو أسرية؛ عليه: عدم اليأس من رحمة الله تعالى، والإكثار من الدعاء في أن يبارك الله -عز وجل- له في أسرته.. فلطالما كان هناك زيجات بين مؤمن ومؤمنة في أرقى درجات الإيمان، ولكن بعد أيام قليلة يتم الانفصال.. والزوجة اليائسة من حياتها الزوجية، عليها أن تطلب من الله -عز وجل- أن يلين قلب الزوج إلى ما فيه رضاه!.. فقد ورد في الحديث الشريف: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- يقلبها كيف شاء).

ثانياً: الشباب..
كما أن هناك مراهقة مبكرة، كذلك هناك شبابية متأخرة.. فالبعض يناهز الخمسين من العمر بل والستين، وهو لايزال يعيش حالات المراهقة، والميل إلى النساء.. والميل إلى النساء ليس حراماً؛ ولكن بشرط أن لا يصبّ في قنوات محرّمة، بل ولا يؤدي إلى عمل لا يليق بالمؤمن.. فليس كل مستحب يعمل به، إذ أن المستحب الذي يزاحم أموراً أخرى؛ لا يقوم به المؤمن!.. نحن لا نقول: بأن المستحب صار مكروهاً!.. فهذا تشريع يدخل صاحبه نار جهنم؛ ولكن تطبيق الأمور يحتاج حالة من حالات الموازنة.. والأئمة -عليهم السلام- كانوا مظهراً لذلك:

1. قال الصادق -عليه السلام- لأصحابه: (هبوا لي المتعة في الحرمين، وذلك إنكم تكثرون الدخول عليّ، فلا آمن من أن تؤخذوا فيقال: هؤلاء من أصحاب جعفر (ع))؛ أي إذا عرف الإنسان بهذه الصفة، فقد يوجب الوهن له!..
2. كتب أبو الحسن -عليه السلام- إلى بعض مواليه: (لا تلحّوا في المتعة، إنما عليكم إقامة السنّة.. ولا تشتغلوا بها عن فرشكم وحلائلكم؛ فيكفرن ويدعين على الآمرين لكم بذلك، ويلعنونا).

فإذن، إن هناك عناوين ثانوية.. هناك سياسة الكسر والانكسار، وسياسة الموازنة، وسياسة الربح والخسارة!..

مسألة النظر..
إن المفاسد الأخلاقية، منشؤها الانفلات في عالم النظر!.. فإذا تحكم الإنسان في نظره؛ يبقى قلبه نظيفاً.. لأن الإنسان الذي ينظر إلى أجمل الوجوه في الأرض، وإلى هذا الكم الهائل من الصور المحرمة؛ فإنها تنطبع في قلبه، حيث أن هناك ملفاً في داخل وجوده، يحتفظ بهذه الصور، ثم ينظر إلى زوجته، فيجعلها تلقائياً داخل هذا الملف، ويقارنها بهم دون قصد منه!.. وإذا به يراها باهتة جداً، عندما يقيس هذه الزوجة المؤمنة العادية، إلى ملكات جمال العالم.. حتى لو كانوا في الأسبوع الأول لشهر العسل، فيزهد فيها وفي جمالها.. هذا إذا كانت تنافس؛ فكيف إذا كانت خارج دائرة المنافسة؟!.. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن هذا الإنسان، سوف لن ينظر إلى هذه الزوجة بوصفها الإيماني، بل بوصفها المادي والجسدي، والتي لا يمكن أن تدخل في سباق مع هذه الوجوه.

وعليه، فإن إن أكثر الناس نجاحاً وتلذذًا في مسألة الزواج؛ هم العلماء.. لأنه في الحوزات ليس هناك نساء، وإن كان فليس هناك نظر!.. لذا، فهو لا يرى في الحياة إلا زوجته، منذ أن أدخلوها بثيابها البيضاء -ثياب العرس- إلى أن يخرجوها بثيابها البيضاء -الكفن- أي من البياض إلى البياض، وهو لا يرى إلا هذا الوجه الطيب.. ولهذا حياتهم قلّما يوجد فيها مشاكل زوجية!..

إن الشباب الذين يتم زجرهم عن هذه المسألة، بأسلوب التخويف بالحيات والعقارب والنيران؛ ذلك العذاب المؤجل.. فهذا لن يفيد كثيراً معهم؛ لأنهم يقولون: بعد أن نقوم بهذا الأمر، ونستمتع؛ إن شاء الله نتوب ونستغفر الله، ونحج ونعتمر، ونحيي المجالس الحسينية، وليالي القدر.. وبإذن الله نكفر عن سيئاتنا!.. لذا يجب إتباع أسلوب آخر، وهو الإقناع من خلال ما يلي:

أولاً: ما قيمة هذه الصور الفانية؟..
1. إن الشاب تارة ينظر إلى امرأة في أحد المواقع: فلا يدري هل هذه المرأة حية، أم ميتة؟!.. ولا يعلم أين هي؟!.. ولعلها صورة مبتكرة وليست حقيقية مثلاً!.. فهذا يعني أن قلبه تعلق بوهم!.. وبمجرد إطفاء الجهاز؛ فإن الصورة تختفي.. فهل هناك عاقل يدخل جهنم لأجل صورة وهمية؟!..

2. وتارة يتعلق بامرأة مجهولة تعبر الشارع، فيبقى يتابعها بنظراته إلى أن تغيب عن الأفق.. ولعلها امرأة متزوجة!.. أو امرأة ثرية لا يمكن الوصول إليها!.. فما الذي استفاده من هذا النظر لثوانٍ؟.. هل هناك عاقل يدخل نفسه نار جهنم؛ لأجل ثوان من النظر الذي لا ثمرة له؟..

إن شريعتنا خير الشرائع، ومدرسة أهل البيت خير المدارس!.. انظروا إلى كتاب النكاح في منهاج الصالحين: “يجوز لمن يريد أن يتزوج امرأة، أن ينظر إلى محاسنها: كوجهها، وشعرها، ورقبتها، وكفيها، ومعاصمها، وساقيها، ونحو ذلك..”.. أي يجوز أن ترفع حجابها أمامه قبل العقد؛ لأنه إنسان جاد يريد الزواج من هذه المؤمنة.. أما أن ينظر إلى صورة إلكترونية؛ فهذا لا يجوز!.. أحد المؤمنين كان يصلي جماعة في دولة أوروبية، يقول: أنا في يوم من الأيام نظرت إلى امرأة وذهبت المرأة، ولعلها ماتت.. نظرة واحدة، ربّ العالمين يُعاقبني عليها؛ كلما أردت أن أصلي، وإذا بتلك الصورة نافذة أمامي.. نعم، إن عالم النظر عالم عجيب وغريب!..

ثانياً: الخلوة المحرمة..
إن الشاب قد يتعرض أحياناً إلى موقف، كموقف يوسف -عليه السلام-؛ أي هناك خلوة ودعوة للحرام!.. هنا الاختبار أصعب!.. نسأل الله -عز وجل- أن لا يورط أحداً بهذا الموقف!.. رغم أن هناك من يتمنى ذلك، كي يقوم بعمل بطولي، ويكون كيوسف -عليه السلام-.. ولكن المؤمن لا يطلب من الله -عز وجل- الاختبار!.. بل يقول: يا رب، أعطني درجات بدون اختبار.. أما إذا تورط بهكذا موقف؛ فماذا يعمل؟.. عليه أن يتبع سياستين:

1. سياسة التقشير: إذا خلا المؤمن مع امرأة، فليحللها إلى عناصرها الأولية.. فجمال المرأة في وجهها، وهذا الوجه عبارة عن جلد لا يتجاوز عمقه الميكرون أو أقل، يغطي ما تحت الوجه من أعصاب وكتل وجمجمة.. وعليه، فإن هذا الجلد قناع جميل رماه الله -عز وجل- على لحمها وشحمها وعظمها من باب تيسير المعيشة، حتى يرغب الإنسان بالمرأة، ويتم التناكح والتناسل!.. ففي المشرحة لا فرق بين الرجل والمرأة، كلها وجوه متشابهة!.. وبالتالي، فإن الإنسان يرى جمالاً مرسوماً على ما هو أقل سمكاً من الورقة، وهذا الجمال ليس جمالاً ثابتاً: فلو أنه قدر لامرأة أن تصاب بحريق في الدنيا، فإن هذا الجمال يزول بثوانٍ!.. فإذن، هذا ليس ذلك الجمال الذي له عمق عظيم، فهل هناك إنسان يعلق قلبه على ذلك؟..

2. سياسة العداوة: عندما يمرّ الإنسان على فتاة جميلة، وتنازعه نفسه لرؤيتها في خلوة مريبة، لو جاءه أحدهم وقال له سرّاً: هذه الفتاة قبل ساعة ضربت أمك في الشارع، أو أهانت أباك.. فإن شهيته تذهب؛ لأنه علم أن هذه عدوته.. فشهوته تذوب عندما يعلم أنَّ لها موقفاً من ذلك الشخص المحبب إليه.. أيضاً هذه الفتاة لها ارتباط بالشريعة، ولها موقف من ربّ العالمين، فالمرأة التي تهتكت وتبرّجت؛ وضعت حكماً شرعياً تحت قدميها.. إن كان هذا الإنسان يحبّ ربّ العالمين؛ فإنه لا يحبّ مَنْ هتك حرمات الله -عزّ وجلّ-.. وهل تبقى بعد ذلك شهية، لأن ينظر إلى هذا الحرام، وهو يعلم بأنها عدوّة لربّ العالمين ولو في هذا المقام؟..

مواصفات الزوجة..
ومن هنا ننصح الإنسان عندما يريد الزواج، أن لا ينظر إلى هذا الشكل الملفت.. وإنما لينظر إلى ما وراء الشكل، لينظر إلى جيناتها الوراثية، وإلى روحها!.. لينظر إلى ترسبات الماضي، هل هي من بيئة سليمة، أو من بيئة غير سليمة؟.. يلحظ تاريخ الأبوين والأرحام، فإن كل ذلك مؤثر في حركة الحياة، كما ورد عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله-: (اختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعين)، والعلم أثبت بأن هذه الجينات الوراثية مقتبسة من أجيال وأجيال.. والذي ينظر إلى الجانب الجمالي للمرأة، فقد يكله الله -عز وجل- إلى هذا الجمال، الذي له بريقه في أيام.. قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها).. ثم قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك).. وقال أيضاً -صلى الله عليه وآله-: (أيُّها الناس، إياكم وخضراء الدمن!.. قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟.. قال: المرأة الحسناء في منبت السوء).

فإذن، إذا فتح الشاب المواقع أو الفضائيات، فليتذكر أن هذه الإلكترونات: هي ذبذبات ضوئية ليس وراءها شيء.. هو مجرد زجاج، ولكن فيه بعض النقوش.. والإنسان العاقل لا يدخل جهنم بسب هذه النقوش!.. وأما إذا خلا بامرأة فعليه أن يقشر هذا الجمال، وينظر ما وراءه!.. فيعلم أنه ليس هناك شيء مغرٍّ فيه!.. وهذه مقدمة لتكوين الأسرة الصالحة.

ثالثاً: كبار السن..
إن كل إنسان مهما بلغ، سيحال على التقاعد، وفي نهاية المطاف سيصبح حبيس المنزل إلى أن يموت.. فالبعض يسقي الزرع، ويدبر شئون المنزل، ويجلس أمام التلفاز!.. ولكن قبل أن نصل لهذه المرحلة، يجب التهيؤ لها من أيام الشباب!.. يقول الإمام السجاد -عليه السلام-: (واجعل أوسع أرزاقنا عند كبر سننا، وأحسن أعمالنا عند اقتراب آجالنا).. فالذين يريدون أن يتفرغوا في الثلث الأخير من حياتهم للعبادة، وخدمة الخلق في سنوات التقاعد؛ عليهم أن يكدوا ويجتهدوا أيام الشباب الأولى، حتى يكون لهم رأس مال، وراتب تقاعدي جيد، يصرف منه في كبره.. عندئذ يتفرغ لآخرته: فيسافر للمشاهد المشرفة، ويصبح حمامة المسجد، فيؤدي فروضه الثلاثة فيه.. لا أن يكون في غرفة الإنعاش، ولازال مشغولاً بالأسهم والأراضي.. إلى متى يبقى الإنسان هكذا: قبل صلاة الجماعة الحديث عن الأسهم، وفي الطواف يطوف وهو يتكلم بالهاتف حول الأموال والأسهم!.. الإنسان يتهيأ للقاء ربه على الأقل العشر سنوات الأخيرة من عمره، فأعمارنا ليست بأكثر من عمر النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله-.. ومن يكون فوق السبعين، هذا ليس عمراً؛ حيث أن الكثيرين في هذا السن يصابون بالأمراض المتعددة.. فإذن، هذه السنوات هي سنوات الإعداد لما بعد الموت.. الإنسان يحاول أن يصفي حساباته مع الله، ومع الناس، ومع نفسه.. ولكن بعض المسنين سلوكهم العملي ليس سلوك من يستعد لما بعد الموت:

يا من بدنياه اشتغل *** قـــد غـره طول الأمل
الموت يأتي بغتـة *** والقبر صندوق العمل طول

عقد الصفقات..
إن المؤمن يدعو الله -عز وجل- في شهر رمضان، أن يجعله خير شهر رمضان مر عليه.. وفي ليلة القدر يحاول أن يعقد صفقات مع الله عز وجل، فليلة القدر ليست أدعية فحسب!.. إنما حقيقتها ما وراء هذه الأمور: وهي أن يعزم عزمة من عزائم الملوك، كي يغير منهج الحياة.. في ليلة القدر يطلب من الله -عز وجل- اليقظة الروحية، وتبدل الأمور.. فذلك اللص سمع القارئ يقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، قال: بلى، قد آن، وإذا بهذا اللص يتحول إلى أعبد العابدين!.. فليلة القدر ليست ليلة في السنة، إنما ليلة قدر الإنسان، هي عندما يترك معصية أو حراماً عكف عليه.. كلنا فقراء، إذا نظرنا إلى أنفسنا؛ يئسنا لما نحن فيه!.. ففي هذا الزمان كل شيء ميسر؛ ولكننا لا نرى تميزاً في الأمور المعنوية والروحانية.. فالدنيا طبيعتها أنها توجب الغفلة والسكر، ولكن عندنا أمل بأهل البيت -عليهم السلام-، (أنا وعلي أبوا هذه الأمة).. لذا، نطلب من الله -عز وجل- في ساعات الاستجابة، أن يوفقنا لما يحب ويرضى!..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى