أرشيف زادك السريعزاد المؤمن السريعمحاظرات أبوظبي

كيف نصل الى مرحلة شرح الصدر ؟

إن هنالك اصطلاحا قرآنيا، وهو اصطلاح شرح الصدر.. ويلاحظ أن الناس في الحياة اليومية على قسمين: هناك طبقة من الناس صدورهم ضيقة إلى أبعد الحدود.. ومن معجزات القرآن الكريم في عالم الطبيعة هذه الآية: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} يقال: إن هذه الآية معجزة قرآنية في عالم الطبيعة، لأن الإنسان كلما ارتفع في طبقات الجو العليا، نقصت نسبة الأكسجين.. وبالتالي، فإنه من الطبيعي أن يضيق صدره.. والذي يضيق صدره {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} فكلما ارتفع درجة كلما ضاق صدره أكثر.

وهناك قسم آخر رزقهم الله شرح صدرٍ كبير.. يقول عليٌ عليه السلام في وصف المتقين، وهم الذين اُنعِموا بهذه النعمة: (ولولا الآجال التي كتب الله عليهم، لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين)، إن هؤلاء يحلمون بعالم أوسع وأرحب، ويرون الدنيا كالقفص، ويتمنون تلك اللحظة التي يُفتح فيها باب القفص، ليذهبوا إلى عالم فسيح.

طبعاً إن الفارق بين الطبقتين واضح في الحياة، يقال: إن الإنسان المنشرح الصدر كالبحر، فالبحر ترمي فيه الحجارة يتحرك قليلاً ثم يسكن.. والإنسان ضيق الصدر بمثابة الحوض الصغير، حيث أن أقل هزة وأقل نسيم من الهواء، يجعل هذا الحوض يتلاطم يميناً وشمالاً.. فالمؤمن المنشرح الصدر، لا تحركه العواصف، فهو كالجبال الراسية.

فما العمل الذي يجب على الإنسان أن يقوم به، لكي يصل إلى هذه الدرجة؟..
أولاً: الاتصال بالمبدأ الأعلى: إن اللاهوية واللاانتماء من أعظم المشاكل.. فهناك طبقة من الناس يعيشون في بعض المجتمعات لا جنسية لهم، أي لا يحملون وثيقة ذلك البلد، أو أي بلد آخر.. إن هؤلاء – حتى لو كانت أوضاعهم المادية جيدة – يعيشون حالة القلق والاضطراب، لأنه لا انتماء لهم.. والإنسان الذي لا انتماء له مع عالم الغيب، كالإنسان الذي لا يحمل جنسية في هذه الأرض، ونتيجته أنه أينما يذهب ينظرون إليه بعين الريبة والشك.. فإذاً أولاً الارتباط بالمبدأ، أي الارتباط الصادق.. ولكن أن يدعي الإنسان بأنه مرتبطٌ بالله من خلال شعرٍ، أو نثرٍ، أو ادعاء حالة عبادية، فهذا لا ينفع للارتباط الحقيقي.

ثانيا: إن الشريعة ذكرتنا ببعض الأذكار والأوراد، منها: الحوقلة.. فعندما نؤمر بالحوقلة، وبالتهليل، والاستغفار، يجب أن نلتفت للمضامين.. فالإنسان غير منشرح الصدر لأنه يخاف، يحزن ويقلق، فهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. فإذا كان الذي نستجير به علياً، وإذا كان عظيماً، وإذا كان ذا حولٍ وقوة، فما المشكلة في البين؟!..

ثالثا: الإكثار من الصلاة على النبي وآله: وهذا مُجرّب، فالذي يصلي على النبي المصطفى (ص) بتأملٍ وتوجه، فقد أدخل السرور على قلب النبي (ص).. والنبي وآله إذا دخل عليهم السرور يردون الهدية مضاعفة.. فالإمام الحسن (ع) يعتق جارية من أجل طاقة ريحان.

رابعا: قراءة الضحى والانشراح: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} فالنبي (ص) منشرح الصدر بما أعطي من ارتباط بالمحل الأعلى.. (صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلقة بالمحل الأعلى)، فكيف بالنبي (ص)؟!.. ولكن مع ذلك فإن القرآن الكريم يُمن على المصطفى (ص) فيقول: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}.. فالنبي (ص) كان يعيش بعض الهموم، وأي إنسان لا يعيش الهم؟!.. ولكن طبعاً هموم النبي (ص) همومٌ رسالية.. {فإن مع العسر يسر، إن مع العسر يسرا} فهتان الآيتان شبيهتان ومفادهما: أي لا تخف من الأحزان والضيق، فسياسة الله الشدة والفرج.. وهناك كتاب جميل اسمه الفرج بعد الشدة، يذكر صاحب هذا الكتاب عينات في التاريخ ممن فُرِّج عنهم بعد الشدة.. وكذلك سورة الضحى، فهاتان السورتان تُعدان سورة واحدة في مقام التلاوة في القرآن، والمعانى فيهما مترابطة كما هو واضح.

صوت المحاضرة: كيف نصل الى مرحلة شرح الصدر ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى