مقابلات قناة الكوثر

الغريزة : بين الكبت والترشيد

س/1 قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}.. في هذه الآية الكريمة تعداد لبعض مظاهر الحياة الدنيا من الشهوات المزينة للناس، ما هو مضمون هذه الآية؟..
إن هذه الآية من أجمع الآيات القرآنية، وأكملها في بيان عناصر الشهوات في الحياة الدنيا.. وهي تتضمن محطات للتأمل والتفكير، منها:
إن التعبير في كلمة {زُيِّنَ} بصيغة المجهول فتح مجالاً للعلماء؛ للبحث عن الفاعل من هو، هل هو رب العالمين، أم هو الشيطان الرجيم؟.. ولبيان ذلك لابد من دراسة كل الآيات المتناولة للشهوات والزينة في القرآن الكريم؛ لنلاحظ أن القرآن الكريم أسند الزينة إلى رب العالمين تارة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}، {جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.. وإلى الشيطان تارة أخرى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}، {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ}.. ومن هنا نكتشف أن الشيطان زين الأعمال، ورب العالمين زين ما على الأرض من الطيبات التي أخرجها لعباده.. معنى ذلك أن الله زين هذه الذوات: النساء، والقناطير المقنطرة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث؛ وهي في حد ذاتها زينة إلهية أكرمنا الله تعالى بها.. لكن المشكلة في علاقة الإنسان السلبية بهذه الوجودات، التي جعلها الله تعالى؛ لأجل استمرارية الحياة، ولهذا تجد هذا التعبير الذمي لهذه العلاقة.
* إن الذين يحاربون عناصر هذه الحياة الدنيا كالمتزهدة وغيرهم، أخطؤوا في سلوك طريق الزهد، واشتبهوا في نظرتهم إزاء ما على الأرض من زينة.. وفي كلمة جامعة نلاحظ أن الزهد فسر تفسيراً بليغاً: (ليس الزهد أن لا تملك شيئاً، بل الزهد أن لا يملكك شيء)، وعن أمير المؤمنين علي (ع) قال: ( لو أن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض، وأراد به وجه الله تعالى؛ فهو زاهد.. ولو أنه ترك الجميع، ولم يرد وجه الله تعالى؛ فليس بزاهد).. وهذا ما نراه في نبي الله سليمان (ع)، الذي أعطي ذلك الملك الخيالي: الرياح، والجن، ومنطق الطير.. وهو قطعاً من الزاهدين، وإلا لم يكن نبياً.. وأما الذي يترك الدنيا، ويريد بذلك جلب قلوب الخلق؛ فهو بعيد كل البعد عن هذا المعنى الأخلاقي السامي.
* بعد آية الشهوات مباشرة تأتي هذه الآية الجميلة: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.. لتعد المتقين الذين تجاوزوا بأنفسهم عن الانغماس، والتعلق بالشهوات الدنية الفانية، بأن لهم عند ربهم من النعيم الذي لا يخطر على قلب بشر من الجنات والحور والقصور.. أضف إلى ذلك الرضوان الإلهي.. فإن كانت الحور والقصور غير ممكنة لأهل الدنيا، إلا أن المؤمن بإمكانه بعمليات معينة، أن يستصحب هذه الحالة النفسية في القلب من السكون والاطمئنان.

س2/ كيف يمكن أن يوفِّق العبد بين آية الشهوات، وحديث الرسول (ص): (حُبّب إلي من الدنيا ثلاث: النساء، والطيب، وقرة عيني في الصلاة)؟..
إن النبي (ص) كان من أشفق الناس بنسائه، وكان يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».. وخصّ النساء دون غيرها من الملذات؛ لأنها لذة حية بخلاف العناصر الأخرى، فهي موجودات غير حية.. إذ أن المشكلة ليست في النساء، بل في التعلق الشهوي بالشكل الذي لا يريده رب العالمين.. وأما عن الطيب، فمن الممكن أن يكون مقصود النبي (ص) الاهتمام بجانب الأناقة والتزيين، فالمؤمن باطنه جميل وظاهره أنيق.. نحن في سيرة النبي والأئمة (ص)، لاحظنا أن المعصوم قد يلبس ثوباً مرقعاً، لكن لم نجد نصاً يدل على أن هذا الثوب المرقع لم يكن نظيفاً، فالله عز وجل يحب النظافة؛ لأنها من الإيمان، أضف إلى أن في الطيب خصوصية جميلة، في أنه يريح الطرف الآخر.. ومن ثم النبي (ص) يصرح بأن قرة عينه في الصلاة؛ حيث تبدو كل هذه الشهوات واللذائذ باهتة جداً، أمام هذه اللذة الكبرى.. ولو أن شبابنا استمتعوا بالصلاة بين يدي الله عز وجل، لما تأثروا بتلك الأباطيل التي تعرض هنا وهناك، مما لا يجوز النظر إليه.

س3/ كيف يمكن للمشاهد لشاشة التلفاز، أن يسمو بنفسه عن المناظر غير اللائقة والمثيرة؟..
إن أغلب القنوات غير الهادفة، تميل إلى عرض المرأة بشكل سلعة إعلامية، حتى أنه في بعض الأوقات المشاهد يذهل عن سماع الخبر لمشاهدة من تذيع الخبر!.. ولذا لابد للمؤمن أن يعيش حالة من حالات السمو، إن آية: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} لم تدع إلى الغمض، بل دعت إلى الغض.. فالإنسان يطرق بعينه، ولا يمدها إلى ما يمكن أن تكون مادة للشهوات، وكذلك فإن الآية لم تقيد النظر بريبة أو بغيره.. وعليه فمن باب أولى أن يترك النظرة المحرمة المتفحصة، والتي تؤدي إلى حدوث تفاعلات مريبة في نفسه.. فإذا كان الإنسان مطلوب أن يغض بصره بالشكل الاعتيادي، فكيف إذا كان المنظر يثير فيه دواعي الهوى؟!..

س4/ هل يجوز أن يمنع الإنسان نفسه من الشهوات؛ من أجل تربية الذات وترقية الروح؟..
لا أرى نهياً في أن يعالج الإنسان نفسه بشيء من الحرمان، في بعض الأوقات، وبشكل مدروس، ومن باب تقوية الإرادة.. وإن كان الأمر لا يحتاج إلى شدة أوعقوبة، حيث يكفي العمل بالمستحبات الشرعية الواردة.. إذا أنها من أفضل صور الرياضة: كالقيام عن المائدة قبل الشبع مثلاً، أو القيام من النوم لصلاة الليل.. وبشكل عام السيطرة على الشهوات، وخاصة في مجال البطن، حيث أن الملاحظ أن مسألة شهوة الطعام والأكل، من الشهوات المتأصلة في حياتنا اليوم، حتى أن البعض -مع الأسف- لا يراعي حلية الأكل.. فإذن، لا مانع من حرمان النفس بعض الأمور المحللة، ولكن في ضمن دائرة الشريعة، ولا داعي لابتكار أساليب غير مأمورة شرعاً، كما يقوم بها الصوفيون أو الهندوس.

س5/ كيف يحافظ الرجل على سلوكه في الأسواق والأماكن السياحية؟..
ينبغي الالتفات بأن الأسواق فخاخ الشيطان، وإن أبغض البلاد إلى الله أسواقها.. كما إن أحب البلاد إلى الله مساجدها، لا شك بأن الكسب محبوب عند الله تعالى، ولكن أرضية المبغوضية تكمن في ما في الأسواق من الاختلاط والتزاحم.. وعليه، فإن للمؤمن نظرته الفاحصة في اختيار أبعد الأماكن عن الشبهات، وأنسب الأوقات، وخاصة في ليالي الجمع حيث يتحين البعض التسوق في ليلة العبادة، وقد يقع في المحذور.. وينبغي على المرأة المؤمنة -من باب حفظ زوجها من الزيغ والزلل- أن تكون عنصر تشجيع للزوج على عدم التوجه لمثل هذه الأماكن.. ومن المناسب جداً أن يشغل المؤمن نفسه بذكر الله تعالى، بصيغ الاستغفار والصلاة على النبي وآله والتهليل ذهاباً وإياباً.

س6/ لماذا خصت الآية النساء دون الرجال، أليست هناك علاقة عكسية شهوية من النساء تجاه الرجال؟..
وذلك لأن انطلاقة المرأة في عالم الشهوات الرجالية، ليست كانطلاقة الرجل؛ لأنها محدودة بحدود عرفية، ولا يمكنها الزواج بأكثر من زوج واحد.. وبالتالي، فهي محاطة بعوائق وموانع كثيرة، بخلاف الرجل الذي له حرية اختيار النساء كما يريد.. ثم أن الآية ليست في مقام الحصر، وإلا فهناك شهوة الجاه مثلاً، والآية لم تذكر ذلك.

س7/ كيف يمكن للشباب أن يحموا أنفسهم، في حين أن الجو الغالب هو الفساد؟..
ينبغي الحذر البليغ؛ لأن انتشار أجهزة الإعلام، وقنوات الاتصال الإلكترونية العالمية.. أوجدت نوعاً من التلاقح السريع، وسريان أمواج الفساد بشكل مذهل.. وقد ذكر لي أحد الأخوة، أنه عندما كان يدرس في المملكة المتحدة لتعلم اللغة، تعرض لمحاولة إغراء في خلوة، فواجهها بمقاومة يوسفية، ثم إنه رأى أن الأمر لا زال صعباً في المقاومة، فشغل نفسه في أيام العطل بإرشاد الآخرين، ونشر الهدى الإلهي في مختلف المناطق؛ مما أدى إلى حفظ إيمانه، وسمو روحه، وأصبح في أقصى درجات التدين.

س8/ ما المقصود بالخبث، وما هي صفات الخبثاء؟..
هنالك خبث في عالم المادة: وهو كل ما حرم من المأكول والمشروب.. وهنالك خبث في عالم الأرواح: ناتج من تلاشي الفطرة الأولية، التي خلق الله الناس عليها؛ فيصبح صاحبها يميل بطبعه إلى العدوانية والتجاوز على الآخرين.

س9/ في خضم انتشار شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت)، وشيوع ما يسمى بـ(الشات).. كيف يمكن للإنسان المعاصر أن يستفيد من هذه الوسيلة التقنية المتقدمة مع المحافظة على الدين؟..
مع الأسف إن أغلب انحرافات الفتيات في هذا العصر، تأتي من هذا الباب (المحادثة الكتابية).. والتي قد تبدأ بدعوى التعارف والتسلية، والبعض قد ينتحل مقام الدعوة إلى الشريعة، ثم ما يلبث الأمر أن يتحول إلى هذر باطل، وتبادل أرقام الهواتف والصور، حتى يصل إلى لقاء غرامي قاتل.. حيث تفقد الفتاة أعز ما تملك، وتدمر حياتها، بانجرارها وراء هؤلاء البطالين، الذين لا هم لهم ولا شغل، إلا التفنن في إيقاع الفتيات في شباكهم واحدة بعد الأخرى.. لذا ينبغي الحذر من ذلك، وتحديد الهدف من استخدام هذه التقنية، وتوجيهها في الإطار الشرعي السليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى