مقابلات قناة الكوثر

العرفان الإلهي بين الواقع والادعاء (4)

س18/ هناك من يعتقد بأن الروحية تنسجم أكثر مع المراحل العمرية المتقدمة، وأنها لا تنسجم مع عالم الشباب المليء بالكثير من النزاعات النفسية، وربما قد تناسب الرجال دون النساء.. فما هو تعليقكم على ذلك؟..
* نعم أنا أنصح أولياء الأمور بعدم إرهاق الأولاد في سنوات مبكرة من أعمارهم، بالإجبار على بعض العبادات.. إذ أن بعض الآباء والأمهات، يجبرون أبناءهم في سن التاسعة والثامنة على صلاة الفجر، بإيقاظهم من النوم واصطحابهم إلى المساجد.. والحال أنه لابد من الرفق بهذه الطبقة، أما بعد البلوغ فكل من البنت والصبي له التزاماته في هذا المجال.. وهنيئاً لمن استطاع أن يوصل بياض الفطرة ببياض التكليف، بمعنى قبل البلوغ لم يكن في الواقع مؤاخذاً بشيء وبعد البلوغ أيضاً.. وبالتالي، فإنه يعيش حياة جميلة من حيث النصاعة في حركته التكاملية مع ربه.
* العلماء يجمعون بأنه لا ذكورة ولا أنوثة في عالم الأرواح، بينما الاختلاف فقط إنما هو في صفات الأبدان.. ومن هنا القول بأن الخطاب الإلهي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}.. عام للجميع، إلا ما خرج بدليل.. ثم إن طبيعة حياة المرأة المغلقة المقتصرة على واجباتها المنزلية، حيث هي في منأى عن المؤثرات السلبية: مشاكل الأسواق، والمعاملات التجارية، وموجبات الإرهاق النفسي.. تؤهلها إلى الترقي في مجال التربية الروحية، وخصوصاً مع إمكانية توفرها هذه الأيام.. وهي بالتالي تعمل على التأثير على زوجها الغافل، وتقوم بتربية أبنائها تربية سليمة على النهج الإسلامي الصحيح.

س19/ ما هو دور المدد الغيبي في دفع العبد في الاتجاه الصحيح الذي يريده المولى جلا وعلا، وخاصة في ظل ظروف قد تكون معيقة؟..
القرآن الكريم يذكر المدد الغيبي بشكل يبعث الأمل في النفوس، إذ أن رب العالمين عندما يرى -بعض الحالات- القابلية في عبده، يحبب إليه الإيمان ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.. بمعنى أن العبد إذا أصبح متعلقاً بالمدد الإلهي والتسليم الرباني، لا يرى ثقلاً في القيام بالعبادة أبداً، فهو يرى في صلاة الليل سياحة أيما سياحة!.. {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} شوقاً إلى الحديث مع رب العالمين، (ولولا الآجال التي كتبت عليهم، لم تستقر أراوحهم في أبدانهم طرفة عين)!.. وعليه، فإن الإنسان إذا وصل إلى مرحلة رأى فيها ملكوت الحرام، كما يصرح القرآن الكريم: كأكل الميتة في الغيبة، وأكل النار في أكل مال اليتيم، وكالتخبط من المس في مسألة المرابي.. إذا وصل إلى درجة الاستقذار من المنكر، بحيث لا يجد في نفسه ميلاً للحرام؛ فليعلم بأنه على خير، وأن توبته قد قبلت.
ويقال بأن أعلى درجات العدالة، أن لا يفكر الإنسان في الحرام، فضلاً عن إرادة الحرام؛ استناداً لقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ}.. إذ نلاحظ أنه لم يقل (لا يتعالون) بل (لا يريدون).

س20/ ما هي العلاقة بين اليقين والعرفان؟..
إن الحركة العرفانية في جانبها النظري والعملي لها ثمرة، ألا وهي هداية السبيل والبصيرة واليقين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.. وكلما اشتدت المجاهدة، كلما تجلت هذه الثمرة أكثر، حيث يصل الإنسان إلى درجة لا يتردد أبداً في الطريق الذي يمشي عليه.. وهذا الذي رأيناه في أصحاب الحسين (ع) يوم عاشوراء، برغم أنهم كانوا يرون العدد الهائل من الأعداء أمامهم، إلا أنهم في قمة الاطمئنان النفسي إلى حد أن يمازح أحدهم الآخر!.. وذلك لأنهم وصلوا إلى حالة انكشاف الحجب، بحيث يرون ما لهم من النعيم في الجنة بعد قليل.. فإذن، إن اليقين هو من الثمرات الحلوة والجميلة للمجاهدة في سبيل الله.

س21/ يا حبذا لو نختم اللقاء بكلمات لأمير المؤمنين علي(ع) سيد العارفين؟..
إن من امتيازات علي (ع)، هي جامعيته في كل شيء، فهو في الحروب بطل فتاك، قد مثّل الرقم القياسي في نصرة الإسلام بسيفه بإجماع المسلمين، وهو القاضي الحاكم العادل، وهو العابد الناسك، الذي زخرت كلماته بأجمل معاني العرفان والحب الإلهي في دعاء كميل، والمناجاة الشعبانية، أو دعاء الصباح.. ومن كلماته نقتطف هذه الكلمات الجميلة:
قال (ع): وإن لله عز وجل لعبادا قلوبهم معلقة بالآخرة وثوابها، وهم كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلّدين منعّمين، وكمن رأى أهل النار في النار معذّبين.. فأولئك شرورهم وبوائقهم عن الناس مأمونة؛ وذلك أن قلوبهم عن الناس مشغولة بخوف الله، فطرفهم عن الحرام مغضوض، وحوائجهم إلى الناس خفيفة.. قبلوا اليسير من الله في المعاش -وهو القوت- فصبروا أياما قصارا، لطول الحسرة يوم القيامة.
* قال (ع): هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين؛ فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسو بما استوحش منه الغافلون.. صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك أولياء الله من خلقه، وعمّاله في أرضه، والدعاة إلى دينه.. ثمّ بكى؛ وقال: واشوقاه إلى رؤيتهم!..
*
 قال أمير المؤمنين (ع) عند تلاوته {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ}: (إنّ الله سبحانه جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوَقْرَة، وتُبْصِرُ به بعد العَشْوَ، وتنقاد به بعد المُعاندة.. وما بَرِحَ لله -عَزّت آلاؤه- في البُرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عبادٌ ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم؛ فاستصبحوا بنور يقظةٍ في الأسماع والأبصار والأفئدة.. يذكّرون بأيام الله، ويُخوّفون مقامه، بمنزلة الأدلة في الفلوات.. مَن أخذ القصد حمدوا إليه طريقه، وبشّروه بالنجاة.. ومَن أخذ يميناً وشمالاً، ذمّوا إليه الطريق، وحذّرُوه من الهلكة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى