كيف نتعامل مع النفس؟

أنواع القبائح والجرائر

شرح فقرات دعاء كميل | المحاضرة التاسعة

إن الإنسان قد يرى في نفسه تقاعسا، وكسلا، أو ارتياحا بلا وجه وبلا دليل.. ومن يجد هذه الراحة في وضعه، وفي نفسه؛ فليتذكر هذه الحقيقة الموحشة، وهي: أن الله -عز وجل- من الممكن أن يكون غير راض عنه، وفي عرف الحوزات يقال كقاعدة: الاحتمال الضعيف إذا كان مقترناً مع المحتمل القوي، فإن هذا الاحتمال يخيف.. فالاحتمال ضعيف، ولكن المحتمل قوي.. مثلا: إنسان يحتمل أن هناك سما قاتلا في هذا الشراب، بنسبة واحد بالمائة.. العقلاء عادة يرتبون الأثر على هذا الاحتمال، فكيف إذا كانت القضية فوق مستوى الاحتمال، وكانت على مستوى الشك؛ أي أن الإنسان يحتمل خمسين بالمائة أن الله -عز وجل- راض عنه، وخمسين بالمائة أنه ساخط عليه؟..

إن من يقرأ هذه الفقرة في مناجاة أمير المؤمنين (ع)، باستحضار النية؛ من المرجو أن تفتح له بعض الأبواب: (اللهم!.. لا أجد لذنوبي غافرا، ولا لقبائحي ساترا، ولا لشيء من عملي القبيح بالحسن مبدلا غيرك).. فالقبائح على نوعين: هناك قبيح مستور، وهناك قبيح لا وجود له.. وبعبارة أخرى: تارة القبيح موجود موضوع، ولكن لا أثر له.. وتارة القبيح منتصب برأسه.. وإذا أردنا أن نوضح العبارة بمثال حسي مثلا: أمامنا لغم، وفيه الفتيل، ومن يمشي عليه ينفجر به؛ هذا هو القبيح القابل والمستعد للانفجار.. وتارة يكون أمامنا لغم، نزع منه الفتيل، هو لغم ولكن لا أثر له، كاللغم الذي يلعب به الصبيان من باب أن شكله لغم، ولكنه لا ينفجر.. وتارة ليس هناك لغم أصلا.

هذه المراحل الثلاث نطبقها على النفس الإنسانية:

القسم الأول: الإنسان الذي في قلبه لغم مستعد للانفجار.. مثلا: كالحسد الذي لم يُعالج، فالإنسان الذي يحسد أحداً؛ أي أن له موقفا منه: فيتهمه، ويغتابه، ولو كان بإمكانه أن يقضي عليه لقضى عليه.. إذن، هذا الحسد له أثر في الخارج.

القسم الثاني: قد يكون هذا الإنسان مؤمنا، وفيه حالة من حالات الحسد.. ولكن بالمجاهدة والمراقبة، يلغي أثر هذا الحسد.. لماذا بعض الناس طبيعته حسودة ومتكبرة؟.. ومن أين جاءت هذه الطبيعة؟.. هناك بعض الأطفال، وهو في صغر سنه يقال عنه: بخيل لا يعطي لعبته للغير، وهو في صغر سنه فيه هذا الطبع، من أين جاء هذا الطبع؟.. هل للكروسومات الوراثية دور في هذا، كالدور الذي تفعله في نقل لون العين -مثلا- فتنقل الصفات النفسية أيضا؟.. يمكن القول: أن الصفات النفسية أيضا من الممكن أن تتعدى، كما قيل (تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس)؛ دساس: قد يكون المراد به التعدي، ليس فقط في المظاهر الجسدية، بل أيضا في المظاهر النفسية.

لعل الله -عز وجل- أراد بذلك اختباراً لعبده، يجعل فيه بعض عناصر النقص، مثلا: هناك بعض الشباب وهو في مقتبل العمر، وحتى قبل البلوغ لديه شهوة زائدة، من أين جاءت هذه الشهوة؟!.. وكأن الله -عز وجل- يريد أن يختبره، فجعل لديه موجبا من موجبات الانجرار إلى الحرام؛ كي يختبر صبره على المعاصي.. فإذن، هذا قبيح، ولكنه قبيح معالج.. فهو بمثابة لغم نزع منه الفتيل.. طبعا هذا الإنسان وضعه أحسن من سابقه، ولكن اللغم الذي نزع منه الفتيل شكله قبيح، فالذي بيده لغم نزع منه الفتيل، الناس لا ترتاح إلى وجوده، وتخاف منه؛ وكذلك الملائكة أيضا لا ترتاح إليه.. فالإنسان الحسود والمتكبر في نفسه، ولو لم يعمل حسده وتكبره، يبقى موجودا غير مرغوب فيه.. هو لا يعاقب، ولكن بلا شك ينطبق عليه قول الإمام الباقر (ع): (أما علمت أن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويبغض العبد ويحب عمله)!.. فعندما يحسد أحدا، يفضل أن يُحسن إليه، ويقدم هدية له؛ لعله بذلك يرفع عنه البغض.. فيكون كما قلنا: باطنه غير مرغوب، ولكن فعله مرغوب فيه.

القسم الثالث: وهو الذي لا لغم فيه أصلا، لا بفتيل ولا بغير فتيل.. والذي بوجوده نرى رائحة فواحة، والمؤمن هذا شكله.. فعندما يقول أمير المؤمنين (ع): (ولا لقبائحي ساترا).. نقطع أن أمير المؤمنين لا يريد من ستر القبيح، المؤمن الذي منع منه الفتيل، فكأنه يقول: ربي لا أريد ستر الفضائح فقط؛ ولكن اقلعها من وجودي، وهذا هو الكمال كل الكمال!..

إن المؤمن في ليلة الجمعة وفي ساعة الإجابة، يعيش مع نفسه، يقال: أن الشيطان إذا رأى في الإنسان صفة قبيحة -وهذا سر من أسرار الشيطان- يرغب في أن يُشغل الإنسان بالطاعات والعبادات الجوارحية، على حساب إصلاح باطنه، فبدلا من أن يقول: أنظر إلى قلبك!.. يقول: أنظر إلى المحراب، انشغل بالصلاة، وبالتسبيح، وبالتهليل.. ولا تنظر إلى قلبك؛ لأنه يعلم بأن الالتفات إلى القلب أبلغ من الالتفات إلى الجوارح.. طبعا نحن لسنا من دعاة الالتفات إلى القلب فحسب!.. إذ لابد من العاملين، ولهذا نقول: لو أن العبد صلى صلاة الليل بتوجه وببكاء، ثم أصبح الصباح، وصام صوما استحبابياً؛ أي قام ليله، وصام نهاره.. وعند الظهر سمع أن فلانا رزق مالا، أو رزق ولدا؛ فأحس بانقباض في قلبه، ولم يذكر ذلك أمام أحد.. ولكنه بلسان الحال يقول: ليته لم يرزق هذا المال، أو ليته لم يعط هذه الدرجة.. فهذا الإنسان يضرب على رأسه ويقول: أين صلاتي وأين صيامي!.. معنى هذا أن الباطن فيه خبث؛ فيه لغم ولو لم ينفجر.. كمن يمشي في الشارع، وعندما يرى امرأة ينظر إليها بريبة وشهوة.. وعندما يعود إلى نفسه يقول: يا ليت الأمر كان حلالا، لنستمتع.. إذن، هناك شهوة باطنية تدعو إلى الباطل.

إن القضاء على هذه الملكات الباطنية، من أصعب الأمور.. فبإمكانك أن تصوم في عز الصيف، وأن تقوم الشتاء كل الليل؛ لأن تلك حركة خارجية.. ولكن المصيبة كلها في عالم الأنفس؛ لأنه شيء لا يُرى.. فالطبيب -مثلا- يرى الغدة السرطانية في البدن، فيفتح البطن ليستخرج هذه الغدة.. ولكن القلب مخفي، والمرض فيه مخفي؛ فكيف يستخرج الإنسان مخفيا من مخفي!.. ولهذا أمير المؤمنين (ع) يقول: (لا أجد لذنوبي غافرا) لعله إشارة إلى الذنوب الجوارحية، وقوله: (ولا لقبائحي ساترا)؛ إشارة إلى الذنوب الجوانحية والأمور الباطنية.. فكما نطلب من الله -عز وجل- المغفرة للذنوب، نطلب منه أن يعيننا على القضاء على هذه المواطن السيئة بمنه وكرمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى