كيف نتعامل مع المواسم العبادية؟

مبدأ التعويض الإلهي

شهر شعبان المعظم..
إن شهري رجب وشعبان؛ شهران تمهيديان للدخول في شهر رمضان المبارك.. وشهر شعبان شهرٌ شريفٌ ومبارك، وإنما سمي “شعبان” لتشعب الخيرات فيه.. والمؤمن لهُ أساليب مختلفة في التعامل مع رب العالمين: فتارةً يُصلي، وتارةً يدعو، وتارةً يقرأ القُرآن، وتارةً يتصدق، وتارةً يصلُ رحمه.

– أبواب الخير:
إن هناك شجرةً تتدلى أغصانها في شهر شعبان؛ ألا وهي شجرةِ طوبى، وكُل غُصنٍ من هذهِ الأغصان متعلقٌ بعملٍ من الأعمال.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: (… إنّ الله -عزّ وجلّ- إذا كان أوّل يوم من شعبان، أمر بأبواب الجنة فتفتح، ويأمر شجرة طوبى فتطلع أغصانها على هذه الدنيا، ثم ينادي منادي ربّنا عزّ وجلّ: يا عباد الله!.. هذه أغصان شجرة طوبى، فتمسكوا بها يرفعكم إلى الجنة، وهذه أغصان شجرة الزقوم فإيّاكم وإيّاها، ولا تعود بكم إلى الجحيم… فو الذي بعثني بالحقّ نبيّاً!.. إنّ من تعاطى باباً من الخير والبرّ في هذا اليوم؛ فقد تعلّق بغصن من أغصان شجرة طوبى، فهو مؤدّيه إلى الجنة.. ومن تعاطى باباً من الشرّ في هذا اليوم؛ فقد تعلّق بغصن من أغصان شجرة الزقّوم، فهو مؤديّه إلى النار)، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (فمن تطوّع لله بصلاة في هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن صام هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن تصدّق في هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن عفا عن مظلمة؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن أصلح بين المرء وزوجه، أو الوالد وولده، أو لقريبه، أو الجار والجارة، أو الأجنبيّ والأجنبيّة؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن خفّف عن معسر دينه أو حطّ عنه؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن نظر في حسابه، فرأى ديناً عتيقاً قد أيس منه صاحبه فأدّاه؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن تكفّل يتيماً؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن كفّ سفيهاً عن عرض مؤمن؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن قرأ القرآن أو شيئاً منه؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن قعد يذكر الله ونعماءه ويشكره عليها؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن عاد مريضاً؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن برّ والديه أو أحدهما في هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن كان أسخطهما قبل هذا اليوم فأرضاهما في هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن شيّع جنازة؛ فقد تعلّق منه بغصن.. ومن عزّى فيه مصاباً؛ فقد تعلّق منه بغصن.. وكذلك من فعل شيئاً من سائر أبواب الخير في هذا اليوم؛ فقد تعلّق منه بغصن).. إلى أن قال في آخر كلامه: (ألا تعظّمون هذا اليوم من شعبان، بعد تعظيمكم لشعبان، فكم من سعيد فيه؟.. وكم من شقي فيه؟.. لتكونوا من السعداء فيه، ولا تكونوا من الأشقياء)!..

– اغتنام الفرص:
إن المؤمن يغتنم الفُرص، فالنبي -صلى الله عليه وآله- كانَ يتعامل مع شهرِ شعبان كتعاملهِ مع شهرِ رمضان المبارك؛ فقد كان يصوم هذا الشّهر، ويوصل صيامه بشهر رمضان.. وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (شعبان شهري، وشهر رمضان شهر الله عزّ وجلّ.. فمن صام يوماً من شهري؛ كنت شفيعه يوم القيامة.. ومن صام يومين من شهري؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه.. ومن صام ثلاثة أيام من شهري؛ قيل له: استأنف العمل)!.. وعنه -صلّى الله عليه وآله-: (… ألا إنّ رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أُمّتي).. لقد كان للنبي -صلى الله عليه وآله- عبادة متميزة في شهر شعبان، ولعلَ من هذا الباب نُسب هذا الشهر إليه.. فالنبي -صلى الله عليه وآله- هو الذي استفادَ من روحِ هذا الشهر المبارك، والمؤمنون عامةً يستفيدون من شهر رمضان المبارك.

– أربعينية التكامل:
إن الله -تعالى- يقول في كتابه الكريم: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}.. فموسى -عليه السلام- له ميقات مع الله -عز وجل- أربعين ليلة، ما المانع أن يأخذ الإنسان عشرة أيام من شعبان، ويضيفها إلى ثلاثين يوماً من شهر رمضان، ليجعل لنفسه ميقاتاً مع الله عز وجل؟!.. هنيئاً لمن يعمل بهذه الأربعينية المباركة: أربعينية التكامل والتميز.. حيث أن هناك أربعينيتين: الأربعينية الأولى: وهي أربعينية الحُسين -عليه السلام- من عاشوراء إلى الأربعين؛ وهي أربعينية ولائية؛ يقوّي الإنسان من خلالها علاقتهُ: عاطفةً، وفكراً، وسلوكاً، بساداتهِ ومواليه، ومنهم صاحب هذهِ الأربعينية؛ الحُسين -عليه السلام-.. والأربعينية الثانية: وهي أربعينية توحيدية.. عندئذ يطير المؤمن بجناحين: كتاب رب العالمين، والعترة، ألم يقل رسول الله -صلى الله عليه وآله-: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي).. فهذه جنان رب العالمين مُفتحة، وأبواب الرحمةِ مُشرعة، فعشرة أيام من شهرِ شعبان عندما توصل بشهر رمضان المُبارك؛ يصبح هناك أربعينية من أفضل أربعينيات السنة.. ومن باب التهيئة يمكن أن يضيف لها خمسة أيام من ميلاد صاحب الأمر -عجل الله تعالى فرجه- إلى عيد الفطر؛ أي من فرحةٍ إلى فرحة.. فالمؤمن الذكي هو الذي يجعل بين الفرحتين أربعينية: التهذيب والتكامل.. من منا راضٍ عن نفسه؟.. إما لهُ زللٌ في شهوته، أو في غضبه، أو في وهمه.. فنحنُ جميعاً نحترق بين أضلاع هذا المُثلث: ضلع الشهوات، وضلع الغضب، وضلعُ الوهم.. مشاكُلنا جميعاً تعودُ إلى: فورانِ الشهوة البهيمية، والقوة السَبُعية -الغضب-، والقوة الوهمية.. فأصحاب الوسواس، وسوء الظن، والخيالات والأوهام؛ تغلب عليهم قوة الوهم.. وأصحاب الانحرافات الأخلاقية؛ تغلب عليهم قوة الشهوة.. وأصحاب الانتقام، والحسدِ، والضربِ، والقتلِ، والغيبة، وغيرها؛ تغلب عليهم القوة السبعية.

– مخادعة النفس:
إن المؤمن في هذهِ الأربعينية، يحاول أن يُعيد الأمور إلى نصابها، أو كما يُقال: يُعيد المياه إلى مجاريها، ويُرتب البيت الداخلي.. فالمنزل عندما يتُرك لفترة طويلة خلال الإجازة الصيفية -مثلاً-: فإنه سيمتلئ بالغبار.. وإن دخله حيوان، ومات فيه؛ فإن رائحته ستفوح في كل أرجاء المنزل.. وإن دخله سارق؛ فإن الأثاث سيبُعثر.. تصوروا منزلاً: دخله سارق، وفيهِ حيوانٌ ميت، وعلاهُ الغُبار!.. نحنُ هكذا من شوال إلى شهر رجب: بيوتنا مُصادرة، تلعبُ فيها الشياطين، الذين هم بمثابة اللصوص.. والصغائر والكبائر؛ بمثابة الغُبار الذي يعلو هذهِ البيوت.. ونفوسنا هي الميتة، بما تحمله من شهوات وهفوات.. فقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (تعطّروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب)!.. فكلُّ ذنبٍ هو ميتةٌ في النفس، فمال بال إنسان اجتمعت عليه عشرات أنواع الميتة في المنزل!.. المؤمن في هذا الشهر الكريم، وفي هذهِ الأربعينية؛ يخادع نفسه!.. حيث أن النفس قد تقول: أينَ أنا، وثلاثة أشهر من العبادة؛ هذا شأنُ النبي وآله؟!.. لذا لابد من مخادعة النفس!.. يقول: يا نفس، استقيمي لمدة أربعين يوماً فقط.

– ما معنى أربعينية التميز؟..
إن هذه الأربعينية ميزتها أنها في أيام مباركة!.. ففي شهر رمضان المبارك، تكون النفوس مستعدة، إذ أن الإنسان بطبيعتهِ، يصوم النهار، ويقوم الليل؛ أي أن الهواء يجري مع السُفن.. من منا لا يعيشُ روحاً وريحاناً في شهر رمضان المُبارك؟!.. ومن منا في العشرة الأخيرة لا يتفرغُ للعبادةِ؟!.. فإذن، بكل سهولة يستطيع الإنسان أن يقتطع عشرة أيام من شهر شعبان، ويضمها إلى شهر رمضان؛ ليعيش أربعينية التميز.. ولكن ما المراد بهذهِ الأربعينية؟.. ليس المطلوب من المؤمن أن يذهب إلى أعالي الجبال، أو إلى كهفٍ، أو إلى كوخٍ ليعبد اللهَ -عزَ وجل-؛ إنما المراد بهذهِ الأربعينية ما يلي:

أولاً: التصفية المالية.. أي تصفية الحسابات مع الخالق والمخلوق، بالنسبة إلى الحقوق المالية وغيرها.. فيؤدي حقوق العباد، ويفرغ ما في ذمته من ديون، ومجهول المالك، ورد المظالم.. ويؤدي حقوق رب العالمين: الخمس والزكاة…الخ.

ثانياً: التصفية البدنية.. أي أن يقضي الإنسان كل ما في ذمتّه من عبادات بدنية من: الصومِ، والصلاة، والحج.

ثالثاً: ترك المعاصي والذنوب.. إن أفضل عمل في هذهِ الأربعينية، هي ترك المعاصي والذنوب بكل صورها.. فيضاعف الإنسان السيطرة على موانئ حدود مملكة الوجود التي هي: النظر، والسمع، والقول.. فالمملكة التي تكون مطاراتها مفتوحة لكُل من هبَ ودب، وليس فيها رقابة؛ هذهِ الدولة في شهر واحد، تمتلئ بالمجرمين والمًخدرات وغيره؟!.. كذلك مملكة الوجود لها موانئ ولها مطارات؛ وهي عبارة عن هذهِ الأعضاء الثلاث: العين، والأذن، واللسان.. لذا لابد من السيطرة عليها.

رابعاً: إتقان الواجبات.. يحاول المؤمن في هذه الأربعينية أن يتقن شيئاً من الواجبات، كأن يلتزم بالصلاة في أول الوقت، ويحاول أن يصلي صلاة خاشعة.

خامساً: قيام الليل.. إن الإنسان في شهر رمضان عادة يصلي نافلة الليل، بحكم استيقاظه لتناول وجبة السحور؛ إضافة إلى العشرة أيام من شهر شعبان.

وعليه، فإن الأربعينية صارت عبارة عن صيام في النهار، وقيام في الليل، ومُراقبة للجوارح، وتَرك للمعاصي.. وبالتالي، فإن هذا الإنسان في هلال عيد الفطر، يتحولُ إلى إنسانٍ آخر.. فالطفل عندما يُفطم عن حليب الأم؛ تراه يبكي ليلاً ونهاراً؛ لأنه اعتاد عليه، فهو لم يذق أي طعام آخر لمدة سنتين.. ولكن بعدَ الفطام، وبعد أن يستلذ بمأكولات الدُنيا؛ فإنه لا يعود يشتهي لبن أمه.. الإنسان كذلك في هذهِ الأربعينية إذا فطم نفسه عن: الشهوات، والغضب، والأوهام؛ فإنه لا يمكن أن يرجع إلى المعصية بعدَ شهر رمضان!.. هل يُمكن لأستاذ جامعي مُحترم، أن يتعرى من ثيابهِ -مثلاً- وسط الجامعة؟.. كذلك فإنه يستحيلُ للمؤمن بعدَ هذهِ الأربعينية، أن يُفكر بالمعصية؛ فضلاً عن ارتكابها!.. وبإمكان الإنسان أن يتفنن في هذهِ الأربعينية بما شاء.

فإذن، هذه الأربعينية التوحيدية، هي أفضلُ فرصة في السنة.. قد يقول البعض: لمَ لا آخذ العشرة الأولى من شهر شوال، وأضمها إلى شهر رمضان؟.. الجواب باختصار: إن شهر شوال لا يُقاسُ بشهر شعبان!.. وطوال السنة ليس هناك فرصة أفضل من هذهِ الفُرصة الذهبية؛ لذا فاغتنموها!..

المناجاة الشعبانية..
يكفي لإثبات حق عليٍّ -عليه السلام-، وفضل عليٍّ، ومنزلة عليٍّ، أن تقدموا أدعيته للآخرين.. فالبعضُ استهوتهُ مدرسة عليٍّ، وعشق علياً، من خلال سماعه لدُعاءُ كُميل؛ تلك المناجاة التي يستحب قراءتها في ليلة الجُمعة؛ لذا علينا أن نقدم للناس هذهِ التُحف: المناجاة الشعبانية، ودعاء كميل، ودعاء الصباح.. فالمناجاة الشعبانية، تختلف عن دُعاء كميل، وتختلف عن دُعاء الصباح.. إن هذهِ الأدعية الثلاث، هي ورودٌ في سلة علي -عليه السلام-، لا في سلته بل في حديقته الغناء.. وهذهِ الأدعية الثلاث، المؤمن يلهج بها طوال السنة، فهي تناسب جميع الحالات: فدُعاء كُميل فيه صيغ استغفار، يقول فيه: (اَللّهُمَّ!.. اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اَللّـهُمَّ!.. اغْفِـرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ).. أما المُناجاة الشعبانية؛ فإنه دُعاءُ الخواص، هُناكَ تحليق في أجواءٍ عُليا، لا يصلُ إليها غيرُ علي -عليه السلام- حيث يقول: (اِلـهي!.. هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ إِلَيْكَ).

ما معنى الانقطاع؟..
(اِلـهي!.. هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ إِلَيْكَ).. يقال في اللغة: فلان انقطع إلى فلان؛ أي استغنى به عن غيره في أخذ ما يحتاج أو يريد.. إن الإنسان في علاقته مع ربه إذا وصل لهذه الدرجة، بحيث لا يرى مؤثراً في الوجود غير الله تعالى؛ فإنه لا يحتاج إلى الآخرين، فالكل مفتقر إلى رحمته تعالى؟!.. إلا أن الانقطاع له درجات، فقد ينقطع الإنسان إلى الله -عز وجل- في ساعات الإقبال في جوف الليل، أو في أثناء سفرة لحج أو عمرة؛ فهذا ليس هو الانقطاع الكامل.. إن الانقطاع الكامل هو أن ينقطع الإنسان عن كل فرد في الوجود: في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال.

– ما هي حجب النور؟..
(وَأَنِرْ أَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ).. النور يضيءُ الطريق، فكيفَ تحول إلى حجاب؟.. علينا أن نعلم أنه بعض الأوقات الحجاب الذي يحول بيننا وبين مصدر النور، هذا الحجاب بنفسه نور أيضاً.. والعلمُ هو الحجاب الأكبر!.. فالعلمُ نور؛ ولكنه بالنسبة للبعض يتحول إلى حجاب.. مثلاً: إن كان هناك مؤمن في خلوة مع رب العالمين، يستمتعُ بمناجاةٍ قلبية، هذا المؤمن إن فتحَ كتاباً علمياً وإن كان دينياً؛ فإنه يخرجُ من جوه؛ وعندئذ يتحول هذا الكتاب بالنسبة لهُ إلى حجاب.. فهو كانَ في حديث مع رب العالمين، وهذا الكتاب قطع أنسه!.. فإذن، إن الإنسان يصل في الحركة التكاملية إلى درجة يجتاز الظلمات، فيصل إلى مرحلة النور، وقبل كل ذلك نور العلم.

– ما هو معدن العظمة؟..
(فَتَصِلَ إِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ أَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ).. هل يُريدُ عليٌ -عليه السلام- ما ذكرهُ في وصف المتقين: (صَحِبُوا الدّنيا بِأَبْدانٍ، أَرْوَاحُهَا مُعَلّقَة بِالمَحَلِ الأَعْلى)؟!.. إن هذه النفس إذا اندكت في عالم العرش؛ فقد حققت معنى الفناء، لا الفناء بمعنى وحدة الوجود.. وإنما أن لا يرى الإنسان لنفسه خصوصية في قبال ذلك الوجود الذي غمر نوره كل شيء.

– كيف تكون المناجاة سراً والعمل جهراً؟..
(إِلـهي!.. وَاْجَعَلْني مِمَّنْ نادَيْتَهُ فَأََجابَكَ، وَلاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ.. فَناجَيْتَهُ سِرّاً، وَعَمِلَ لَكَ جَهْراً).. هذهِ الفقرة تُناسب السياسيين، وتُناسب المراجع، وقادة الأمة.. أينَ هم من هذهِ الفقرة من مناجاة علي -عليه السلام-؟.. فالإنسان قد يكون قائداً سياسياً، وقد يقود أمة؛ ولكن الإمام يقول: (فَناجَيْتَهُ سِرّاً)؛ أي لهُ خلوات بالليل مع رب العالمين.. وليت قادة الأمم كانت لهم خلوات في الليل، ليسددوا في النهار!.. فكم من السياسيين والقادة، جروا الأمم إلى حافة الهاوية؛ لأنهُ لا بصيرةَ لهم.. فإذن، إن كنت تُريد البصيرة؟.. عليكَ بهذه المناجاة في هذا الشهر الكريم: (فَناجَيْتَهُ سِرّاً وَعَمِلَ لَكَ جَهْراً).. يقول -عليه السلام- في وصف المتقين: (أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ، يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا… وَأَمَّا النَّهَارَ: فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ…) هكذا يُريد منا عليٌ -عليه السلام-.. ومن هنا يتضح موقع صلاة الليل في حياة المؤمن؛ فهو ليلاً يعيش الخلوة مع ربه، إذ يناجيه سراً.. ثم في النهار يعكس آثار ذلك، بالعمل جهراً في خدمة المجتمع.

إن المناجاة الشعبانية هي مُناجاة أهل البيت -عليهم السلام-، يقول ابن خالويه: “إنّها مناجاة أمير المؤمنين والأئمة من ولده -عليهم السلام- كانوا يدعون بها في شهر شعبان”.. أي في عصرنا هذا، خيرُ من يلهجُ بمناجاة جده؛ هو ولدهُ المهدي -عجل الله تعالى فرجه-.. وليسَ هُنالك في مناجاتهِ أي إشارة إلى شهر شعبان.. وبالتالي، فإنه بإمكان الإنسان أن يقرأها أو يقرأ فقرات منها في ليالي القدر، وفي قنوت صلاة الليل في الوترِ.. إذ يكفي العبد أن يستجيب رب العالمين له، فقرة من المُناجاة الشعبانية!..

الذوات الطاهرة..
ما هو الدرس العملي من هذهِ الذوات المُباركة الثلاث: سيد الشهداء، والسجاد، وقمر بني هاشم -عليهم السلام-؟.. هذا المثلث المبارك أيضاً هو الذي انبثقَ في أرض عاشوراء، كلهم أبطالً الطف وإلى يومنا هذا، ونحنُ نعيش بركات هذا المُثلث النوراني.

الدروس العملية:
أولاً: الإمام الحسين (عليه السلام):
إن الدروس والعبر المستفادة من نهضة الحسين -عليه السلام- كثيرة، ولكن هنا نذكر درساً واحداً فقط منها، وهو:

– الخلود: إن رب العالمين بناؤهُ على التعويض لمن قدمَ شيئاً في سبيله في الدُنيا قبلَ الآخرة.. لقد أبى الله -عز وجل- إلا أن يُري الناس فضلهُ، وجائزتهُ لأوليائهِ في الدُنيا.. فحجر إسماعيل، والسعي، والجمرات، وماء زمزم، ومنى، ومسجد الخيف؛ وكل معالم الحج تذكرنا بإبراهيم وإسماعيل وهاجر -عليهم السلام-.. فلولا همه بذبح ولده؛ لما خلد ذكره في معالم الحج.. هكذا رب العالمين عوضهُ!.. وأسكن ذريته في وادٍ غير ذي زرع، فكان التعويض أن جعلَ أفئدة من الناس تهوي إليهم.. فإلى قيام الساعة وَهذا الحج سوفَ لن ينقطع!.. والذي خلد الصفا والمروة، وزمزم، والحجر؛ هو أيضاً الذي خلد ذكر الحسين (ع).. الله -عزّ وجل- في مثل هذه الأيام أراد أن يفهمنا درس الخلود والتضحية.. ولأنه جرى ما جرى في عاشوراء، فإن رب العالمين عوضهُ في الدُنيا هذهِ التعويضات الثلاث التي نقرأها في زيارته: (السلام على من جعل الله الشفاء في تربته، السلام على من الإجابة تحت قبته، السلام على من الأئمة من ذريته).

1. الأئمة من ذُريته: إن هناك تسعة من أنوار الهُدى ومصابيح الدجى، هي من ذُرية الحسين -عليهِ السلام-.
2. الشفاء في تربته: لا يجوز أكل تراب أي قبر من القبور، إلا ترتبه (ع) بغرض الاستشفاء.. فهنالك وصفة طبية شرعية، لا كلام في تأثيرها، وهي: خلط قليل من ماء زمزم مع تربة الحسين (ع).. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له).. وروي أيضاً عن النبي -صلی الله عليه وآله وسلم- أنه قال: (إن الله خص ولدي الحسين -عليه السلام- بثلاث: الأئمة من ذريته، والشفاء في تربته، والدعاء مستجاب تحت قبته)؛ هذا تعويض لما بذله في طاعة الله عز وجل.
3. الإجابة تحتَ قبته: ليس هناك زائر يزور قبرَ سيد الشهداء، ولا يأخذ حاجة من حوائج الدُنيا!.. فالزائر عندما يدخل الحائر الحسيني ويصير تحتَ قبته، فإن دمعته تجري من دونِ شعور.. بمجرد أن يدخل الإنسان هذهِ البقعة المباركة، وإذا بهِ ينهارُ من البكاء؛ ما هذهِ الجاذبية الكونية في حرم سيد الشهداء؟.. الإجابة ليس تحت قبته فقط، بل عندَ منبر الحُسين -عليهِ السلام- في البيوت والحسينيات، مجرد أن يصعد الخطيب فترة من الزمن على المنبر الحسيني، ترى هذا المنبر قطعة من النور، وعندما يجلس الإنسان إلى جانبهِ فإن دمعته تجري.

ثانياً: الإمام السجاد (عليه السلام):
– المناجيات.. أنظروا إلى الحرقة المبثوثة في مناجيات الإمام زين العابدين وسيد الساجدين؛ زبور آل محمدٍ -عليه السلام-!.. عندما يقرأ الإنسان المناجيات الخمس عشرة، فإن جلده يقشعر، وقلبه يرق: فعندما يقرأ مُناجاة التائبين، يرى مسحة برد العفو الإلهي على قلبه.. وعندما يقرأ مُناجاة المُحبين، فإنه يشتدُ حنينه وشوقه إلى رب العالمين.. وهكذا باقي مناجياته؛ فكل مناجاة لها شعور خاص.. إن الله -تعالى- جعل له هذا التراث الخالد الذي منه الصحيفة السجادية؛ تعويضاً له.. فنحن في شهر رمضان وفي غيره نعيش على مائدة السجاد (ع).. ففي أسحار شهر رمضان، نقرأ مناجياتهِ: (اِلهي!.. لا تُؤَدِّبْني بِعُقُوبَتِكَ، وَلا تَمْكُرْ بي في حيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ يا رَبِّ وَلا يُوجَدُ إلاّ مِنْ عِنْدِكَ؟!.. وَمِنْ أيْنَ لِيَ النَّجاةُ وَلا تُسْتَطاعُ إلاّ بِكَ؟!.. لاَ الَّذي أَحْسَنَ اسْتَغْنى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلاَ الَّذي أساءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ)، إلى قولهِ .. (فَمالي لا أَبْكي؟.. أَبْكي لِخُُروجِ نَفْسي، أَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، أَبْكي لِضيقِ لَحَدي، أَبْكي لِسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكيرٍ إِيّايَ.. اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري: عُرْياناً، ذَليلاً، حامِلاً ثِقْلي عَلى ظَهْري، أَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَميني وَأُخْرى عَنْ شِمالي، إِذِ الْخَلائِقُ في شَأنٍ غَيْرِ شَأني ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ وَذِلَّةٌ.. هذا هو التعويض الإلهي لوليهِ زين العابدين -عليه السلام-.. وإلى أن تقوم الساعة، والمؤمنونَ جميعاً حتى أئمة أهل البيت على مائدةِ جدهم زين العابدين -عليه السلام-.. من كانَ يتوقع في يومٍ من الأيام أن العالم سيلهج باسم هذا الأسير الذي كان ينتقلُ من بلدٍ إلى بلد، والأغلال الجامعة في عنقه؟!..

ثالثاً: قَمرُ بني هاشم (عليه السلام):
– باب الحوائج.. إن العباس -عليهِ السلام- كانَ في سن الشباب؛ ولكن السجاد -عليه السلام- عندما يصف عمه يقول: (رحم الله العباس!.. فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه.. فأبدل الله -عز وجل- بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب (ع).. وإن للعباس عند الله -عز وجل- منزلة، يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة).. كانَ بإمكان الحُسين -عليه السلام- عندما جاءَ إلى مصرع أخيه، أن يدفنه بجوار الشهداء، ولكنه تركه قرب المشرعة.. فهناك حكمة إلهية اقتضت أن يدفن في المكان الذي استشهد فيه، ومقتضى هذه الحكمة هي: أن ينفرد بقبر خاصٍ به، ويصبح له مزارٌ مستقلٌ، ويكون باباً للحوائج، تقصده الناس في طلب حوائجهم، وأن يكون باباً للحسين.. فالعباس هو باب للحسين، وأغلب الزوار عندما يقصدون زيارة كربلاء، يدخلون ضريح العباس أولاً، ثم يتوجهون للحسين -عليه السلام-.. وبعض الأحاسيس في حرم العباس، لا يستشعرها الزائر في حرم أخيهِ الحُسين -عليه السلام-.. لقد أعطي الهيبة والعظمة، وقضاء الحوائج.. فإذن، إن رب العالمين هكذا عوضهُ في الدُنيا قبلَ الآخرة.. فالإمام موسى بن جعفر -عليه السلام- بابُ الحوائج، وهذا البطل الذي قضى نحبهُ بجوار العلقمي، الذي وصلَ إلى الماء، ولم يشرب منه، هو باب الحوائج أيضاً.. ولعلَ الذي جعلهُ يطيرُ في الجنة، هو رفضه شرب الماء قبل الحسين (ع).. فبعد أن اقتحم المشرعة، ووصل إلى الماء؛ اغترف غرفة بيده، ثم تذكر عطش أخيه، فرمى الماء على الماء، وقال قولته الشهيرة:

يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده لا كنت أن تكوني
هــذا حسين وارد المنـون *** وتشربين بـارد المعين
والله مـا هـذا فعــال ديني *** ولا فعال صادق اليقين

في تلكَ الساعة تذكرَ عطشَ أخيه، وشعارهُ دائماً وأبداً:

والله لـو قطعتم يميني *** إني أحامي أبــداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبي الطـاهر الأمين

الخلاصة:

1- أن المؤمن لهُ أساليب مختلفة في التعامل مع رب العالمين: فتارةً يُصلي، وتارةً يدعو، وتارةً يقرأ القُرآن، وتارةً يتصدق، وتارةً يصلُ رحمه.
2- إن هناك شجرةً تتدلى أغصانها في شهر شعبان؛ ألا وهي شجرةِ طوبى، وكُل غُصنٍ من هذهِ الأغصان متعلقٌ بعملٍ من الأعمال.
3- إن المؤمن يغتنم الفُرص، فالنبي -صلى الله عليه وآله- كانَ يتعامل مع شهرِ شعبان كتعاملهِ مع شهرِ رمضان المبارك.
4- أن من أفضل فرص السنة للمؤمن أن يتخذ في شهر شعبان أربعينية التكامل والتميز يحرص فيها على تصفية نفسه ماليا، وبدنيا، ويتقن الواجبات، ويقوم جزءا من الليل.
5- أن الانقطاع الكامل المقصود في المناجاة الشعبانية هو أن ينقطع الإنسان عن كل فرد في الوجود: في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال.
6- أن لصلاة الليل موقعا في حياة المؤمن؛ فهو ليلاً يعيش الخلوة مع ربه، إذ يناجيه سراً.. ثم في النهار يعكس آثار ذلك، بالعمل جهراً في خدمة المجتمع.
7- أن درس الخلود من الدروس والعبر المستفادة من نهضة الحسين -عليه السلام- فرب العالمين بناؤهُ على التعويض لمن قدمَ شيئاً في سبيله في الدُنيا قبلَ الآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى