كيف نتعامل مع المواسم العبادية؟

كيف نقرأ القرآن في شهر رمضان ؟

نبارك لكم حلول هذا الشهر الكريم .. هذا الشهر الذي لا يعلمُ قدرهُ إلا من فتحَ اللهُ قلبَهُ على شيءٍ من هُداه..
القسم الأول : ربيع القرآن

ما من شك أن الذينَ تركوا القرآن من العام الماضي إلى يومنا هذا ، لعلّهم َ لم يفتحوا كتاب الله ، ولم يقرءوا منهُ جزءاً واحداً .. فيعود شهر رمضان كالشجرة اليابسة التي تُورق من جديد ، وتُزهر و إن كانت هذهِ الأوراق وهذهِ الزهور تذبل وتتلاشى مع انتهاء الشهر الكريم .. فشهر رمضان ربيع القرآن ، و الربيع لا يأتي ليُعطي الحياة للشجرة الميتة فحسب ؛ الربيع يأتي ليعطي الحياة أولا .. ثمَّ يعطي الثمارَ ثانياً .. ثمَ يستفيد الإنسان من ثمارِ تلكَ الشجرة المباركة ثالثا ، إذاً الحياة .. ثمَ الإثمار .. ثمَ القطف والاستفادة من تلك الثمرة .. و لو أن تلك المراحل لا تتم فما قيمة ذاك الربيع ؟؟… ولهذا في بعض البلاد عندما تُزهر الأوراق ، ويأتي شيءٌ من المطر نلاحظ أن هذهِ الشجرة لا تثمر في ذلكَ العام ، أو تُعطي ثمرة لكنها فجَّة ، أو تُعطي ثمرة ولكنها تسقط قبل القطف ، كل ذلك مما يخلُ ببركات ذلكَ الربيع . وعليه إخواني ، الإنسان في هذا الشهر قد يُوفق لقراءة القرآن ختمة بعد ختمة ، ولكن أينَ الثمرة ؟!.. فإذا كان يقرأ في القرآن : ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ – النور30 ﴾ بصوتٍ متقن ، فإذا خرجَ إلى السوق وإذا بهِ يعمل عكسَ ما يقول ، ويقرأ : ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ – لقمان 6 ﴾ و اللهو ُفسر بالغناء ، وهو يسمع الغناء في أثناء الشهر الفضيل عندما ينظر إلى بعض البرامج التي لا تتناسب مع زي المؤمن .

إشارة : العين التي تألف ما لا يُرضى الله عزَوجل سواء حراما كان ً .. أو كان مكروهاً .. أو كانَ مرجوحاً .. هذهِ العين كيفَ تستفيد من تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى ؟.. مع الأسف نهار الصائمين نهارٌ لا بأس به ، صومٌ .. ِ تلاوة القرآن الكريم … ولكن إذا جنَّ الليل وإذا بالصائم ينفتح على كل ما يشتهي حلالاً كان أو حراماً هذا ليس من الوفاء، فليل شهر رمضان غير متناسب مع نهار هذا الشهر الكريم .

كيفَ نستفيد من القرآن الكريم بوصفه شجرة مثمرة ؟ / الآداب الباطنية لقراءة القرآن الكريم

أولا : الانسجام مع روح الشريعة / أن يعيش الإنسان حالة الشوق / الشوق والأُنس بالقرآن
أول خطوة للاستفادة من أي مَعلم من معالم الدين .. من القرآن .. من الصلاة .. من الحج .. من العمرة .. من الجهاد .. من الزكاة .. من الخمس .. منِ شرائع الإسلام .. لا يمكن أن يُفهم ويُستفاد من جزئيات تشريعاته إلا بالإنسجام مع روح الشريعة ، الإنسان الذي يعيش حالة من الجفاء مع رب العالمين .. الإنسان المطرود من رحمة الله عزوجل .. الإنسان العاصي لا يستفيد لا من صلاةٍ ولا من قُرآنٍ ولا من صيام ، و ليس معقولا أن يستفيد الإنسان من القرآن الكريم ، ولا يستفيد من الصلاة ، فهو كُلٌ متكاملٌ . الإنسان الذي لا ينسجم مع عالم الغيب ، و لا ينسجم مع عالم الوحي صلاته كقرآنه .. قرآنهُ كصيامه .. صيامهُ كحجه .. حجهُ كعمرته .. حقيقة الأمر هو لا يواجه الحقائق التي وراء هذهِ العبادات .

إذاً الحل الجامع والأساسي أن يعيش الإنسان حالة من الرقي الروحي الذي يجعلهُ يستفيد من كل شرائع الإسلام ؛ ولهذا نلاحظ بأنَ شهيتنا شهية فاسدة . إخواني ، أقول للإنسان الذي يدخل المسجد فيستثقل البقاء في المسجد .. الإنسان الذي يُدعى للصلاة الواجبة أو المستحبة أو الجماعة فيرى تثاقلاً في ذلك … يفتح القرآن الكريم فيَود أن يختم الجزء وينتهي من تكليف ذلك اليوم … هذا الإنسان الذي يرى نفسه لا يشتهي شيئا من عالم الغيب إلا من باب العادة .. و من باب كسب الأجر والثواب .. هذا الإنسان عليه أن يُراجع طبيب النفوس . مثال : بعضنا يعيش في بعض الحالات حالة من عدم الميل إلى الطعام ، فيُبادر إلى الطبيب ويشتكي من علة عدم اشتهاء الطعام ؛ لأن عدم الاشتهاء يساوي عدم الأكل .. عدم الأكل يساوي ضعف البنية .. ضعف البنية يساوي هجوم الجراثيم الضارة ، ومن ثمَّ إما المرض وإما الموت ، فإذاً عدم الاشتهاء نذيرُ خطرٍ للإنسان الذي يريد أن يعيش درجة من درجات التكامل ، انظر إلى قلبك عندما تفتح القرآن هل تقرؤه باشتهاء أم بتثاقل ؟.. وعندما تقوم لصلاة الليل .. هذا في الواقع امتحان مجاني لا يحتاج إلى مختبرات خاصة ، ولا يحتاج أن يأتيك جبرائيل بملفاتك في عالم الغيب لينقل لك الدرجة السرية والخفية ، أنت بإمكانك أن تنظر إلى نفسك وما هو مدى تفاعلك مع هذهِ الأجواء المباركة ..

فإذا أول درس أن يعيش الإنسان حالة من الشوق ، أحد العلماء أو أحد الأشخاص يقول : بفضل الله عز وجل وبمنه أني لم أقرأ القرآن يوماً متثاقلاً ، يرى ذلك منقبةً ومزية ومحطة نور في حياته .. إذاً أولاً علينا أن ننسجم مع صاحب الكتاب ، الإنسان الذي لا يعرف ربه ، الإنسان الذي لا يحب ربه ؛ هذا الإنسان كيفَ يعشق كلام ربه ؟.. و قديماً نحن نعلم في عالم العشاق العاشق يحب كلَ رمزٍ وكل شيءٍ يرمز إلى محبوبه ، و نورد هذا الأبيات من باب الحكمة :

أمرعلى الديار ديار ليلى                أقبل ذا الجدار وذا الجدار

وما حب الديار شغفنَ قلبي            ولكن حب من سكن الديار

يقول أنا لست بمجنون أقبل الجدار ولكني شغوفٌ بحب من سكن الديار . إنسان يعيش حالة الشوق والمحبة لخالقه طبيعي أن يحب بيت ربه .. يحب كعبة ربه .. ولهذا يدخل المسجد يحس بالأمان ؛ كأنه يعيش في غابة فيها وحوش ، فإذا دخل حصناً أو قلعة يحس بشيء من الارتياح ؛ ولهذا بعض الناس عندما يدخل المسجد لا يود الخروج منه ، كأنهُ بيت الأمان بيت الأمومة بيتُ الحنان ؛ لأن هذا بيت ربه .. هذا كتاب ربه .. هذهِ مشاهد الأئمة والنبي (ص) الذين يمثلون ولاية الله عزَ وجل في الأرض .. ولهذا بعض الناس عندما يُقبل القرآن يقبلهُ كأحسن من تقبيلهِ لابنهِ وزوجته ؛ ولهذا يتعالى صوت تقبيلهِ يمينا شمالاً غلافاً ورقاً لأنهُ يعيش حالة شعورية هذا كتاب ربي ، يُقبل باب المسجد لماذا ؟.. لأن هذا بيت ربه هل في ذلكَ غضاضة ؟!!.. ليس في ذلك غضاضة أبداً ، و ( انتبهوا لهذهِ نقطة جيداً : الالتفات إلى الحق ومحبة الحق ، ينتشرُ أثرهُ على كل شيء ))

حجهُ حج متميز .. قراءتهُ للقرآن قراءة متميزة .. صلاتهُ .. عبادتهُ .. ونحنُ نعلم أن بعض كبار السن الذينَ أَنِِسُُوا بذكر الله عزَوجل حتى في ساعات الغيبوبة قبل الوفاة يلهجُ بذكر اللهِ عزَوجل .. وبالفعل رأيت أحدهم قبل فترة على سرير المستشفى وقد توفى على سريره ، كنتُ أزورهُ ، وإذا به و هو في حالته من الغياب عن الوعي يصلي !!.. وقد قال لي أحد أولاده أنهُ يصلي كأنه من لا شعور ، يصلي وهو موشكٌ على الوفاة ، هذهِ عبارة عن أُنس الإنسان بالله ، والبعض أيضاً توفى وهو يترنم ببعض الترنيمات التي ترمزُ إلى أشياء هذا الحب الكبير لله .

إخواني ، إذا أردنا – وهذهِ في الواقع كلمة جوهرية إذا فقهناها لكفاني وكفاكم – أن نعلم أن الاستفادة من الشريعة تتوقف على الأنس والمعرفة بالمشرع ، و إلا فإن الأمور تكلفية . نحن نعلم أن بعض الأولاد المشاكسين في البيوت تأمره أمراً فيرتكبُ خلافَ ذلك ، تأتي بخادمة غير منسجمة معك تتكبد معها المشاكل ؛ بسبب عدم وجود الأُنس والارتياح ، لا يوجد تعبد ، لا توجد حالة من حالات الانقياد ؛ ولهذا لا بد للمتعبد من هذهِ المعرفة الإجمالية الكبرى ( من عرفَ نفسه فقد عرفَ ربه ) ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ – آل عمران 31 ﴾ وهذا هو بيت القصيد في حديثنا هذا اليوم .

ثانيا : الاستعانة بالتفاسير

القرآن عبارة عن حقول متنوعة تارةً أحكام شرعية ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ – البقرة222 ﴾ تارةً حقول قصصية مثل قصة يوسف (ع) قصةِ يونس (ع) قصةُ أدم (ع) ، تارةً أوامر .. وتارةً نواهي .. الإنسان عليهِ أن يستفيد من كُلِّ حقلٍ من هذهِ الحقول ؛ ولهذا الذي يأنس بجو القرآن ، ويستلذ بقراءة القرآن لا يختلف الحال سواء كانت الآية آية حكم شرعي أو آية حكمة ، البعض عندما يمر على آيات الميراث ﴿ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ – النساء 11 ﴾ يقرؤها بالعجل حتى ينتهي من هذهِ الآيات ، وكأنها آياتٌ من الدرجة الثانية ، بينما آيات جهنم وآيات النار يعتبرها آياتٌ معتبرةٌ ينبغي أن يُركَّز عليها !!.. هذا ليس صحيحا فالقرآن كله كلامُ رب العالمين ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ – النساء 13 ﴾ هذهِ أحكامٌ حدودٌ والذي يتجاوز حكمُ رب العالمين في الجهاد كمن يتجاوز حكمُ رب العالمين في معاشرة النساء لا فرقَ بينَ هذا وبين ذاك . فإذاً على المؤمن أن يستفيد من شتى حقول القرآن .

ومن موجبات الاستفادة الاستعانة بالتفاسير ، إنسانٌ يقرأ القرآن دهراً و لا يعلم معنى الآيات البسيطة التي يمرُ عليها يومياً ؛ ما معنى : الله الصمد ؟.. الذي نقرأهُ كل يوم ، وحتى الطفل الصغير أول ما يحفظ من كتاب الله عزَ وجل سورة التوحيد ، والكبارُ والصغار لا يعلمون معنى الصمد ! .. نقرأ من سورة يس في الأيام البيض ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ – يس 8 ﴾ ما وجه الارتباط بينَ الغِل وبينَ الذقن ؟.. الأغلال إنما توضع على الأعناق لا على الأذقان !!.. ما معنى ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ – يس 8 ﴾ ؟.. مامعنى : ﴿ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ – النجم 22 ﴾ ؟.. وما معنى : ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً – عبس 31 ﴾ ؟.. حقيقةً لا تخلو سورة من القرآن الكريم من عشرات الكلمات التي لا نعلم لها معنى ، والقارئ لا يحتاج إلى مراجعة التفاسير ، إذ توجد نسخٌ من القرآن المفسر بالهامش ، عندما تقرأ القرآن انظر إلى بعض هذهِ الكلمات ، فبعد ختمة ختمتين ثلاث .. وإذا بكَ تعلم مجمل معاني القرآن الكريم ، إذاً هذه أيضاً من الملاحظات في مجال الاستفادة من القرآن الكريم .

ثالثا : التَّخَشُّع

التفاعل الشعوري مع الآيات التي تُعطي للإنسان في هذهِ الحياة دافعاً ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ – الحديد 16 ﴾ معنى ذلك أنَ القرآن مادةٌ للقلب ؛ القلب الذي لا يخشع مع القرآن هذا القلب ليس بقلب .

كنا نقرأ بالأمس الجزء الخامس من القرآن الكريم قراءة سريعة ، و الإنسان الذي يريد أن يفتح قلبهُ على القرآن يمكن أن يستفيد حتى أثناء التلاوة العابرة مثال 1: ما كُنتُ أفكر في هاتين الآيتين أثناء التلاوة ، ولكنني خرجتُ بهذهِ الاستفادة ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً – النساء 103 ﴾ هذهِ آية معروفة ، والكُل يقرؤها في المناسبات ، ولكن هل تعلمون سياق الآية ماذا ؟.. هذهِ الآية مذكورة بعد آيات الصلاةِ في القتال ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ – النساء 102 ﴾ .. يعني أيها العبد .. أيها المسلم .. وأنتَ في حال القتال لا تنس الصلاة بين يدي الله عز وجل .. طائفة تُصلي .. وطائفة تُراقب المعركة لترمي من يرمي المؤمنين .. وكلنا يعلم موقف الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء صلى صلاة الحرب ، ومن الشهداء في يومِ عاشوراء من قُتلَّ أثناء الصلاةِ مع الحُسين (ع) ، بعدَ ذلك يقول القرآن : ﴿ كِتَٰباً مَّوْقُوتاً ﴾.. وأين هذه الحال الراقية مع الصلاة مع حالنا ؟!.. أنا جالس في المنزل أسمع آيات الله والمؤذن يؤذن (( حي على خير العمل )) والمرأة مشغولة بطبخها ، والرجل مشغول بهذا الجهاز الذي أمامه الذي يبثُ من كُلِّ رطبٍ ويابس ومن كُلِّ غثٍ وسمين ؛ أترك الصلاة في العمل من أجل دراهم معدودة !!.. فهل هذا من الإيمان في شيء ؟! .. القرآن ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ – البقرة2 ﴾ هدى لمن ؟.. للمتقين .

مثال 2: للقراءة السريعة التي فيها نية الاستفادة الإنسان يُفتح لهُ باب ، هذهِ الآية المعروفة والتي نمني أنفسنا بها ، وهي نعم الأمنية ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً – النساء 64 ﴾ أتعلمون ماهي الآية الثانية ؟.. بعد هذهِ الآية مباشرةً ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً – النساء 65 ﴾ شفاعة النبي (ص) مغفرة النبي في محلها .. ولكن ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ إذا كانت عندك مشكلة عائلية .. مشكلة اقتصادية .. مشكلة مع الناس .. اسأل الشرع : ما هو رأي الدين ؟.. فإذا سمعت حكم الدين .. سمعت الفتوى من مرجعك أو من وكيل المجتهد ، عليكَ أن تُسلم تسليما .. لا أن تقبل على مضض . يأتي إنسان يسألكَ في الخُمس مسألة فإذا أحس أن الخمس تصاعدَ عنده لعدم معرفتهِ بالحكم الشرعي يذهب وقلبهُ كذا وكذا من الحُزن ، لماذا لم يحصل على تنزيلات وتخفيضات في عالم الخمس ؟!.. امرأة تشتكي على زوجها ، فيُقال لها الحكم الشرعي ، فتكش وتتراجع ، الزوج أيضا يُكلف بالحكم الشرعي فلا يسمع كلام الله عزَ وجل ، و القرآن يقول: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أنتَ لستَ بمؤمن رفضك للحكم الشرعي . أنتَ الذي تحتكمُ إلى الشرع لو أنَ إنسانا يدخل المحكمة القانونية أو العرفية واحتكمَ إلى القاضي ، وقال له القاضي حكما ، وهو أهان القاضي في كلامه يدخل السجن فوراً بتهمة إهانة القضاء ، وعدم احترام القضاء .

إذا الإنسان المؤمن عليهِ أن يلتفت إلى هذهِ النقطة جيداً أنهُ عندما يقرأ القُرآن لينتخب من القرآن دواءً عيوبه وأمراضه ، ولا بأس ، فإذا أصابت أحدكم مشكلة ، فليفتح القرآن لعلَّ اللهَ عزَ وجل – ولا أقول هذا شيء صحيح ، ولا أن هذه الحركة حركة شرعية – يفتح لهُ شيء من الهُدى المهم هذهِ أيضاً استفادة أخرى في هذا المجال الكريم .

ارتباط القرآن بالعترة

لم هذا التأكيد على ( عليٌ مع القرآن والقرآن مع علي )؟.. لمَّ التأكيد على ( إني تارك فيكم الثِقلين أو الثَقلين كتاب الله وعترتي ) ؟.. إخواني ، القرآن عندما يُخصم منهُ أهل البيت كأنما أهل البيت قد خُصم منهُم القرآن الكريم . القرآن كتابٌ صامت .. القرآن فيه إجمالٌ القرآن فيه بعض الإبهام ﴿ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ – الفتح 10 ﴾ .. ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ – يونس 3 ﴾ كذلك ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ – هود 7 ﴾ كذلك ، ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً – الفجر22 ﴾ كذلك ، المقطعات السور ﴿ ألم – البقرة 1 ﴾ جُزئيات الشريعة جُزئيات الأحكام ، تشتري سيارة .. تشتري جهازا الكترونيا بسيطا ولا بد أن يكون معهُ دفتر يعلمك كيفَ تستفيد من ذلك .. الإسلام دين متكامل .. القرآن الكريم تكفل في بيانِ كُليات الشريعة ، هل يوجد مسلم أو عاقل يدَّعِي أن القرآن فيهِ كل شيء ؟.. أينَ عدد الركعات ؟.. أينَ صلاة المسافر ؟.. أينَ صلاة الميت ؟.. لو كان هنالك وضوح في كل جزئيات الشريعة لما وقعَ المسلمون في خلطٍ وخبط ، القرآن يقول : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ – البقرة 43 ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ – البقرة 183﴾ إلى يومنا هذا نعيش المفارقة متى نفطر .. مع سقوط القرص أو مع حلول الليل ؟.. كذلك جزئيات الصيام .. وتروك الإحرام ؛ على كل حال الشريعة لا يمكن أن تتم إلا بالعترة .

ودور العترة دورٌ متعدد : أولا : تفسير القرآن الكريم ، ثانيا : التطبيق وهو يحتاج إلى مُطبق ، مثال: لوأن القانون في بلد ما يُطبع ويوزع ، هل يستقيم القانون في الدولة ؟.. حتى ولو قُرئ .. هذا لا يكفي .. فعلى المشرع .. الإمام .. الولي .. الوصي .. له دور التطبيق .. ومراقبة التطبيق .. وسلبيات التطبيق .. افتحوا نهج البلاغة لأميركم .. كيف يبعثُ برسائله إلى الولاة ؟.. يتابع أعملهم .. يعزل هذا ..ويعين هذا .. وكل ذلك من لوازم تطبيق الشريعة .. فالمشرع يفسر يبين يفصل يرفع المتشابهات ، ثم يُطبق ثم يتلافى سلبيات التطبيق ، و هذا هو دور العترة في القرآن الكريم ، ولهذا نقرأ في زمان الغيبة : ( اللهم وأحي بوليك القرآن ، وأرنا نوره سرمدا لا ظلمة فيه ) هذا النور الذي خفي على العيون ، هذا النور لا يرجع إلا بقيام قائمهم (ع) .

الآداب الظاهرية لقراءة القرآن الكريم :

للقرآن آداب ولطالما أهملنا هذه الآداب ، هنالك الآداب الظاهرية والآداب الباطنية ، ومن الآداب الظاهرية :

أولا :قراءة القرآن على وضوء ، البعض يحاول ألا يلمس حروف القرآن ، دع عنك ذا .. توضأ.. وامسك القرآن حيث شئت ، يتثاقل حتى من الوضوء عند قراءة القرآن .

ثانيا : الاستعاذة ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ – النحل 98 ﴾ ، وليس المقصود بها الاستعاذة اللاهية ، فالاستعاذة حركة قلبية وليست حركة لسانية ، الشياطين عندما تفتح القرآن تهجم عليك ؛ لتحول بينك وبين قراءة الكتاب ، اطلب من الله أن يعيذك منها ، عندما تفتح القرآن خاطب رب العالمين للحظات : ( اللهم افتح قلبي على كتابك ) فالقرآن هدى ونور وشفاءٌ للمؤمنين ، فلا بأس من التريث قبل البدء حتى يُفتح القلب ﴿ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ – محمد 24 ﴾ نسأل الله عزوجل أن يفتح هذه الأقفال .

ثالثا : الإنصات بتدبر نحن عندما نزور مجالس القرآن بين فترة وأخرى ، نلاحظ أن هذه ليست مجالس قرآن بكل معنى الكلمة ، مجلس القرآن له هيبته له احترامه ﴿ وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ – الأعراف 204 ﴾ بعض العلماء يرى أن يجب على الإنسان أن يستمع لكلام الله عزوجل عندما يُتلى ، أليس هذا أمرا قرآنيا ؟.. يقول الإمام الصادق (ع) : في مجال التأكيد على هذه الحالة ، يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها ، وإذا قرئ عليك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع ، أما أن نجعل قارئ القرآن في غرفة يقرأ القرآن لنفسه ، والمجلس يخوض في كل حديث ، فليس هذا من احترام القرآن الكريم في شيء ، في بعض الأحيان يكون الرجل عليه جنابة أو تكون المرأة على غير طهر فيُتخذ من ذلك عذرا على ترك قراءة القرآن الكريم ، ونحن نعرف أن قراءة القرآن جائزةٌ في كل الحالات ، ما عدا آيات السجدة . والبعض يفتح إذاعة القرآن الكريم لشغل الفراغ .. للبركة بينما القرآن للإنصات والاستفادة ، أما أن تفتح المرأة القرآن وهي تعمل في المنزل ، لا أدري ما الفائدة من هذه التلاوة التي لا يُنصتُ إليها ؟.

وأخيرا : ليس فهم القرآن وقفا على صنف دون صنف ، فلإن كان الفقه وعلم الأصول من خصوصيات رجال الدين ، كتاب الله علينا أن نتدبر في معانيه ، وبالإمكان الاستفادة من عدة تفاسير ، التفاسير المختصرة ، والمتوسطة والمتخصصة .

الخلاصة:

1. شهر رمضان ربيع القرآن ، و الربيع لا يأتي ليُعطي الحياة للشجرة الميتة فحسب ؛ الربيع يأتي ليعطي الحياة أولا .. ثمَّ يعطي الثمارَ ثانياً .. ثمَ يستفيد الإنسان من ثمارِ تلكَ الشجرة المباركة ثالثا .. و لو أن تلك المراحل لا تتم فما قيمة ذاك الربيع ؟؟… فالإنسان في هذا الشهر قد يُوفق لقراءة القرآن ختمة بعد ختمة ، ولكن أينَ الثمرة

2. على الإنسان الذي يدخل المسجد فيستثقل البقاء في المسجد .. يُدعى للصلاة فيرى تثاقلاً… يفتح القرآن الكريم فيَود أن يختم الجزء وينتهي من تكليف ذلك اليوم … هذا الإنسان عليه أن يُراجع طبيب النفوس . انظر إلى قلبك عندما تفتح القرآن و هذا في الواقع امتحان مجاني .

3. إن الاستفادة من الشريعة تتوقف على الأنس والمعرفة بالمشرع ، و إلا فإن الأمور تكلفية .

4. من موجبات الاستفادة من القرآن الاستعانة بالتفاسير ، إذ توجد نسخٌ من القرآن المفسر بالهامش ، فعندما تقرأ القرآن انظر إلى بعض هذهِ الكلمات ، فبعد ختمة ختمتين ثلاث .. وإذا بكَ تعلم مجمل معاني القرآن الكريم .

5. القرآن كتابٌ صامت .. ودور العترة دورٌ متعدد : أولا : تفسير القرآن الكريم ، ثانيا : التطبيق وهو يحتاج إلى مُطبق .

6. الآداب الظاهرية لقراءة القرآن الكريم :أولا :قراءة القرآن على وضوء ثانيا : الاستعاذة ثالثا : الإنصات بتدبر

7. ليس فهم القرآن وقفا على صنف دون صنف ، فلإن كان الفقه وعلم الأصول من خصوصيات رجال الدين ، كتاب الله علينا أن نتدبر في معانيه ، وبالإمكان الاستفادة من عدة تفاسير ، التفاسير المختصرة ، والمتوسطة والمتخصصة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى