كيف نتعامل مع العقيدة؟

الفرق بين التوكل والتواكل والايكال

معنى التوكل
التَوْكِيْل / الوكالة : عملية تسليط وتفويض الإنسان غيره في أمر؛ ليقوم في إصلاحه مقامه ، أي يعطيه كل الصلاحيات مع تفويض الأمر إليه. مثال : وظيفة المحاماة قائمةٌ على هذا المبدأ ، وهو التوكيل في الدفاع عن الموَكِّل ، والوكالة نوعٌ من التسلط على أمر يعودُ إلى الغير ليقوم به .

والتَّوَكُّل : يحتوي أمرا إضافيا ، هو الاعتماد والاطمئنان إلى الموَكَّل ، مثال: عندما أقول أنا توكلت على المحامي ، فذلك يعني أني مطمئن إلى ما يقوم به المحامي في الدفاع عني . التوكيل يكون في حالات منها : أولا : عدم الحياة ، ففي حال سفر الإنسان لإجراء عملية يوكل وصيا ثانيا : العجز مثل الذي لا حجة له ولامنطق ، و لا علم له بالقوانين فيوكل محاميا ثالثا : يتمثل فيمن لا توجد عنده رغبة في القيام بحوائجه بنفسه فيُوكِّل السائق مثلا لشراء الحوائج .

هذه العناصر الثلاث نراها في رب العزة والجلال ، فالتوكل يكون على الله ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ – الفرقان 58 ﴾ فصفة الحياة صفة موجودة في رب العزة والجلال ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ – القصص 88 ﴾ ومن المشاهد المروعة التي تبين هذا المعنى ، المشهد بعد نفخة الصور الأولى المميتة ، إذ يسأل رب العزة: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ – غافر 16 ﴾ فيجيب هو : ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ – غافر 16 ﴾ . والصفة الثانية :الله قدير لذلك تقول الآية : ﴿ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ – الشعراء 217 ﴾ فهو القادر على تسيير الأمور وعلى الدفاع عنك .. والثالثة : وهو الرحيم ، فإذا لم يكن عندك ميلٌ وشفقة وإمكانية في تسيير الأمور ، فهو رحيم بعباده يفعل ما يشاء .

فالتوكل فيه معنيان : تسليط الأمر إلى آخر يقوم مقامه ، والثاني هو عنصر الاعتماد والاطمئنان إلى من توكلت عليه .

بين التَوَكَّل والتَّوَاكُل
إن البعض قد يخطئ في فهم التوكل ، فيقع في الإفراط أو التفريط الأولى : بأن يوكل الأمور كلياً إلى الله تعالى دون اللجوء والعمل بالأسباب اللازمة في هذا المجال .. والثانية : التفريط .. بحيث يعتمد على عالم الأسباب بشكل مطلق .. على ذكائه .. على عشيرته .. على ارتباطاته الاجتماعية .. والحال بأنه من اللازم الجمع بين الأمرين: الأسباب، والاعتماد على الله.

من الشواهد التي تعكس لنا ضرورة الأخذ بالأسباب:
مثال1 :ونورد رواية طريفة في هذا المجال ، مر الإمام علي ( ع ) يوماً على قوم فرآهم أصحاء ، جالسين في زاوية المسجد ، فقال ( ع ) : من أنتم ؟ قالوا نحن المتوكلون لأنه لا داعي للسعي في الحياة بما عندنا من توكل ، قال ( ع ) لا ، بل أنتم المتأكلة ، فإن كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم ؟ قالوا : إذا وجدنا أكلنا ، وإذا فقدنا صبرنا ، قال (ع ) : هكذا تفعل الكلاب عندنا ! قالوا : كيف تفعل ؟ قال : إذا وجدنا بذلنا ، وإذا فقدنا شكرنا . فالمتوكل هو الذي يسعى في الحياة ، فإذا وجد ما سعى إليه يُسخره في طاعة الله عزوجل ، وفي خدمة المجتمع .

مثال2 : وقد ورد في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي عبارات مختصرة عن التوكل : ( ليس التوكل هو قطع الإنسان أو نفيُهُ نسبة الأمور إلى نفسه ، أو إلى الأسباب الظاهرية بأن يقول أنا لن أفعل شيئا لا دخل للأسباب في حياتي هذا ليس توكلا ، بل نفيه دعوى الاستقلال عن نفسه ، وعن الأسباب ، وإرجاع الاستقلال والأصالة إليه ، مع إبقاء أصل النسبة غير المستقلة إلى نفسه وإلى الأسباب ) إذن المشكلة في الاستقلالية ، كما هو الحال في الشفاعة ، فنحن ننفي الشفاعة استقلالا ، ونثْبِتُها تَبَعَا ، بإذنٍ من الله عزوجل ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً – النساء 64 ﴾ .

مثال3 : يُورد العلامة الطبطبائي في قصة يوسف (ع) لفتة جميلة فيما يتعلق بقوله تعالى : ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ – يوسف 66 ﴾ فنبي الله يعقوب (ع) اتخذ الله وكيلا بينه وبين أولاده ،بعد أن طلب منهم ما يُطمئنه في عالم الأسباب من الوثائق .

مثال4: قوله تعالى في قضية الدين: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ – البقرة 282 ﴾ ليكون ذلك ضماناً وأبلغ في الحجة ، وهذا لا يتنافى أبداً مع عدالة المؤمن وكونه ثقة ، فقد ينسى الرجل أو يموت ، فيضيع حق الآخر.. ومن هنا ورد في الروايات – ما مضمونه- أن المؤمن إذا أعطى أخاه ديناً ولم يسجل عليه ، فأنساه الشيطان أو أنكر الدين ؛ فلا يلومن إلا نفسه .

مثال5 : من حياة نبي الله يعقوب (ع ) ﴿ وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ – يوسف 67 ﴾ فقد يكون السبب متعلق بالأمن أو الحسد لهم بسبب كثرتهم ، ورغم ذلك قال لهم (ع) ﴿ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ – يوسف 67 ﴾ فهذا منطق القرآن ، ومنطق الأنبياء في تعليمنا مبدأ التوكل .

عناصر النجاح
لكي نخرج بنتيجة في تعريف التوكل ، لابد أن نعرف أن النجاح في أي مشروع يحتاج إلى ثلاثة عناصر :

الأول : الأسباب المادية : فالزارع يكون عنده بذور .. يحرث .. يزرع .. وغيرها ، الجامعي ينتسب إلى جامعة .. يشتري الكتب وغيرها ، هذا يسمى عالم الأسباب المادية .

الثاني : الأسباب المعنوية / الهمة : وهي من الأسباب الروحية ، فالطالب انتسب للجامعة واشترى الكتب ، ولكن ليس عنده همة للدراسة ، فهو بحاجة إلى سبب معنوي ، وهو مما لا يُشترى أو يُباع .

الثالث : مباركة الله عزوجل لعالم الأسباب : فالزارع تمت له الأسباب المادية والمعنوية ، ولكن الله منع المطر عقوبة أو ابتلاء ، فالأمر أيضا لا يتم .

الأمثلة القرآنية : أم موسى (ع) كانت تريد أن تحمي ابنها من القتل ، فجعلته في صندوق ورمته في النيل … وجاء العنصر الثالث روحيا ، وهو المدد الإلهي : ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا – القصص 10 ﴾ … وفي آية أخرى تقول : ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ – الأحزاب 26 ﴾ فهذا تدخل إلهي … في قصة أصحاب الكهف أيضا تدخل روحي ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ – الكهف 14 ﴾ … وفي أحيان أخرى يكون التدخل بشكل مادي بحت : مثل هجرة الرسول ، فمن خلال عالم الأسباب إذ تم إدراكه كان لابد أن يُقتل ، ولكن بالتدخل الإلهي من خلال بناء العنكبوت بيتها ، والحمامة عُشَّها ، دُفِع عنه (ص) البلاء … وهناك حالات مشتركة بين الروح والمادة ، كمعركة بدر بإرسال الله الملائكة المسومين . فالاستقلالية في النظر إلى عالم الأسباب هو ذلك الشيء الذي يُرفض في الثقافة الإسلامية .

مناشئ / أسباب التوكل :
أولا : البنية الثقافية الأيديولوجية : الاعتقاد بربوبية الله عزوجل ، الإنسان الذي ليس عنده قوام فكري في الحياة ، الذي ليس عنده أيديولوجية متكاملة ، هو إنسانٌ مُتعثر ، فيعيش في نفسه الرقابة الإلهية ، ويترك المعصية أحيانا … وعندما يخفُّ خوفُه ويقينه ومراقبته يعمل الأعاجيب !!.. مثال : لذا نجد أن المد الشيوعي حكم العالم لمدة تتراوح بين 60-70 سنة ؛ بسبب البنية الإيديولوجية التي ينطلق منها – بغض الطرف عن موقفنا تجاهها- حيث قام ماركس وغيره في عالم الفكر الشيوعي بتهيئة البنية الثقافية القائمة على الإلحاد ، وقد امتدوا يمينا وشمالا ، وكان متوقعا لها البقاء لفترة أطوال بسبب ماترتكز عليه ، ولكن الله عزوجل أراد شيئا آخر . إذا علمنا ذلك بالنسبة للتوكل فهذا مدعاة لأن نتزن في حياتنا بالنسبة للتعامل مع عالم الأسباب ، فالفهم الأيديولوجي المضبوط لعالم الشريعة ، بمثابة المغناطيس الذي تتمحور حول قطبيه برادة الحديد في خطوط مغناطيسية جميلة بين القطبين السالب منهما والموجب ، فهو يعطي نسقا في حياة الإنسان … يعطي بعدا ، لهذا نجد الإنسان المؤمن على وتيرة واحدة . الإمام علي (ع) يقوم الليل عن فهم وقناعة ، يُقال أنه حتى في ليلة الهرير رغم قساوتها إلا أنه لم يكن متخذا صلاة الليل كعمل مستحب عادي ، بل هي منطلق للتعامل مع رب العالمين ، وهو في مثل هذه الليلة أحوج لصلاة الليل من غيرها .

الاعتقاد بحالة الربوبية والمالكية : ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ – الشورى 10 ﴾ البعض يستفيد استفادة جميلة ، فربوبية الله ومالكيته لعالم الوجود لها أثران : الأثر الأول : الأثر التكويني ، وهو ما قلناه آنفا ، وهو أن الأسباب بيد الله عزوجل ، يجعل الإنسان يعيش حالة الاطمئنان فيتوكل… والأثر الثاني : الأثرٌ التشريعي ، هذا الوجود له رب ، وهذا الرب له أمر وله نهي﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ – الشورى 10 ﴾ أرجع أتوكل تكوينا … وتشريعا أنيب إلى الله عزوجل ، وهذه هي البنية الأساسية للموضوع ، في هذه الآية أمران ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ – الشورى 10 ﴾: التوكل والإنابة .. تكوينا وتشريعا ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ – آل عمران 122 ﴾ ، عن أمير المؤمنين (ع ) : ( أقوى الناس إيمانا أكثرهم توكلا على الله ) ( حسن توكل العبد على الله ، على قدر ثقته بالله عزوجل ) .

ثانيا : القيام بوظائف العبودية : الإمام (ع) قال : ( هكذا تفعل الكلاب عندنا ) في الرواية التي ذكرناها آنفا ، الإنسان الذي يسعى في عالم الأسباب يستفرغ جهده في الدراسة .. في الزراعة .. في الإحسان إلى الزوجة … في كل ما عليه من وظائف يؤديها ، بعدها يتوكل على الله ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ – آل عمران 159﴾ فالعزيمة لها آثار في السلوك ، لا مجرد قول أني توكلت على الله عزوجل ، فإذا قام العبد بوظائفه ، الله عزوجل يمده بأسباب التوفيق . في عالم التجارة الروايات تؤكد الفقه ثم المتجر ، ما معناه : ( من لم يتفقه في الدين ، ودخل السوق ، ارتطم بالربا من حيث لا يعلم ) . أيضا مسألة ذلك الذي ترك دابته أيام النبي (ص) بدعوى التوكل ، حيث وجه سؤاله للنبي (ص) : ( اعْقُلُها وأتوكل ، أو أُطلقها وأتوكل ؟ قال: اعقلها وتوكل ) .

والتوكل ليس في الحياة الفردية بل حتى على الساحة الحربية والعسكرية مثال : في انتصار المسلمين ، من أروع خطب أمير المؤمنين (ع) في العسكر وهي تثير الحماسة بشكل قوي جدا ، أعطى الإمام علي (ع) في وسط المعركة وشدة القتال الراية بيد ولده محمد بن الحنفية في حرب الجمل ، وقال له : ( تزولُ الجبالُ ولا تَزُلْ إذا أردت القتال ارفع الراية واهجم على القوم ، غضّ على ناجذِك ، أعر اللهَ جمجمتَك هذه الجمجمة بما فيها من مخ لتكن لله عزوجل ، لا تفكر في الجمجمة أثناء القتال ، تِدْ في الأرضِ قدمك من الوتد أي لا تتقهقر إلى الخلف ، ارم ببصرك أقصى القوم حتى تستعد استعدادا نفسيا .. أنت عندما تنظر إلى مقدمة الجيش قد تدخل في نفسك الهيبة ، وغضَّ بصرَك ، واعلم أن النصر من عند الله سبحانه بمعنى خذ بالأسباب ، وتوكل على الله ، وفي الختام اعلم أن النصر ما هو إلا من عند الله ).

آثار التوكل :
1. الاطمئنان الكامل بالله : إذا كان الإنسان متوترا .. عنده حدة في المزاج .. قلقا .. غير مطمئن على عائلته على المستقبل على الإسلام … زيادة عن الحد اللازم ، فهو عنده نقصٌ في هذا المجال ، ويحتاج إلى التوازن ، ابراهيم (ع) : بما له من منزلة عظيمة عند الله وهو خليله لو بقي حيا لخدم الشريعة ، للدعوة ، للتوحيد ، عندما وُضِع في المنجنيق التقى معه جبرئيل في الهواء ، فسأله : هل لك من حاجة ؟.. فقال (ع) : أما إليك فلا ، وورد في عبارة أخرى: علمه بحالي يغني عن سؤالي ، فإبراهيم (ع) حتى في هذه الحالة لم يتوتر من جهة ، وأخذ بالأسباب فتوسل بالنبي الخاتم (ص) الذي هو من نسله وصلبه من جهة أخرى .

2. الاعتماد على النفس : البعض عندما يريد أن يبدأ عملا ما يعيش حالة من التردد وعدم الثبات ، بينما المؤمن مرتبط بالله عزوجل ، عندما يبدأ عملا يعلم أن وراءه مددا كبيرا من رب العزة والجلال في مجال الرزق ، فيعطيه ثقة بالنفس .

3. عدم الاهتمام بالأوهام : توجد مراجعات كثيرة بالنسبة للسحر رغم أن القرآن الكريم صريح في هذا المجال : ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ – البقرة 102﴾ حتى السحر إذا أراد أن ينفذ في إنسان فبإذن الله عزوجل ، ولهذا الروايات تؤكد على التمسك و الرجوع إلى قوارع القرآن ، ومنها آية الكرسي .. المعوذات .. والسُّخرة ، وهي تحصن الإنسان من كل شر ، وتمنعه من التأثر بالأوهام . في إحدى المعارك أشار منجم على الإمام علي (ع) : قال : لا تخرج من الكوفة للقتال ، هذه الساعة ساعة نحس ، فقال (ع) : أما أنه لم يكن لمحمد (ص) منجم ، ولا لنا من بعده ، حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر ، أيها الناس توكلوا على الله وثقوا به ، إنه يكفي ممن سواه .

الإيكال:
ينبغي أن نوازن بين الحالتين : هناك حالة من حالات الإيكال إلى النفس ، وهي عكس التوكل ، فالله عزوجل يُوْكِل العبدَ إلى نفسه ،يسجد النبي (ص) و يقول في سجوده : ( لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا ) هناك إنسان غير متوكل ، وهناك من هو أسوأ إنسانٌ يكلُ اللهُ أمره إلى نفسه ، فيذهب فى الهلاك الدائم ، أمير المؤمنين (ع) يقول: ( إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان، رجل وكَلَه الله إلى نفسه ، فهو جائر عن قصد السبيل ) .
وفي حديث قدسي : روي عن محمد بن عجلان قال: «أصابتني فاقة شديدة وإضاقة ، ولا صديق لمضيق ، ولزمني دَيْنٌ ثقيلٌ وعظيمٌ ، يلح في المطالبة ، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد ، وهو يومئذ أمير المدينة لمعرفة كانت بيني وبينه ….. فلقيني في الطريق فاخذ بيدي وقال: قد بلغني ما أنت بسبيله ، فمن تؤمّل لكشف ما نزل بك ؟ قلت: الحسن بن زيد . فقال : إذن لا يقضي حاجتك ، ولا تسعف بطلبتك ، فعليك بمن يقدر على ذلك ، وهو أجود الاجودين ، فالتمس ماتؤمله من قبله ، فإني سمعت ابن عمي جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن جده عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب(ع) عن النبي(ص) ، قال: أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه : وعزتي وجلالي لأقطّعن أمل كل آمل أمّل غيري بالإياس، ولأكسونه ثوب المذلة في الناس، ولأبعدنه من فرجي وفضلي، أيأمل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي؟ ويرجو سواي وأنا الغني الجواد؟ بيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني. ألم تعلموا أن من دهاه نائبة لم يملك كشفها عنه غيري ، فمالي أراه يأمله معرضاً عني ، وقد أعطيته بجودي وكرمي مالم يسألني؟ فأعرض عني، ولم يسألني ، وسأل في نائبته غيري ، وأنا الله ابتدئ بالعطية قبل المسألة. أفاُسأل فلا أجود؟ كلاّ. أليس الجود والكرم لي؟ أليس الدنيا والآخرة بيدي؟ فلو أن أهل سبع سماوات وأرضين سألوني جميعاً وأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح البعوضة ، وكيف ينقص ملك أنا قيّمه ، فيابؤساً لمن عصاني، ولم يراقبني.

الخلاصة:
1. التَوْكِيْل عملية تسليط وتفويض الإنسان غيره في أمر؛ ليقوم في إصلاحه مقامه . والتَّوَكُّل : يحتوي أمرا إضافيا ، هو الاعتماد والاطمئنان إلى الموَكَّل ، و هناك حالة الإيكال إلى النفس ، وهي عكس التوكل ، فالله عزوجل يُوْكِل العبدَ إلى نفسه ، فيذهب فى الهلاك الدائم .

2. إن البعض قد يخطئ في فهم التوكل ، فيقع في الإفراط بأن يوكل الأمور كلياً إلى الله تعالى دون اللجوء والعمل بالأسباب اللازمة في هذا المجال .. أو التفريط .. بحيث يعتمد على عالم الأسباب بشكل مطلق .. والحال بأنه من اللازم الجمع بين الأمرين: عالم الأسباب، والاعتماد على الله.

3. عناصر النجاح : الأسباب المادية.. الأسباب المعنوية / الهمة .. مباركة الله عزوجل لعالم الأسباب

4.أسباب التوكل : أولا : البنية الثقافية الأيديولوجية : فالإنسان الذي ليس عنده قوام فكري في الحياة ، الذي ليس عنده أيديولوجية متكاملة ، هو إنسانٌ مُتعثر .. ثانيا : القيام بوظائف العبودية : فإذا قام العبد بوظائفه ، الله عزوجل يمده بأسباب التوفيق .

5. آثار التوكل : الاطمئنان الكامل بالله .. الاعتماد على النفس .. عدم الاهتمام بالأوهام .

صوت المحاضرة: الفرق بين التوكل والتواكل والايكال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى