كيف نتعامل مع العقيدة؟

كيف نتعامل مع هاجس الموت ؟ – 1

المحتوى : حقيقة الموت … عوامل الخوف من الموت … كيف نستسيغ الموت كما يطلب منا القرآن الكريم ؟ سكرات الموت … هدية الأموات … انتفاع الأموات بما يُقدم لهم من العمل الصالح … التفات الأموات إلى ما يجري في الحياة الدنيا على ذريتهم وعلى أصدقائهم …

عوامل الخوف من الموت :
في سورة الجمعة آياتٌ تتعلق بهذه القضية المهمة … فعوامل الخوف من الموت يمكن أن نستخلصها من هذه الآية الكريمة ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ- الجمعة 6 ﴾ ظاهر الخطاب في هذه الآية لليهود ، ولكن القرآن ليس في مقام إعطاء مقياس لليهود فحسب ، وإنما هو في مقام إعطاء مقياس لكل من يريد أن يرى نفسه قريبا من الله عزوجل . عادة المحب يحب لقاء محبوبه … إنسان له علاقة مع صديق ، عندما يعلم بقدومه يفرح كثيرا ، القرآن يقول : ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ- الجمعة 6 ﴾ فلماذا لا نتمنى الموت ؟!… يرى أحدنا جنازة يحاول ألا ينظر إليها … البعض يخاف دخول المقابر ، خاصة ليلا ، يرى أنه مكان موحش … البعض عندما يموت له عزيزٌ في المنزل ترى أنه يحاول تغيير المنزل أو أثاث المنزل ، لأنه يذكره بذلك الميت . الآية تقول : ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ- الجمعة 6 ﴾ ما المانع من تذكر الموت ؟ ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ – الجمعة 7 ﴾ هم لا يتمنونه أبدا حتى في اللحظات الأخيرة بما قدمت أيديهم .

الآية صريحة . إن الذي يجعل الإنسان يخاف من الموت :

1. عدم الاستعداد لما بعد الموت : عالم الأموات عالمٌ مبهم … عالمٌ غريب … عالم غير مُتكرر … الإنسان لا يعلم ما يُفعل به بعد الموت ، وهل رأيتم إنسانا يحبُ أن ينتقل من حالة واضحة إلى حالة مجهولة ؟… هل يُحب الإنسان أن ينتقل من بيت مؤثث من زوجة مطيعة سيارة فارهة عمل جيد حياة ميسرة ؟… أيتنازل عن كل هذا؟!… وإلى أين ؟ إلى شيء لا يعلمه … لا يعلم ماذا يحل به في الليلة الأولى !… ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ – المؤمنون 99 ﴾ و كما ورد في الروايات :( القبر إما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ) وهذا ليس لمدة يوم أو يومين ، و على قول بعض العلماء أن البرزخ على ثلاث حالات : إما فيه تعذيب ، وإما فيه تنعيم ، وإما إهمالٌ للميت بمعنى أنه ينام في القبر إلى أن يُبعث ، وفي رواية : ( إذا مات ابن آدم قامت قِيامته ) .المهم ، ما بعد الموت ، ما بعد البعث ، مواقف العرض ، الميزان ، الحساب ، الانتظار المُمِل ، لو قيل لإنسانٍ عليك أن تقف يوما واحدا فقط وبعدها الجنة ، ولكن طول هذا اليوم خمسون ألف سنة ! … ولو لم يكن هناك أي عذاب ، وكان تحت ظل شجره وإلى جواره جدول جار ، ولكن هو ينتظر دوره في الحساب ، ألا يُعد هذا الانتظار مملا ثقيلا ؟… إذن ، القرآن يقول : ﴿ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ – الجمعة 7 ﴾ فظلم الإنسان يُخوفه من الموت ، ولهذا عندما تذهبون إلى المحكمة وترون متخاصمين ، أحدهما علامات الاستبشار في وجهه ، متى ؟ … إذا كان يطمئن أن القضية رابحة ، وعنده محام جيد ، وهو مظلوم ، بينما الظالم كله هم وغم ، لأنه يعلم أنه سيُودع السجون ، فالأمر الذي يمنع الإنسان من الارتياح للموت ، فضلا عن التمني هي مسألة الظلم ، ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم . ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ – الجمعة 7 ﴾.

2. إنكار حقيقة الموت في مقام العمل : ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ – الجمعة 8﴾أنت تفر من الموت ، والموت أمامك ، أنت تظن أن الموت خلفك ، الإنسان عندما يخاف من لص … من شرطي … من دورية … يذهب إلى الأمام ، ويجعل ما يُخيفه خلفه ، ولكن : هذا اللص مشتبه فالدورية أمامه بانتظاره !! … أنت تهرب من شيء في حين أنك متوجه إلى ما تخاف منه .

عدم استيعاب فكرة الموت ، وقد ورد في الروايات : ( لم أر يقيناً أشبه بالشك كيقين الناس بالموت ) هو حقيقة واقعة ، بعض الأحيان الإنسان يُكابر ، أصحاب بعض المحلات التجارية يعلمون أنهم في طريقهم إلى الإفلاس ، ولكنه لا يصدق يبقى متشبثا بمحله ، يدفع الإيجارات الغالية ، وهو يعلم أنه في طريقه إلى الإفلاس ، هو مستعد أن يخسر يوميا ، ولا يعترف أنه خاسر ، وكما تعلمون أن إيقاف الخسارة ربحٌ في حد ذاته . أحدنا يتعامل مع الموت وكأنه وهما . والإنسان فقط يتفاعل عاطفيا ، عندما يرى الجنازة يبكي يلطم ينوح ، ولكن بعد لحظات نرى الابتسامة على الوجه ، وقد فرغ لتوه من دفن عزيز !!… أن نعلم أنه حقيقة ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ – الأنبياء 34 ﴾ لو أن الله أراد أن يعفي إنسانا واحدا من الموت لجعله النبي محمد (ص) ، وهو (ص) عاش عدد سنوات متعارفة 63 سنة ، و هو العمر المتوسط في حياة الأمة ، وهو سن الأمام الحسين (ع) أيضا ، الآن عندما يكون عمر أحدنا 45 سنة فهو يُعتبر شابا ، كم بقي من عمره ؟… 15 سنة فقط !!… وهي الحياة الطبيعية .إذن تَذَكُر هذه الحقيقة ، أنه سيعيش 15 أو 20 أو حتى 30 سنة ، هي ليست كثيرة لتجعله يسترخي في حياته ، فكيف إذا مات في الخمسينات أو الستيينات ؟… كأنه ثمرة حان قِطافها … الثمرة على الشجرة تظن أنها خالدة … والزارع يمر عليها يوميا … وهي لا تدري أنه سيأتي يوم تُقطف فيه هذه الثمرة الجاهزة للجني !!.

3. عدم الأنس برب العالمين: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – الجمعة 8 ﴾ الذي يجعل الإنسان يخاف من الموت ، عدم أنسه بربه ، إذا كان هناك أنسٌ ، إذا كان يعلم أن الله رؤوف به ، حبيبٌ إلى قلبه ، فلماذا يخاف الموت ؟… يخاف لأنه لا يعلم كيف يُعامله الله عزوجل ؟ إذا كان يقطع من خلال سلوكه في الحياة أنه في حال تصفية حساب مع الله يوميا ، الوصية جاهزة … حقوق الناس مُدونة … حساباته مع الله يميحيها من خلال الاستغفار الدائم … صلاته … صيامه بشكل منتظم … إذا في ذمته شيء مسجل يُبادر إلى قضائه شيئا فشيء … ليس في ذمته حجٌ واجب ولا خُمسٌ واجب ولا فريضة واجبة … ليس هنالك من يُطالبه بحق … هذا الإنسان لماذا يخافُ من الموت ؟ الإنسان الذي يستحضر هذه الحقيقة: ﴿ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ – الجمعة 8 ﴾ لهذا على الإنسان أن يفترض أنه إذا جاءه ملك الموت ، ما موقفه ؟ إذا طلب التأجيل معنى ذلك أنه ليس في حالة طبيعية ، وأنه ليس على أُهْبَة الاستعداد .

البعض يموت موتة سريعة ، والموت السريع للبعض حالة جيدة ، خاصة إذا لم يكن عليه حقوق خاصة ، قد يأتي بلا سكرات بلا نزع بلا شلل بلا مستشفيات بلا آلام ، بالطبع هذه ميتة جيدة ، والموت السريع للبعض الآخر حالة غير جيدة ، وذلك للذي عليه حقوق … الذي عليه وصايا … هذه رأفة من الله بك . هو أعطاك التصرف بثلث أموالك ، والثلث يُعتد به ، تستطيع أن توصي بكلمتين بثلث أموالك ، كلمتين تكسبك الخلود في عالم البرزخ ، وكم تتنعم بهذه الصدقة الجارية بعد الموت !!… والأفضل في تقسيم الورث عدم تقييد الأثلاث ، مثلا أن يقول : ثلث أموالي ينفق في سبيل الله ، وقفا .. إنفاقا .. مساهمة .. طبع كتاب … وهي من الأمور المقربة لله عزوجل ، اكتب الوصية وأشهد عليها أحد المؤمنين ، وإن استطعت أن تثبتها في المحاكم فذلك أفضل ، ولكنها شرعا كلمتان منك ، سواء كتبت أو لم تكتب ، كلمتان شرعيتان تكفي لأن تؤسس لنفسك حسابا جاريا إلى يوم القيامة .

فعلى المؤمن أن يعيش الأنس برب العالمين ، أنا لا أقول أن يصل أنسه برب العالمين كما وصل أمير المؤمنين علي (ع) الذي كان يأنس بالموت (( والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه )) أو كلام علي الأكبر (ع) في أيام عاشوراء ، عندما قال : (( لا نبالي بالموت..أوقع علينا أم وقعنا عليه )) وكلام القاسم (ع) أو كلام أصحاب الحسين (ع) ، نحن لا نقول أن يصل إلى هذا المستوى ، ولكن ألا يخاف هذا الخوف الذريع ، ورأينا بعض علمائنا لبعض الحسابات أو لبعض المنامات أو غيرها كان يعلم بمماته ، وفعلا رؤي البعض بعد وفاته وورقة ، وقد كتب عليها تاريخ وفاته ، كانوا يستعدون يغتسلون ، يُنظفون أبدانهم حتى يُريحوا المُغَسِّل على المُغتسل . قبل سنة أحد الأشخاص في مشهد الرضا (ع) خرج من الحرم ، جاءته سكرات الموت ، فرش عمامته أو ماكان على رأسه ، واستلقى وأسلم نفسه لله عزوجل بكل ارتياح ،كأنها سفرة جميلة طريفة من عالم متعب ، إلى عالم كله السرور . هذا هو الالتفات لفلسفة الحياة ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ – الملك 2 ﴾

هل أرواح الموتى تلتفت إلى الحياة الدنيا ؟
نعم ، في خبر عن النبي (ص) : (( أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة إلى السماء الدنيا بحذاء قبورهم وبيوتهم ، وينادي كل واحد منهم بصوت حزين وعين باكية: يا أهلي ويا ولدي ويا أبي ويا أمي ويا أقربائي ، اعطفوا علينا يرحمكم الله بدرهم أو بدينار أو برغيف أو بكسوة ، يكسوكم الله من لباس الجنة.. ثم بكى النبي (ص) وبكينا معه ، فلم يستطيع النبي (ص) أن يتكلم من كثرة بكائه، ثم قال (ص): أولئك إخوانكم في الدين فصاروا تراباً رميماً بعد السرور والنعيم ، فينادون بالويل والثبور على أنفسهم يقولون: يا ويلنا!.. لو أنفقنا ما كان في أيدينا في طاعة الله ورضائه، ما كنا نحتاج إليكم.. فيرجعون بحسرة وندامة، وينادون أسرعوا بصدقة الأموات )).

لو أن إنسانا مات أبوه أوماتت أمه هل يُعتبر بارا بهما ؟
نعم ، قلت لأبي عبد الله (ص) : (( يقوم الرجل على قبر أبيه وقريبه وغير قريبه هل ينفعه ذلك ؟… قال : نعم ، إن ذلك يدخل عليه كما يدخل على أحدكم الهدية يفرح بها )) .لذا كان من المعروف أن منتزه الإمام علي (ع) عندما كان في النجف في وادي السلام ، لذا قيل له : ما شأنك جاورت المقبرة ؟… فالإمام علي (ع) خليفة المسلمين عندما يريد أن يرتاح يذهب إلى المقبرة ، فقال : إني أجدهم جيران صدقٍ يكُفُّون السيئة ويُذَكِّرُوْن الآخرة .

هدية الأموات
نحن نكرر طوال السنة : رحم الله من قرأ الفاتحة على أرواح المؤمنين والمؤمنات ، ونؤدي صلاة الوحشة :( ركعتان بعد الفاتحة آية الكرسي مرة واحدة ، وفي الركعة الثانية عشر مرات سورة القدر ، ثم تقول بعد الفراغ : اللهم صلي على محمد وآل محمد ، وابعث ثوابها إلى قبر فلان – أي إلى روحه ) إذا بلغ الإنسان خبر ميت لماذا لا يصلي صلاة الوحشة له ؟… حتى لو لم يكن يعرفه ، و إذا كان إنسانٌ تجاري في التعامل ، على الأقل ينوي ثواب هذه الصلاة لأبويه … إلى روح الإمام (ع) … إلى من يُريد … وإنشاء الله يوفق آخرون ليصلوا عليك هذه الصلاة بعد موتك . هناك أعمال خفيفة وآثارها عظيمة ، لذلك أرجو أن نعملها في حياتنا .

كان أبو عبد الله الصادق (ع) يُصلي عن وِلْدِهِ في كل ليلة ركعتين ، وعن والده كل يوم ركعتين : ( يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة القدر ، وفي الثانية بعد الفاتحة سورة الكوثر ) تُصليها في الليل لولْدِك لفلاحهم – التربية ضرورية ، ولكن طلب المدد من الله عزوجل ضروريٌ أيضا ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً – الفرقان 74 ﴾ وفي النهار بنفس الكيفية للوالدين .

سكرات الموت
الموت أشبه باقتلاع نخلة من مكانها .. إذا كانت نبتة صغيرة يقلعونها بيد واحدة أو بيدين .. أما إذا كانت متجذرة .. في الأعماق .. يأتون برافعة قوية .. ويربطونها بالنخلة .. ويقتلعونها من جذورها .. هذا منظر مؤلم !.. نبتة مستقرة لمدة سنوات .. مثمرة .. ولكن لضرورة من الضرورات يقتلعونها من الأرض .. وكلما كانت العروق منتشرة في الأرض كلما كان القلع أصعب . إنسانٌ عاش ستين سنة في هذه الدنيا .. أحب أشياء كثيرة .. المخلوقين ..الجمادات .. مكان سكنه ..أولاده .. أحب أشياء كثيرة ، والآن يُقلع ، في الحقيقة هذا مدعاة لأن يعيش الإنسان معاناة كبيرة وصعبة وثقيلة .

يُقال أن الإنسان في حال النزع يُؤتى إليه بأحب الأشياء إليه .. حتى لو كان ساعة جميلة .. أثناء الموت هو ينظر لهذه الساعة .. امرأة معجبة بإناء بحلية بثوب في أخر لحظات حياتها .. قد تُبتلى بهذا الشيء التافه .. لأن هذا الشيءكان له موقع في قلب هذا الإنسان .. يريد أن يفارق الدنيا وآخر نظراته إلى ساعة .. إلى مزهرية .. إلى ذهب .. إلى حسابه في البنك … ويبدو أن سكرة الموت مسألة طبيعية ، لأغلب المؤمنين ، لأن الله رأفة به يجعله يعيش معاناة السكرات حتى يُخفف عنه عذاب البرزخ ، وعذاب يوم القيامة . و يبدو أن أول عذاب يُبتلى به الإنسان هو سكرات الموت ، حتى أن بعض الموتى رُؤوا في عالم الرؤيا أن أغلب المؤمنين يُبتلون بهذا النوع من التعذيب ، ويبدو أنه الحد الأدنى الذي يُبتلى به الإنسان المؤمن .

مايخفف سكرات الموت :
أولا : قراءة دعاء العديلة .. سورة يس .. عدم دخول الجنب أو الحائض .. وذلك ليخفف على الميت الانتقال من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة .
ثانيا : عن الامام الصادق (ع) قال: (( من أحب أن يخفف الله عزوجل عنه سكرات الموت فليكن لقرابته وصولاً ، وبوالديه باراً ، فان كان كذلك هون الله عليه سكرات الموت ، ولم يصبه في حياته فقر أبداً )) الرواية تذكر القرابة و الوالدين ، تذكر صلة الأرحام مطلقا ، وخصوص بر الوالدين له آثارٌ في الحياةِ عجيبة ، وهو ما ختم الإمام الصادق (ع) حديثه به ، بأن لا يصيبه فقر في حياته أبدا ، أما عند الموت فتُخفف عنه سكرات الموت ، في هذه اللحظات المصيرية في حياة الإنسان المؤمن .
ثالثا : جميع ملفات الأعمال تُغلق بعد الموت حتى أن الإنسان يصيح : ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ 99 لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ – المؤمنون 100 ﴾ ولكن ستة ملفات لا تُغلق كما يقول الإمام الصادق (ع) : (( ستة تلحق المؤمن بعد موته : ولد يستغفر له فعندما نقول اهتموا بأولادكم لا ليكونوا قرة عين في الدنيا فقط ، بل حتى بعد الممات ، بعض الأولاد لا ينسون آباءهم في اليوم أبداً ، أقلها قراءة سورة الفاتحة له يوميا ، إقامة مجالس أهل البيت في السنة مرة أو مرتين ، ومصحف يخلفه أي قرآن أو كتاب ألفه أو أوقفه على المكتبات العامة النافعة ، مثلا يوقفه على مكتبة المسجد للدورات الصيفية ، بحيث يكون صدقة جارية بعد الممات، وغرس يغرسه هذه النبتة يؤكل منها ولك فيه أجر ، وقليب يحفره صدقة ماء يجريه خاصة في بعض البلدان التي فيها جفاف ، وصدقة يجريها البعض يعتقد أنه لا بد أن يكون ثريا جدا ويبني مسجدا ، الصورة ليست كذلك ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ – المائدة 27 ﴾ تذهبون هذه الأيام لنيسابور ، تواجهون ضريحا مكتضا بالناس لقضاء الحوائج ، لمن ؟ لامرأة نيسابورية عجوزة تُسمى شطيطة ، قدمت درهما للإمام الرضا (ع) ، الإمام(ع) ارتضى هذا الدرهم ، وبعث إليها شيئا لكفنها ولكن بقي ذكرها مخلدا ، صدقة جارية وإن كانت صغيرة . البعض يريد أن يقوم بمشروع خيري ، ولكن لوحده ، وباسْمِهِ ، لا يريد أحدا يُشاركه في ذلك ، لماذا ؟ … ساهم في جزء من نفقات مشروع خيري .. في إضاءته .. والأفضل للإنسان المؤمن أن يُساهم في عشرات المشاريع ، ولو بمشاركات بسيطة ، من باب أن هذه اللبنة في المسجد تشهد له يوم القيامة ، فالصدقات الجارية ليست خاصة بالأغنياء ، أنت تستطيع أن تقوم بذلك ، واسأل أهل الاختصاص أين أضع مالي ؟ … وسنة يُؤخذ بها من بعده رحم الله بعض العلماء ، هم الذين كان لهم الدور في مجموعة من السنن الحسنة ، فمثلا : في ذكرى وفاة السيدة زينب (ع) لم يكن هناك إحياءٌ متعارف في السنوات القديمة ، أحد العلماء روََّجَ هذه السنة ، أن وفاتها (ع) في التاريخ الفلاني ، فعليكم إقامة ذكراها في بلاد المسلمين ، هذه سُنَّة ، العالم الذي أحيا هذه السنة كم له من الأجر إلى يوم القيامة )).

أثر الإخلاص في العمل
هذه القصة سمعتها من مرجع ، والمرجع ليس إنسانا عاديا ، وخاصة أن هذه القضية متصلة به ، وله رسالة عملية ، يقول كنا في النجف الأشرف ، وذكر اسم استاذه ، يقول رأيت في عالم الرؤيا ، رأيت أحد تلامذتي وهو متوفي في الجنة وله من القصور ما لا يُعد ، قلت له : معقولة يا فلان كل هذه القصور لك ؟!… قال التلميذ : نعم . يقول المرجع : أنا صدقت ، ولكن في قلبي شيءٌ من الشك !!.. وما زاد من تعجبي أنه قال : ما تراه من النعيم اشتريته بمبلغ زهيد ، تساءلت : كيف يمكن أن يشتري إنسانٌُ هذه القصور بمبلغٍ زهيد ؟!.. قال التلميذ : نعم : أنت صاحب القضية ، أنت في ذلك اليوم كنت مارا ، وإذا بسقَّاء له قربة يسقي الناس الماء ، بمعنى أنه كان يبيعه ، سألته بكم هذه القربة ، فأخبره بالمبلغ ، وكان بسيطا ، قلتَ له خذ هذا المال واجعله سبيلا عن روح تلميذي المتوفى – وسَقْي العطاشى فيه أجرٌ عظيم ، جبرائيل تمنى أن يكون إنسانا ليسقي الناس في الحج – المهم أن هذا العمل وقع موقع القبول ، الله ارتضى هذا العمل ، وإذا به يُكافؤني هذه المكافأة العظيمة .وتعلمون : سورة الإنسان ، أقراصٌ من الشعير يكتب لها الخلود ، إذا ارتضى الله لك عملا ، لا ينظر إلى حجم العمل ، ينظر إلى الدوافع والنوايا ، وفي الروايات: ( لا تستصغرن طاعة فلعلها هي المنجية ، ولا تستصغرن معصية فلعلها هي المهلكة ، ولا تستصغرن عبدا فلعله هو الولي ).

الخلاصة :

1. من عوامل الخوف من الموت : سوء العمل ، عدم استيعاب حقيقة الموت والحياة وكأن الإنسان خُلق سُدى ،و على الإنسان أن يُصفي حسابه مع الله قبل لقائه ، وهو من مصاديق الحديث : ( موتوا قبل أن تموتوا ) بمعنى افترضوا أنفسكم في حالة الموت وحاسبوا أنفسكم ، قبل تفاجأون في ذلك العالم بما لا يُحمد عُقباه .
2. صورة تواصل الأحياء مع الأموات : وله صور كثيرة زيارة قبورهم لإدخال السرور عليهم ، أن نصلي للميت في أول ليلة صلاة الوحشة ، أن نصلي للوالدين في كل يوم ركعتين ، أن نهبهم ثواب مجموعة من الأعمال مثل الصدقات ، الصلوات …
3. تواصل الأموات مع الأحياء : إن أرواح المؤمنين تأتي كل جمعة إلى السماء الدنيا بحذاء قبورهم وبيوتهم ، وينادي كل واحد منهم بصوت حزين وعين باكية: يا أهلي ويا ولدي ويا أبي ويا أمي ويا أقربائي ، اعطفوا علينا يرحمكم … فلا تنسوا آباءكم وأقاربكم والمؤمنين والمؤمنات في كل يوم فقد يكونون في حالة شديدة من الحاجة في عالم انقطعت فيه السبل .
4. مايخفف سكرات الموت : قراءة دعاء العديلة .. سورة يس .. عدم دخول الجنب أو الحائض .. وذلك ليخفف على الميت الانتقال من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة . أن يكون لقرابته وصولاً .. وبوالديه باراً …..
5. إن بر الوالدين لا يكون في حياتهما بل حتى بعد مماتهما ، بأن نهديهم ما يمكن من الأعمال .
6. الصدقات الجارية ليست خاصة بالأغنياء ، أنت تستطيع أن تقوم بذلك ، قد تدفع درهما بنية خالصة لله ، فيرتضي الله هذا العمل ويقبله ، فالله لا ينظر إلى حجم العمل ، بل ينظر إلى الدوافع والنوايا ، وفي الروايات: ( لا تستصغرن طاعة فلعلها هي المنجية ، ولا تستصغرن معصية فلعلها هي المهلكة ، ولا تستصغرن عبدا فلعله هو الولي ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى