كيف نتعامل مع رب العالمين ؟

تأمّلات عبادية في الحركة إلى الله تعالى

ما الدروس التي خرجنا بها من مجموع الإحياءات لليالي البيض وغيرها ؟ أم أنه لمجرد الحصول على الثواب والأجر ؟ نحن نريد أن نخرج بمجموعة من الدروس من هذه الإحياءات وهي :

الدرس الأول:( بداخلك قوة كامنة كبيرة )
اكتشفنا أن القدرات المخزونة للإنسان ( القدرات بالقوة ) أكثر بكثير من التي نستغلها . إن مثل الواحد منا مثل دولة نفطية تملك رصيداً ومخزوناً نفطياً بملايين البراميل ، ولكن هذا الإنسان يعيش على وجه الارض وهو يستجدي ، طبعا بين هذا المخزون تحت سطح الأرض ولإخراجه على سطحها يحتاج إلى أدوات ، إذ ما قيمة الكنوز إذا كانت مخزونة ؟ … وهل يعتبر هذا الإنسان غنيا ؟ … إذن أحدنا قد يكتشف أنه يمتلك قدرات قوية لو أراد أن يستخرجها لاستخرجها . بعض الرجال والنساء كبار السن لا يتحمل الوقوف لممارسة أعمال المنزل لمدة ربع ساعة أو عشر دقائق ولكنه يقف ساعة ونصف في عبادة أمام الله عزوجل ؛ تفسير ذلك : أنه أراد وأحبَّ أن يعمل فعمل ، كذلك أحدنا عندما يطارد من قبل لص أو ماشابه تجد أن قوته تتضاعف للهرب ، ذلك لأن الجسم يكيف نفسه مع مختلف الظروف ، ومنها ليالي العبادة . فالإنسان لديه قدرات وإمكانات كامنة وهي توجب الشكر . ولكن يخاف على الإنسان من الاحتجاجات عليه يوم القيامة ، فعندما يؤتى بالعبد الكسول في ذلك اليوم – والذي يعبر عنه هذا الوصف المخيف : ( جيفة في الليل وبطَّال في النهار ) – ويرى المقامات المدخرة له ، لو أنه عمل أعمالا معينة ، ولكنه لم يعملها ، ماالذي يعيشه هذا الإنسان ؟… مجموع ذلك كم ؟ … الساعات الطويلة التي تمضي من حياتنا قد تضيع على مسلسلات لا تسمن ولا تغني من جوع ، وقد تنقلنا إلى أوج العرش !!… فعلينا أن ننتبه لهذه الطاقات الكامنة أولا .

الدرس الثاني : ( الجو الجماعي في العبادة أرض خصبة )
الجو الجماعي أرضية خصبة لكل شيء للشر وللصلاح ، لذلك نجد الشارع ينهى وبشدة عن الجلوس على مائدة الخمر ولو شربت ماء زمزم عليها ، لعل من العلل أن لا تعيش هذا الجو . و الجو الجماعي للطاعة كالجو الجماعي للمعصية ، بعض المؤمنين يفضل القيام بالعبادة في المنزل ، تستطيع أخي المؤمن أن تجمع بينهما ، ولا يوجد منافاة بينهما .
إن عبادة الله في بيت من بيوته جمع جماعة من المؤمنين بينهم الشيخ الكبير والطفل الصغير توجب كرمه ، والله تعالى أكرم الكرماء إذا أراد أن يكرم واحدا فيكرم المجموع ، خزائنه بين الكاف والنون (كن) في الحديث : ( إن الملائكة يمرون على حلق الذكر، فيقومون على رؤوسهم ، فيبكون لبكائهم ، ويؤمنون على دعائهم … بعض المؤمنين عندهم معاملات يؤجلونها إلى مابعد الصلاة لو تزاحمت معها ، ولوأدُّوها لربحوا مبالغ طائلة ولكن خشية أن تفوته الصلاة جماعة فيأتي إلى بيت الله ، يترك شهوة ، يغالب النوم ، منهكٌ من الصيام فيحي ساعةً ثم يعود لشأنه … هؤلاء لهم وزن عند رب العزة والجلال ( لولا شيوخ ركَّع ، وأطفال رضَّع ، وبهائم رتع لصب عليكم البلاء صبا ) فالملائكة يستغفرون لبني آدم ، فيقول الله تعالى : اشهدوا اني قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون ، فيقولون ربنا : إن فيهم فلانا ولم يذكرك ، فيقول : قد غفرت له بمجالسته لهم ، فإن الذاكرين ممن لا يشقى بهم جليسهم ). كذلك الأمر في ليالي القدر و ليالي إحياء المناسبات المباركة ، تنزل الرحمة على المجموع ، فاغتنموا هذه الفرص ، لا تقاطعوا مناسبات أهل البيت (ع) لا تعرضوا عنهم ، لذلك العلماء يستشكلون في الذي لا يحضروا الجماعة .
إخوتي ، العمر يمر مر السحاب ، ما الذي في هذه الحياة ؟ ما هي المحطات التي تعيننا على آخرتنا ؟ هل هي حياتنا الروتينية من أكل وشرب ومعاشرة للنساء ومن تربية للأولاد والذهاب للعمل ؟… هذا ليس زاد الآخرة ، بل زاد البطن والفرج ليس إلا ، زاد الآخرة شيء آخر. إن ربيع القلوب ثلاثة أشهر في السنة : شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان . و شهر رجب مهبط الرحمة ، تصب فيه الرحمة صبا ، ويوم الخامس عشر من رجب من أفضل أيام السنة ، فاغتنموا فرص الخير هذه .

الدرس الثالث : ( أطع الله ولا تقلق )
هناك بعض المؤمنين يحرص على حضور صلاة الجماعة رغم ما يحيط بها من ثقل مثل صلاة الصبح ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً – السجدة 16 ﴾ – التأكيد في صلاة الجماعة على فريضتين هما صلاة الفجر وصلاة المغرب والعشاء – و يحي مناسبات أهل البيت(ع) ، و يحي ليالي الإحياء ، ولكنه قد لا يرى تغييراً يُعْتَدُّ به في حياته ، ويتساءل أين الأثر ؟ يقول : إنَّ الاستيقاظ بين الطلوعين يوجب زيادة الرزق ، وأنا واظبت على ذلك بعد صلاة الجماعة في المسجد ، فماذا رأيت في حياتي ؟

الإجابة :
ملاحظة 1: لو كان الله يعطي الأجر على عمل الإنسان كل أسبوع أو كل أسبوعين لما بقي إنسانٌ غير موحد على هذه الأرض . يقول عزوجل :﴿ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ – الانبياء 24 ﴾ أنت عندما تعبد الله … عندما تحيي … عندما تعمل … تجاهد … تزور … عندما يكتمل النصاب تُعْطى جائزةً قيِّمة ، أنت لا تدري ماهي ؟ قد تكون ذرية صالحة … إنقاذ من مشكلات اجتماعية أوماشابه … صحة وعافية في بدنك ، وحسب تعليق أحد الفقهاء المراجع : أنت تعمل عملا فلا تدري ما الذي حصل ؟… ولكنَّ الله عزوجل يقول لملائكته أو للَّوح المحفوظ مددوا عمر هذا الإنسان عشر سنوات ، أنت لا تحس بذلك ، لعل عمرك الطبيعي أقصر ، لذلك ورد في الروايات (أن الذي يموت بالآجال الطبيعية قليل ) ، أغلب الناس تموت في غير ساعاتها ، إمَّا قبل الموعد أو بعد الموعد . لماذا ؟ لأنه قد يرتكب ذنوبا يقطع الرحم فيقدم موعد الوفاة ،ويصل الرحم فيؤخر موعد الوفاة .
ملاحظة 2: مشكلتنا أننا نشكر الله على النعم الإيجابية مثل الحصول على مبلغ من المال ، أما النعم السلبية ، بأن يُدفع عنا بلاء أو مرض . فلو كشف لك الغيب لرأيت أن نعم الله عزوجل لا تحصى، وخاصة البلاءات التي دُفعت عنك ، ولكن لم نُخْبر بذلك لمصلحة ما ، ولو أخبرنا بذلك لانتابنا شعورٌ عميق بالشكر والخجل والوجل .
ملاحظة 3 : بعض المؤمنين يشتكي من قساوة القلب من عدم جريان الدمع . أولا : لعله هناك خلل وظيفي في الغدة الدمعية بالعين ، ثانيا: المهم رقة القلب … الخشوع … التوجه لله عزوجل ، و ليس بالضرورة أن يرتفع صوتك بالبكاء والنحيب والحنين …. نعم هناك إنسان لا يرق قلبه ، إنسان يقرأ في ليلة الجمعة : ( عفوك عفوك قبل جهنم والنيران عفوك عفوك قبل سرابيل القطران عفوك عفوك قبل أن تغلَّ الأيدي إلى الأعناق ) وكأنه يقرأ الأخبار أو يسمعها من التلفاز ، هذا الإنسان عليه أن ينظر إلى قلبه ( ماجفت الدموع إلا لقسوة القلوب ، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب ) هناك ارتباط ، العين مرتبطة بالقلب ، والقلب مرتبط بالعمل ، فالإنسان عندما يعصي تتجلى المعصية في قساوة القلب ، وعدم جريان الدمع ، فعن أبي عبد الله (ع) قال: ( إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك )… الخط الدولي مع رب العالمين فُتح الآن … قل ما تُريد … فقد أُذن لك بالدعاء . لذلك عندما يذهب أحدنا للمشاهد المشرفة ويقول أأدخل يا الله ؟ أأدخل يارسول الله ؟ لا بد أن يتريث … أن يقف إلى أن يسمع جواب سؤاله … وقيل من علامات الإذن أن يرق القلب ، ويجري الدمع ، فمعنى ذلك أنه أذن لك بالدخول في ذلك الحرم الشريف .
ونحن مقبلون على شهر رمضان ، فإذا أصيب الإنسان بقساوة القلب ليلة القدر فتلك مصيبة ، فأطلبوا من الله في مثل هذه المناسبات ، وإذا كنت متوجها للحج أو للعمرة أن لا يعاقبكم بقساوة القلب ، والكريم إذا أجَّل العقوبة يُرجى منه أن يُلغيها .

الدرس الرابع: ( الجائزة المُعَجََّلَة )
عندما تنظر لوجوه المؤمنين بعد القيام بعمل عبادي تراها تتهلل فرحا ، ولا نرى هذه الصورة في غير المساجد ومواطن الطاعة ، حالة من الارتياح والسروروالفرحة ويبدون أنها مصداق الحديث : (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) حقيقةً يعيش الإنسان حالة من الفرحة … وبرد القلب … وسكون النفس عندما يحضر هذه المجالس المباركة ، أليست هذه جائزة معجلة تضاهي الجوائز النقدية ؟ وأهل الارض يفتقدون هذه الارتياح … ويبحثون عنه تارة من المخدرات ، ومع النساء ، وفي السفرات اللا هادفة ، يبحثون عن هذه اللذة والارتياح فلا يجدونها ، وأنت حصلت عليها بيسر في ساعة أو ساعتين﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ- النحل 96﴾ تلك لذة في الدنيا ، يعقبها سرورٌ في الآخرة ، ولولا تشجيع بعض المؤمنين والمؤمنات لما قمنا ببعض الإحياءات ، هناك نوع من السرور والمتابعة والرغبة . فمعنى ذلك أن الإنسان عندما يعيش هذا السرور فإن ذلك مدعاة لأن يقوم بالمزيد منها .
﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ – الرعد 28﴾ ألا : أداة تنبيه بمعنى انتبه ، بذكر : جار ومجرور تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ، والمعنى : بذكر الله يكون اطئنان القلوب لا بغيره . قرأنا في سورة الملك : ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ – الملك 14﴾ الله هو الذي خلق الإنسان ، وهو يعلم تركيبة نفسه ، وهو يقول : أن هدوء النفس ، وراحة النفس، واطمئنان النفس ،إنما هو بذكري لا غير . أما مايعيشه أهل الدنيا ، فكما يقول أمير المؤمنين ( ع) : (فما خُلِقْتُ ليشغلني أكلُ الطيبات، كالبهيمة المربوطة هَمُها عَلَفُها، أو المرسلة شغلها تقممها ) فالدابة تأنس بالمرعى وبالتزاوج ، ولكنها لذة بهيمية نشترك فيها مع الحيوانات السائمة في البراري ، وهذه اللذائذ المعنوية لا يمكن أن تُدرك ، أحد العلماء في جوف الليل عندما يعيش فتحا علميا أو ماشابه ذلك ، كان يصيح بصوت مرتفع : ( أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذة ؟ ) نحن أصحاب اللذائذ في جوف الليل ، بكشف علمي، أوبفتح ربَّاني ، أو ماشابه ذلك .

الدرس الخامس : ( عدم الابتلاء بالعجب بعد الإحياء )
عدم الابتلاء بالعجب بعد إحياء ليلة من الليالي ، فمن مجموع 365 ليلة ، ما وزن هذا اليوم ؟ وإن زاد إلى عشرين ليلة ماوزنها ؟… على الإنسان أن لا ينظر إلى ليالي التوفيق ، بل ينظر إلى ليالي الحرمان ، أين نحن في باقي الليالي والأيام ؟ لهذا نقرأ في دعاء كميل : ( وسَكنتُ إلى قديم ذكرك لي ومنِّك عليَّ ) بمعنى أنا مرتاح إلى ذكرك القديم لي . المهم علينا أن ننظر إلى النقص لا إلى التوفيقات ، ولعلكم سمعتم (من تساوى يوماه فهو مغبون) نحن في أغلب أيام السنة على وتيرة واحدة من الغفله وماشابه .

وأخيرا : علينا أن نترقى في هذا المجال فنزيد العمل كما وكيفا .

الخلاصة :
1- إن القدرات المخزونة للإنسان أكثر بكثير من التي نستغلها ، ولكن ما قيمة هذه القدرات الكامنة و هذه الكنوز إذا بقيت مدفونة لا نستخرجها ونستغلها ؟
2- الجو الجماعي أرضية خصبة للشر وللصلاح ، لذا علينا أن نحرص على العبادات الجماعية ، كصلاة الجماعة ، ومجالس الدعاء والذكر.
3- ألا يقلق الإنسان المواظب على الطاعات من عدم معاينته أثر أو جائزة فهناك آثار سلبية تتمثل في دفع الله عزوجل لبلاءات مما لا نستشعره ، أو بمنح قد لا نلاحظها مثل الذرية الصالحة .
4- إن لذكر الله لذة لا يمكن أن تضاهيها لذات الدنيا الفانية .
5- لكي لا يبتلى الإنسان بالعجب عليه أن لا ينظر إلى الليالي والأيام التي وفق فيها للعبادة – وهي قليلة – بل التي حرم فيها من هذا التوفيق – وهي الأكثر .
لا تقاطعوا مناسبات أهل البيت (ع) لا تعرضوا عنهم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى