كيف نتعامل مع رب العالمين ؟

التجليات الإلهية في المناجاة الشعبانية

من ألذِّ أنواع النعيم في جنان الله تعالى الجلوس مع المؤمنين ، يقول تعالى : ((عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ – الصافات 44)) وهذا الأنس جار في الدنيا والآخرة . وَرَدَ في الحديث الشريف أنَّ المؤمن لا يأنس إلا بالله سبحانه وتعالى أو – في الدرجة الثانية – بمؤمن مثله ، والمؤمنان إذا التقيا كان التقاؤهما كالتقاء ماء الأمطار و ماء الأنهار يتلاحمان مباشرة بمجرد نزول ماء المطر . وإنَّ بُطء ائتلاف قلوب الفجار كبطء ائتلاف قلوب البهائم ، وإن طال اعتلافها على مِذْوَدٍ واحد .

ماهي الفلسفة في أن الله أعطى امتيازا لبعض أيام السنة أو الأشهر أو الأماكن ؟

عندما نراجع واقع أمورنا الحياتية ، ونتساءل : ما الذي قدمناه لحياتنا العقبى ؟… نجد أن الوظيفة …الأكل …الشرب و المعاشرة مع الزوجات … هي السمة الغالبة ، و كل هذا لا يصب صبا مباشرا في أمور الآخرة – باستثناء حال كون نية القربى إلى الله موجودة – والله تعالى لطفا بنا وكرامة و إحسانا إلينا جعل ليلة واحدة في السنة هي خيرٌ من ألف شهر .

وطبيعة الإنسان والأصل فيه أن يكون غافلا … عجولا … ((خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ – الأنبياء 37 ))((وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً- الإسراء 11 ))… طبيعتة ضعيفا (( وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً – النساء 28 )) والدليل على ذلك أن اللقاء الرسمي بين العبد وربه ، و قمة ذكر الله الذي يتمثل في الصلوات اليومية نجد أن نسبة الإقبال على الله تعالى في هذا الموقف متدنية . نحن في غير الصلاة نعطي قلوبنا وأفكارنا لغير الله هذا هين ، ولكن في ساعة الله في الدقائق التي هي وقْف على رب العالمين … في الصلاة اليومية الواجبة … هذه الصلاة القصيرة كم ثانية منها نعطي لله رب العالمين ؟… وكلنا يعلم أو بعضنا أنه لا يرفع من صلاة العبد إلا ما أقبل فيها بقلبه ، وإلا فهل يغش الله تعالى بهذه الركيعات التي نعلم واقعها ؟…الجواب : أبدا .

إنَّ مناسبة شهر شعبان و شهر رمضان … هي نوع من التعويض من هذه الغفلة التي نعيشها في طوال السنة ، أنت عندما تكون مقصرا في طوال السنة فالآن الفرصة في مثل هذه الليالي المباركة .

هناك روايات تقول من صام يوما أو كذا يوم من شهر شعبان وجبت له الجنة . لا تستعظموا هذا الأجر، البعض يسمع هذا المقدار من الثواب فيصيبه التعجب ، ألا تسمعون في بعض الجمعيات أو الأماكن يُجْرون بعض السحب ، يسحب أحدُهم ورقة عشوائية من الصندوق وإذا به يعطى ألفا أو ألفين من الدراهم ، فكيف يعطى الفرد هذا المبلغ على ورقة عشوائية ، ورب العالمين لا يعطيك هكذا امتيازات مجانية مقابل أمر بسيط ، وهل يعز عليه سبحانه وتعالى أن يدخلك الجنة بعمل بسيط ، رب العالمين هو صاحب القرار هو صاحب الجنة والنار ، فله أن يعطي الجنة لمن صام يوما من شعبان ما الذي يمنع ذلك ؟ ((لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ – الأنبياء 23)) عندما نسمع هذه المضامين في كتب الدعاء علينا ألا نحتقرها ، وأن لا نمر عليها مرور الكرام .

التهيئة لشهر رمضان :

بمقدار ما نتهيأ ونهيئ الأرضية في شهر شعبان بمقدار ما نقطف الثمار في شهر رمضان ، مثال توضيحي : إن شهر شعبان بمثابة الفلاحة قبل الزراعة ، إن مرحلة البذر ومرحلة السقي لابد وأن تسبقها مراحل أخرى من إعداد الأرض ورش المبيدات الحشرية ، ثم يأتي الفلاح ليبذر ، فينزل عليه المطر وإذا به كما يقول عزوجل : ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ – فصلت 39 )) هل رأيتم مصداقا لهذه الآية في الصحاري القاحلة ؟ عندما يهطل المطر الكثير عليها ، هل ترون فاكهة واحدة ؟ أبدا … لماذا ؟… لأن الأرض غير مستعدة ، لو هطلت عليها أمطار العالم لا يمكن أن ُتنبت … نعم تنبت في البساتين الخاصة في المحميات ، لأن صاحبها هيأها لذلك ، فلا يحتاج إلا للقليل من الماء لتنبت من كل زوج بهيج . كذلك أنفسنا ، وشهر رمضان شهر الأمطار الغزيرة خاصة في ليالي القدر ، فأمطار شهر رمضان وسيولها مفيدة لمن هيأ الأرض وبذر البذرة الصالحة . وشهر شعبان فرصة جيدة لأن نهيء أنفسنا لشهر رمضان .

مناجاة شعبان ( مناجاة أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام ) :

(وَكَما اَرَدْتَ اَنْ اَكُونَ كُنْتُ، فَشَكَرْتُكَ بِاِدْخالي في كَرَمِكَ، وَلِتَطْهيرِ قَلْبي مِنْ اَوْساخِ الْغَفْلَةِ عَنْكَ) هذا الكلام من العرش ، فقلوب الأئمة (ع) محطات نزول الوحي بمعنى من المعاني ، يقول (وَلِتَطْهيرِ قَلْبي مِنْ اَوْساخِ الْغَفْلَةِ عَنْكَ) الأوساخ لا تنحصر في الذنوب وفي الزنا و الشرب و القمار وما شابه ذلك ، الإنسان إذا مر عليه اليوم والليلة ولا يتوجه بقلبه إلى الله تعالى للحظات أو لثوان ، فهذا قلب غير مطهر غير نظيف ، وعلى الأقل عندما نقف للصلاة علينا أن نستحضر وجوده عزوجل المهيمن على الوجود .

(وَاِنْ اَدْخَلْتَني النّارَ اَعْلَمْتُ اَهْلَها اَنّي اُحِبُّكَ ) يارب لإن عصيت جوارحي فجوانحي ممتلئة بحبك. إياك أن تيأس من القرب من الله تعالى حتى مع ارتكابك للمعاصي ، عالم القلب يختلف عن عالم الجوارح ، الإنسان قد يزل … الإنسان قد يعصي وقد لا يراقب جوارحه ، ولكن تبقى الجانحة ممتلئة بحبه تعالى ، علينا أن نمتلك هذا الحب ، وإن دخلنا النار بمعاصينا .

(وَاَبْلَيْتُ شَبابي في سَكْرَةِ التَّباعُدِ مِنْكَ )الشباب مرحلة القوة والفتوة والنشاط والاختيار والعزم ، الشاب عندما يصمم على عمل تجاري ثقافي نجده يفلح بشكل فائق ؛ لأنه قمة من النشاط ، لكن مع الأسف هذا النشاط وهذه القوة في كثير من الأحيان يُصبُّ في مصب غير مرغوب لله سبحانه وتعالى ، وللأسف مرحلة الندم هي مرحلة الشيخوخة مرحلة ضعف القوى وضعف العزائم ، تكملة هذه الفقرة من الدعاء (اِلـهي فلَمْ اَسْتَيْقِظْ اَيّامَ اغْتِراري بِكَ) هذه أيام مرحلة الشباب ، حيث بإمكاننا أن نحوز على الكثير ، أما أيام الشيخوخة فهي أيام الاجترار ، و سُكْرُ الشباب هو الذي يجعلنا لا نعلم أين نعيش ، السُكْرُ لا ينحصر في أنواع الخمر، فهناك سُكْرُ المقام وهناك سُكْرُ الشباب و سُكْرُ المال ، وهي الأمور التي تسلب الإنسان ذهنه ونشاطه .

(اِلـهي ما اَظُنُّكَ تَرُدُّني في حاجَة قَدْ اَفْنَيْتُ عُمْري في طَلَبَها مِنْكَ.) معنى ذلك أن هذه الحاجة المقدسة لا يمكن أن ُتعطى من خلال عمل أو عملين فقط . أحدنا يتوقع أنه لو بذل كل قواه في شهر رمضان أنه سيصل إلى مرتبة الفالحين المقدسين ، والحال أن هذه النتيجة ليست نتيجة شهر واحد إذا لابد من الاستمرارية والمتابعة . بعض المؤمنين يحرزون تقدما جيدا في شهر رمضان ، ولكن للأسف بعد شهر رمضان أو شهرين منه تذهبت تلك الحالات المتميزة من القرب من الله عزوجل ، الإنسان الصادق في الطلب والقصد لا يمكن أن يعمل كذلك ، فهل رأيتم تاجرا يريد أن يحصل على ثروة كبيرة فيعمل في شهر يناير – مثلا – وينام بقية أشهر السنة ؟!… بطبيعة الحال لا يمكن ، بل نجده يعمل لايفتر من الصباح إلى المساء … ليلا نهارا . أما الأنس مع رب العالمين ، و الارتباط مع مكون السماوات والأرض … والعيش في رحاب رب العزة والجلال يحتاج إلى شهر واحد في السنة ؟!.. وفي البقية نحن في إجازة ، أن، الأمر يحتاج إلى متابعة .

يقول الإمام (أفنيت عمري في طلبها منك ) فإذا كان الله لا يعطي هذه المقامات لأئمته إلا بالمتابعة ، فكيف نُعطى نحن هذه المقامات بمجرد إحياء ليالي القدر وبعض الأيام من شهر رمضان ؟! كل إنسان محاسب على ما هو عليه ((وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ – الصافات 24)) قفوهم خطاب للأنبياء وللأولياء ولعامة البشرية … عندما تُفتح ملفات أعمالنا ، نرى الدقيق من أعمالنا فيقول المرؤ : ((مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا- الكهف 49)) عندما يعطى الإنسان كتابه (( فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ 25 . وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ 26. يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ 27. مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ 28 . هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ – الحاقه 29 )) أين الحياة التي كان مشغولا بلهوها ولعبها ؟ … عندما يفتح كتابه ويرى مافيه ، تكون عندها الفضيحة ، يعصي الله عزوجل بأدوات الله . إنسان يعطيك هدية قيِّمة فتضرب بها وجهه . فكيف يكون تصرفنا هذا مع رب العالمين ؟ هل هذه الآيات لسلمان …لعمار… لأبي ذر؟ أنها تبيان لكل شيء((…أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ – العنكبوت 51)) .

هذه الأيام وهذه الساعة من يوم الجمعة لاتقدر بثمن ، أحدنا بإمكانه أن يغير مجرى حياته في مثل هذه الأيام .من باب المناسبة كنت عند الإمام الرضا (ع) ، وفي مجلس التقينا بشاب يعيش حالة من الندم على الماضي ، كنت أقرأ القرآن في المجلس ، هذا المؤمن ضرب على وجهه أمامي ، وقال : أهذه الآية في القرآن الكريم ؟ هذه الليلة لا أنام من فرط تأثري بهذه الآية . في سورة نوح (( مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً – نوح 13 )) لماذا لا توقرون رب العالمين في سلوككم … توقرون الرئيس و الوزير …. ولكن لا توقرون الله ، كنت نطفة قذرة في أصلاب الرجال ثم في أرحام الأمهات ثم أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، ثم تصبح طبيبا أو تاجرا . آية واحدة من القرآن الكريم يمكن أن تقلب حياة الإنسان رأسا على عقب ، وفعلا رأيت هذا الإنسان وقد أصبح إنسانا آخر ، يقول لي أيقضتني على واقع جديد ، وقد غيرتُ حياتي كلها … وأصبح يعيش عالم آخر من عوالم التغيير .

قمة الجوائز تعطى في شهر رمضان ، نحاول تهيئة الأرض تهيئة الجو لاستقبال شهر رمضان ، ليكون أوج اللقاء في ليالي القدر ، فلو قدر لنا كان لنا قمة المقدرات في هذ الليلة ( إلهي إن أثبت اسمي في ديوان الاشقياء فاكتبني في ديوان السعداء) معناها أن الله كتب اسمي في ديوان الاشقياء وفي هذه الليلة يجري تغيير المقدرات ، إذن لا نيأس من رحمة الله عزوجل (( قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ – الزمر 53 )) إلا جريمة واحدة وهي الشرك به ، ونحن على أضعف تقدير عصاة ولسنا كفرة ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ – البقرة 186 ))

أحد العلماء الصلحاء الأبرار المعروفين في النجف الأشرف ، كان دعاءه في السجدة الأخيرة من صلواته اليومية ، يقول الناقل كان يصلي ويتفاعل في صلاته إلى أن يبكي في أثناء الصلاة وعندما يصل للسجدة الأخيرة من صلاته وهي لحظات الوداع يضع رأسه على السجدة ويقول : ( إلهي يا من كتب على نفسه الرحمة ، يا من سبقت رحمتُه غضبَه ، صلّ على محمد وآل محمد ، وأفعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله .) حمدالله … الصلاة على نبيه … ثم طلب الحاجة في عبارة موجزة جامعة .

الخلاصة :
1- إن الله تعالى لطفا بنا وكرامة و إحسانا إلينا جعل ليلة واحدة في السنة هي خيرٌ من ألف شهر ، كما أعطى امتيازات مختلفة لبعض الأزمنة والأماكن…لأن الإنسان بطبيعته عجولا غافلا ضعيفا..
2- بمقدار ما نتهيأ ونهيئ الأرضية في شهر شعبان بمقدار ما نقطف الثمار في شهر رمضان .
3- الأوساخ لا تنحصر في الذنوب وفي الزنا و الشرب و القمار بل في الغفلة عن ذكر الله أيضا .
4- إن ( القرب إلى الله ) حاجة مقدسة لا يمكن أن ُتعطى من خلال عمل أو عملين فقط .
5- إذا كان الله لا يعطي مقامات القرب لأئمته إلا بالمتابعة ، فكيف نُعطى نحن هذه المقامات بمجرد إحياء ليالي القدر وبعض الأيام من شهر رمضان ؟!
6- إنَّ آية واحدة من القرآن الكريم يمكن أن تقلب حياة الإنسان رأسا على عقب.
7- إن قمة الجوائز تعطى في شهر رمضان ،فلنعمل على تهيئة الأرض لاستقبال شهر رمضان ، ليكون أوج اللقاء في ليالي القدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى